الإثنين 27 سبتمبر, 2021

بين الوهم الثقافي والعقل الكسبي

كما في الطب، أطباء مهرة بارعون في تشخيص الداء في جسم الإنسان، هناك مفكرون جهابذة يجيدون قراءة واقع الحال في المجتمع البشري عموماً وفي مجتمعنا العربي بخاصة، ويُنظِّرون في ما عليه الحال من تخلف وانمحاق في القدرة على الخروج مما نحن فيه من معاناة، إلاّ أنهم فشلوا في تقديم سُبل معالجتها والخروج منها. فهؤلاء (المفكرون) لم يجهروا علانية بالأسباب، وإن عرفوها، بل جانبوا وفقاً لانتماءاتهم، في كشف الحقائق الكامنة وراء حال التخلف عند من يقع عليهم الفعل من جهة الفاعلين، الساعين للسيطرة على مقدرات الشعوب، فيما دوامتها تأكل مجتمعاتهم “وتقصف” أعمارهم، مستسلمين “لقدرهم” “مؤمنون” بحتمية العجز عن المواجهة.

هؤلاء “المفكرون” تمايزوا عن الأطياء بإحجامهم عن تقديم الحلول في مسيرة تشخيصهم، أو ربما خوائهم إلا من توصيف لواقع الحال، وتغافلوا عن وصف الداء كما يفعل الأطباء، إلا من التركيز على مساوىء ـ كل واحد منهم ـ فكر الآخر.

فكم من هؤلاء المفكرين ملأنا بتهشيم موارد وروافد بناء شخصيتنا الثقافية دون أن يقدم لنا ما يغنينا عن هذه الروافد ويجعلنا نعيد النظر عمّا عليه واقع حالنا وما بُنيَ عليه وعينا الثقافي / “الايديولوجي”، فذهبوا بنا ذات “اليمين” وذات “الشمال” في التشريح والتعليل والتحليل.

في كل مرة يعيدون ذاتهم وما حوت ذاكرتهم من فلسفات واطروحات الغابرين الذين قامت فلسفاتهم على البحث عن الحقيقة  في علة الوجود في الموجود.

هذه المجرورات من الفلسفات لم تغن العقل البشري ولم تزده إلا توهاً في عبّ النظريات، ولم توجد سلّماً يتسلقه العقل البشري في بناء علاقة بينية تؤمن سلامة الإنسان في وجوده وبناء مجتمعه.

الفلاسفة ـ الغابرون واللاحقون ـ  بنوا محاورهم على العقل عساه يبني مجتمعه، إلا أن العقل انْشَدَه أمام ما تفاجؤه به الطبيعة ـ “الأم” كما يقول بعضهم ـ من انتفاضات زلزالية وانفجارات بركانية ناهيك عن أمراض وبائية تتسلل إلى الجسد فتوقف عمل العقل وتُثبط عزيمة التفكير.

كل الفلسفات التي تدّعي أنها أوجدت طريق الخلاص للإنسان وحلول مشاكله أو معاناته، لم تقل لنا ـ مثلاً ـ لماذا يموت الإنسان؟ بل سلّمت بذلك وقالت: قدر محتوم واستسلمت أمامه (العلم قال هو “منطق” التحلل والتقهقر الجيني). وكم دار من حوار بين العقل وطرق استدلاله من جهة والجسد وسبل علله من جهة أخرى، بين سقراط والطبيب مثلاً. هذا الحوار لم يبيّن لنا جوهر المعادلة التي ألقيت حَكماً بينهم.

عقولنا سكتت عن مناقشة نتائج هذا الحوار وسلّمت بغلبة الأول بأن “الوهم” صناعة عقلية قادرة على التغلب على الجسد. فسكتنا عن التفكير، وسيطرت علينا هالة القائل وقلنا أن “الوهم” هو القاتل، فيما لو أعدنا الأمر إلى مكتسبات كل عقل نجد أن عقل الطبيب تعامل مع الأمر “بالمنطق” الذي بُنيَ عليه كسبه معرفة وعلماً.. ومؤدّى، وبالتالي تعامُل الإرهاصات النفسية، التي تفاعلت مع منطق العلم الذي يديرها. إذن، المنطق والعامل النفسي هما القاتل وليس الوهم، لأن الوهم يوهن الأعصاب ولا يُميتها ـ لأنه ضباب ـ، والعقل الآخر ـ الفرضي ـ اعتمد الخديعة.

عليه، نرى أننا بحاجة إلى انشتاين وليس إلى داروين. وبحاجة إلى ابن خلدون في علم الاجتماع وليس إلى سقراط في فلسفة العلل، بحاجة إلى من يساعدنا على البناء وتطوير الذات وليس إلى من يصنِّفنا ويشرِّحنا بحثاً من منشئنا وماهية وعلّة وجودنا. نحن بحاجة إلى من يقدم لنا الحلول للخلاص من معاناتنا وليس إلى من يقول لنا ما نعاني. نحن بحاجة إلى البناء المجتمعي بمنطق العلم وليس التنظير.

لقد سطى على عقولنا من جيل إلى جيل “الوهم” بأننا نعيش مجتمعاً قابلاً للتطور والتفاعل في عقد اجتماعي يوفر السلامة والأمن وسُبل الحياة دون إكراه. فيما نحن بحاجة إلى قيادات تتعامل مع شعوبها كبشر لا أدوات مكاسب تسوسها بالقهر والظلم والإفقار. فكما في الأفراد كذلك في الدول والشعوب والأنظمة.

نحن بحاجة إلى نظام حياتي يقوم على رؤية ما يحتاجه الناس، بأن يُزرع القمح ليكون خبزاً، لا إلى سطور على ورق تذهب بمجرد بلله فتمّحي، أو صوت يصدح في الهواء، فيُذرى كل ما ينطق به الصادح.

نحن من الذين ينادون الشعوب لتنهض، مع علمنا المسبق بأن هذه الشعوب قد سُلبت القدرة على التفكير نتيجة ما غُرس في عقولها من “الوهم” الدنيوي المتصارع بحكم الأطماع، والأخروي المتصادم رغم وحدة المصدر، وخلطنا الأوراق في فهمنا حتى تاهت عن وعينا سبل الخلاص ومعرفة الحقائق، فانصرفنا إلى جدليات ينحر فيها الدنيوي الأخروي، فيما القابضون على رقابنا يسخّرونا ويسيّرونا كما يشاؤون.

ا      لله خلق الإنسان وخلق معه وله كل ما يحتاج من أسباب العيش والحياة. ولم يحرمه من مركز لإدارة حياته، فأعطاه العقل ليكون أداة إبداع لا اجترار. والطبيعة لم تخلق الإنسان بل كانت لخدمته، لأن الجينات تتقهقر وتتجزأ فتتحلل ولا تتطور. وهكذا يستعمرنا حكامنا ويسوقونا لحرث مغانمهم، بل يستعملوناً وقوداً في نزاعاتهم ونحن نعيش وهم ما عبأوا فيه عقولنا، فتعصبنا وتحزبنا وسرنا في الركب، وشربنا من خديعة “الوهم” أن السراب ماء!!

“المنطق” يقول لنا أنه ما دمنا مستسلمين لما نحن عليه من “الوهم” فإن حتفنا واقع لا محال ولا قيامة لنا.

تعليقات

comments

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.