الإثنين 17 يونيو, 2024

عبد الحميد بن باديس: شيخ العروبة والإسلام

 

عبد الحميد بن باديس: شيخ العروبة والإسلام

عروبة بن باديس كانت متقدمة على عروبة المشرق

بقلم: د. جورج الراسي

16 نيسان/ابريل هو يوم العِلم في الجزائر. يتم الإحتفال به في ذكرى رحيل الشيخ عبد الحميد بن باديس. هذا الشيخ الذي رفع راية العروبة والإسلام في أحلك أيام الغطرسة الإستعمارية.

ولد الشيخ بن باديس في 5 ديسمبر/ كانون الأول 1889 في كنف عائلة ميسورة من عائلات منطقة قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري، في عهد المعز بن باديس الصنهاجي .

 أول سفرة علمية له كانت إلى جامعة الزيتونة في تونس حيث كان استاذه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، شيخ الإسلام ورئيس الجامعة.

 حصل عام 1912 على شهادة "التحصيل"، ثم نال شهادة "التطويع" على يد الشيخ النخلي، وهي شهادة دينية مرموقة .

بعد عودته إلى بلاده بدأ يعطي دروساً مسائية في مسجد سيدي الأخضر للكبار، ودروساً في النهار للصغار في مسجد كموش.

وفي عام 1914، عشية اندلاع الحرب العالمية، سافر من جديد إلى الزيتونة حيث واصل تحصيله العلمي، وواصل التدريس في آن معاً، قبل أن يتوجه صوب دول المشرق.

الثقافة أولاً..

كانت القاهرة في تلك الأيام تعيش على إيقاع رواد النهضة : الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. هناك التقى شيوخ الأزهر وصادق الشيخ بخيت الذي منحه الإجازة في العلوم الدينية.

انتقل بن باديس بعد ذلك إلى بلاد الشام، وسافر إلى الحجاز حيث صادف وجود استاذه لونيسي، وهناك التقى للمرة الأولى الشيخ بشير الإبراهيمي الذي سيصبح رفيق دربه، وحج إلى مكة المكرمة.

كان بمقدور بن باديس آنذاك أن يؤسس حركة سياسية على غرار ما فعله الثعالبي في تونس، لكنه أراد تفادي الأخطاء التي وقع فيها البعض، أي العمل السياسي المباشر الذي يعطي الإدارة الفرنسية الحجج التي تتذرع بها لإقصائه ونفيه بعيداً عن وطنه.

لذلك فضل تركيز جهوده على النواحي الثقافية والدينية، مع متابعة قضايا السياسة عن بعد، في المرحلة الأولى من نشاطه على الأقل.

لقد دعم قيام " فدرالية المنتخبين المسلمين" بزعامة بن جلول، وشجع لقاءات المثقفين في "نادي الترقي" في العاصمه (لا يجمعه ب "إتحاد الترقي" التركي سوى الإسم). وكان من رواد ذلك النادي أحمد توفيق المدني وعمر الموهوب ومحمود بن ونيش والحاج المنصالي وغيرهم من رموز الفكر والثقافة في ذلك الوقت..

عام  1925 بدأ بن باديس بالتفكير جدياً بتأسيس جمعية تضم العلماء وترعى النهضة الثقافية والدينية، لكنها لم تر النور إلا في عام 193، قبل أشهر قليلة من إحتفالات المستعمرين بمرور قرن على احتلال الجزائر.

وكان الشيخ بن باديس قد أسس عام 1926 جريدة "الشهاب" التي عبرت عن عصارة الفكر العربي الجزائري في تلك المرحلة. كما لعبت "الجمعيات الخيرية " و"المدارس الحرة" و"النوادي الثقافية"، دوراً هاماً في إحياء التراث العربي- الإسلامي.

وقد حاول الإستعمار التسلل آلى بعض هذه المدارس و"الزوايا" الدينية كما شهد على ذلك Augustin Berque  (أوغسطين بيرك) والد المستشرق المعروف  Jacques Berque  (جاك بيرك) وكان يشغل حينها منصب مدير الشؤون الأهلية أبان الحرب العالمية الثانية إذ كتب يقول : "لقد وصل بنا امتهان واحتقار الدين الإسلامي إلى درجة أننا أصبحنا لا نسمح بتسمية المفتي أو الإمام، إلا من بين الذين اجتازوا سائر درجات التجسس، ولا يمكن لموظف ديني أن ينال أية ترقية إلا إذا أظهر للإدارة الفرنسية إخلاصاً منقطع النظير"..

نحو "المؤتمر الإسلامي"..

عام 1936 دفع الشيخ بن باديس بإتجاه تأسيس "المؤتمر الإسلامي" الذي ضم مختلف القوى الجزائرية المطالبة بحد أدنى من الحقوق للشعب المحروم حتى من تعلم لغته وممارسة شعائره الدينية. وقد أصبحت مواقفه أكثر فأكثر جذرية في السنوات الأخيرة من حياته.

