الأربعاء 11 ديسمبر, 2019

سيرة ذاتية للشجر

سيرة ذاتية للشجر

نزار النداوي

 

قريبٌ بعيدٌ

كأنّ المسافةَ بينـي وبينـي فَضَاءُ

وتلكَ المسافةُ عقدٌ

وحبّاتُه حنطةٌ ونساءُ

فأمّا القريبُ فقلبي

أعَلِّقُنـي عندهُ قريةً للصّباحِ

وشدوُ الشّحاريرِ صفحتُـها

والغناءُ

وأمّا البعيدُ

فحشرجةٌ في زوايَا الكلامِ

يُحاولني آثمُ الحرفِ فيها

ويأبى بيَ الكبرياءُ

قليلٌ بنفسيَ

لكنّ هذا القليلَ كثيرٌ

متى ارتابَ يوماً بنخلتيَ السُّفهاءُ

أفيضُ قصائدَ من ثَمَلٍ

ثمَّ أَنسِبُني للقلوبِ النّديّةِ

والكادحينَ على شَرَفٍ

عندما يُنْسَبُ الشُّعَراءُ

حَمَلتُ العراقَ بقلبيْ إلهاً

وآتانيَ الشِّعرَ منهُ كتاباً

تَنَـزَّلُ منهُ عليَّ تراتيلُ عشقٍ

وتأويلُ ما قالَهُ الأنبيَاءُ

ومِنْ نَخلتـيْ في المنافيْ

رأيتُ العراقَ يجوبُ البلادَ غريباً

وحيـنَ تَوَسَّمهُ المَجْدُ

قيلَ: يُنَاكفُنَا الغُرباءُ

أنا نَبْتُ دجلتِهِ والفُراتِ

مَتـى أنكَرَتنـي الموانئُ

قايَضتُ قبلةَ قَلبـي بأُخرى

وأنّى اسْتقرَّتْ بـهَا الرِّيحُ

وجهَتـُها الفُقرَاءُ

أولئكَ منْ يبذُرونَ الحُقولَ

حَصَادُهُمُ الفجرَ

حُبٌّ ومَاءُ

وهُمْ بَسمةُ الأرضِ

إرثـُهُمُ اللهُ منها

وهُمْ أهلُهُ الكُرماءُ

سلامٌ عليهمْ

بُيُوتُـهمُ الطّيـنُ

وارتجفتْ طفلةٌ

نضَّدَتْ بؤسَها دَمعتَيـنِ

ومدّتْ يَداً للعراقِ خمَاراً

تَنَاهبَه الطارئونَ

غَنائمَ

والسَّاسةُ الأغبياءُ

وواهاً لقلبيَ مما العراقُ حرائقُ

أشعلَها الزمنُ العبثيُّ

وواهاً لبغدادَ

ممَّا العيونُ بـها دَامعَاتٌ

وممَّا جراحاتُـها والدّماءُ

ويا أيّـها الطّاعنينَ غُباريَ خلفيَ

والغامزينَ ورائيَ

حسبي وحسبَ حُروفـيَ

أن الأولى طَعَنوا قَمَرَ الشّعراءِ وراءُ

تعليقات

comments

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.