الخميس 18 أبريل, 2019

ثائر وشاعر في آن!

ثائر وشاعر في آن!

عبد الزهرة الركابي

alrekabiهل تستطيع أن تفصل الصوت عن الصدى، أن تفصل الثائر عن الشاعر النواب الذي كان في المحكية شاعراً، غدا أقرب إلى الثائر في الفصحى بعدما وصل مظفر النواب في طوافه البعيد، إلى المحطة الأخيرة، تأمل اجتراراً.. وبصمت الشاعر و(رهبنة) الثائر، من محل إنزوائه القسري، في ما قاله شعراً:

(سبحانك…

كل الأشياء رضيت سوى الذلِ…

وأن يوضع قلبي في قفص في بيت السلطان…

وقنعت يكون نصيبي في الدنيا كنصيب الطير…

ولكن سبحانك…

حتى الطير لها أوطان…

وتعود إليها…

وأنا ما زلت أطير…

فهذا الوطن الممتد من البحر إلى البحر…

سجون متلاصقة…

سجان يمسك سجان…).

هناك جدلية سائدة ومتوازية في آن، تكاد لا تخلو منها كل الأزمنة، ربما تكون مقاربة «للجدل البيزنطي، خصوصاً إنها تتعلق بأسبقية العنوان او الصفة أو الدور أو الأصل، أو الصوت والصدى، وهذه الجدلية لا تنطبق على أناس من عامة المجتمع، بقدر ما هي تتعلق بأفراد متميزين أو شخصيات استثنائية، أو فريدة في خلقها ونتاجها وإبداعها، في شتى الصنوف والجوانب والفعاليات.

والأدب والثقافة عموماً، ساحة لتبيان المتميزين الى حد (الأسطورة)! وإذا ما أردت تناول مظفر النواب.. فإن الذي يجعلني أقف حائراً في هذا التناول هو، عنوان النواب: ثائر أم شاعر، أم كلاهما معاً؟!.

ولو سلمت جدلاً، من أنه يجمع العنوانين (الشاعر والثائر في آن)، فإن في هذا التوصيف، تواجهني معضلة: الصوت والصدى، وبالتالي كيف أستطيع تشخيص أو حتى فرز أو فصل الصوت عن الصدى، في هذا التماهي والتلازم المعقدين، ما دام عنوانه: التوأم السيامي؟

مظفر النواب.. هذا الاسم المثير للجدل، في الشعر والسياسة والعنوان والمنفى.. هل كان شاعراً للتعرية السياسية وحسب، أم كان ثائراً في جلد شاعر؟.. ربما نصل الى العنوان المناسب بحقه في ما بعد، وعبر هذه الكتابة.

بداهة، أستطيع القول إن النواب، اكتنفته مرحلتان: الأولى مرحلة الثورة الميدانية في العراق، التي عاشها وعايشها النواب، في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت، وهي مرحلة النضال والثورة وحمل السلاح والاعتقال والهرب من السجن، وهذه المرحلة جسدها بكتابة الشعر العامي (الشعبي)، الذي أستطيع أن أختزل كل ما كتبه في هذا الجانب، في قصيدة (الريل وحمد ):

(مرينه بيكم حمد، وأحنه إبغطار ـ قطار ـ الليل، واسمعنه دك إكهوه ـ قهوة – شمينه ريحة هيل.. يا ريل ـ يا قطار ـ صيح إبقهر صيحة عشك ـ عشق – ياريل).

والأخرى مرحلة ترويج الثورة استعراضياً، وهي مرحلة المنافي التي بدأت من أواخر عقد الستينيات، وقد يكون منفاه الدمشقي، خير تجسيد لهذه المرحلة، التي تمثلت بكتابة الشعر بالفصحى، وإلقاء القصائد التحريضية، وكذلك استخدام الشعر وسيلة في تعرية النظم الديكتاتورية والرجعية والفاسدة.

وبإمكاني اختزال شعر النواب في هذه المرحلة، من خلال قصيدة (وتريات ليلية)، التي كانت بحق، أشهر عنوان لشعره، في التعرية السياسية خلال المرحلة المذكورة:

(من باع فلسطين سوى الثوار الكتبة؟

أقسمت بأعناق أباريق الخمر وما في الكأس من السم

وهذا الثوري المتخم بالصدف البحري ببيروت

تكرّش حتى عاد بلا رقبة

أقسمت بتاريخ الجوع ويوم السغبة

لن يبقى عربي واحد إن بقيت حالتنا هذي الحالة

بين حكومات الكسبة).

والسؤال هنا: هل رجحت كفة الثورية على الكفة الشعرية، لدى مظفر النواب؟

وكجواب على السؤال الآنف، فقد كان اللافت في مرحلة النواب الأولى، هو أن الكفة الشعرية، كانت هي الراجحة، وقد جاءت هذه الأرجحية، من خلال شيوع وانتشار الشعر العامي (الشعبي) وقتذاك.

وهي أرجحية، لا تحتاج الى سند آخر، بقدر ما تطرحه من صور جمالية، يملؤها العتاب والفراق، وكل أحاسيس النواب الشاعر، وهي أحاسيس ومشاعر، بثها شوقاً وألماً، حتى لو كان النواب في داخل العراق.. نعم كان موجوداً في وطنه، بيد أنه كان بعيداً عن أهله ومعارفه ومدينته بغداد.. وهذا الفراق والبعد، متأتيان من حرمانه من الحرية، من جراء السجن والمعتقل والملاحقة، أو حتى من مشاركته في الثورة المسلحة، وإقامته في المناطق النائية في الأهوار (المسطحات المائية) في جنوب العراق:

(لا مرّيت… لانشديت… لا حنيت

وكَالولي عليك هواي

وعودان العمر كلهن كَضن ويّاك

يا ثلج الي ما وجيت

تعال بحلم… أحسبها إلك جيّه و اكَولن جيت).

إذاً، في هذه المرحلة من حياته ونضاله، كان النواب شاعراً من منصة ثائر.

بينما كانت مرحلته الأخرى، من خلال اعتماده على اللغة العربية الفصحى، في كتابة الشعر، تجسد مرحلة أرجحية الثائر على الشاعر، لا سيما وأن المكان (المنفى)، لعب دوراً مؤثراً في هذه الأرجحية.. فكان شعره تحريضياً و(تشهيرياً)، وهذا لا يعني أن هذا الشعر، كان بعيداً عن رغبات وتمنيات الشاعر الذاتية، وإنما كان في كثير منه، إن لم أقل الغالب فيه، يتقدم دور الثائر على حساب دور الشاعر:

(شهرت بندقيتي الشّماء للكفاح

لا تقهر انتفاضتي

وموقعي أدوس أنف من يشك

أنّ بندقيتي

تلقح الزمان

أشرف اللقاح).

ولهذا، كان النواب في هذه المرحلة، وتبعاً لظروف فعاليات المنفى، ثائراً في صوت شاعر، أو بالأحرى كان الشعر لديه، ذخيرة الثائر!

وعليه، كان مظفر النواب.. يمسك بقبضتيه، جمر الثورة والشعر في آن واحد، وهذا سر احتراقه الأخير: مرضه الأخير، وجعه الأخير.. من يدري، قد يكون هذا الاحتراق، مخاض ثورة لاستيلاد قصيدة جديدة، أو وقود قصيدة لانفجار بركان ثورة جديدة.. من يدري؟!.

(كاتب عراقي)

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-03-11 على الصفحة رقم 9 – السفير الثقافي

تعليقات

comments

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.