لقد أدرك بن باديس خطة الإستعمار الرامية آلى وضع الشعب أمام خيارين أحلاهما مر: فإما التنكر لتراث الإسلام والاندماج في البيئة الإستعمارية، وفقدان مقومات الوجود الوطني (من خلال مصادرة الأراضي، وفرض الضرائب، والمجاعة – مجاعة 1860/1870 – وتسليط القانون الفرنسي على رقاب الشعب، والعمل بالتجنيد الإجباري…) وإما سجنهم داخل أطر جامدة منغلقة مشدودة إلى القرون الوسطى..

كان خيار بن باديس لمحاربة هاتين الآفتين واضحاً: الإسلام المنفتح على قضايا العصر..

لقد كتب يقول : " كفى غروراً وانخداعاً، إن الأمم الإسلامية اليوم، حتى المستعبدة من بينها، أصبحت لا تخدعها هذه التهاويل، ولو جاءت من تحت الجبب والعمائم". ويضيف: "إن الإسلام الوراثي لا يمكن أن ينهض بالأمم، لأن الأمم لا تنهض إلا بعد تنبه أفكارها، وتفتح أنظارها، والإسلام الوراثي مبني على الجمود والتقليد، فلا فكر فيه ولا نظر"..

(لا أعتقد أن صديقنا أدونيس قد أضاف شيئا.. بعد أكثر من قرن)..

تفسيرات القرآن والحديث التي كان ينشرها بن باديس تباعاً في "الشهاب" كانت مختلفة تماماً عن الأسلوب التقليدي، حتى أنه رأى: " إن السياحة أتم وأعم من فائدة بعض الركوع والسجود".. (من خطبة له بعنوان: " العرب في القرآن"). وهوالذي جاب أقطار المشرق العربي، وشاهد ما كانت عليه الحركات السياسية والإسلامية فيه.. بما في ذلك حركة "تركيا الفتاة ".

 وبن باديس هو صاحب القول المأثور عام 1939: "والله لو طلبت مني فرنسا أن أقول: لا إله إلا الله.. ما قلتها".

عروبة بن باديس كانت متقدمة على عروبة المشرق

من  أين جاء ذلك الشيخ بتلك الأفكار في ذلك الوقت..؟

 يمكن أن نحدد المناخ الفكري الذي تكون فيه بن باديس بالفترة الزمنية الواقعة ما بين 1847 ، وهوالعام الذي شهد نهاية الكفاح المسلح للأمير عبد القادر، وعام 1918، وهوالعام الذي وضعت فيه الحرب العالمية أوزارها. وهذه هي المرحلة التي تعاظم فيها الطغيان الفرنسي لمحوالشخصية الجزائرية عن طريق التضييق عليهم في مختلف المجالات، من سلبهم أراضيهم، إلى إرهاقهم بالضرائب، إلى منعهم من ممارسة شعائرهم، وصولاً إلى فرض بعض القوانين الجائرة عليهم كقانون "الأنديجينا"، وإخضاعهم للقانون الفرنسي وللتجنيد الإجباري.

 كانت ردة الفعل الأولى ظهور أصوات تطالب بالحرية والمساواة، وصحافة عربية مزدهرة تيمنا بما كانت تقوم به "حركة تركيا الفتاة". لا بل ظهرت في سويبسرا منظمة تحمل اسم "الإتحاد والتقدم" تريد إشعال حركة ثورية تمتد من أريتريا إلى مراكش.(على ذمة محمد الميلي).

وكان بن باديس حريصاً منذ عام 1938 على التمييز بين الدين وبين المتاجرين به.

لا للعصبية الدموية..

من يراجع اليوم كتابات بن باديس في الدين واللغة، وفي شتى القضايا الوطنية والقومية، تدهشه سعة أفقه، حتى أنه كان متقدماً في الكثير منها على كل ما عرفته النهضة في المشرق في ثلاثينيات القرن العشرين.

كانت له نظريته الراسخة في وحدة الشخصية الجزائرية إذ يقول إنها "كانت أمازيغية من قديم عهدها، لم تخرج بها عن أمازيغيتها كافة الغزوات التي سبقت الإسلام، إلى أن تصاهر العرب والبربر في ظل الإسلام، وانتجوا معاً بالحضارة الغربية واللغة العربية، إذ إن تكون الأمة لا يتوقف على إتحاد دمها، ولكنه متوقف على إتحاد قلوبها وأرواحها وعقولها، إتحاداً يظهر في وحدة اللسان وآدابه واشتراك الآلام والآمال"..

هذه نظرية متقدمة جدا على ما هو قائم حالياً، لا في الجزائر وحدها، بل في معظم الأقطار العربية ودول العالم الثالث، حيث يتم منح الجنسية على اساس "حق الدم  "Droit du sang وليس على أساس "حق الأرض  "Droit du solكما هومعمول به في كافة الأمم الراقية، وحيث تغلب رابطة العصبية الدموية غلى الإختيار الحر للناس والعباد.

مع الخيار العربي القومي..

يحتل الخيار العربي مكانة خاصة في فكر بن باديس سواء ببعده المغاربي أوببعده القومي العام. فقد كتب يقول: "إن لنا وراء هذا الوطن الخاص أوطاناً أخرى عزيزة علينا هي دائماً منّا على بال، ونحن فيما نعمل لوطننا الخاص، نعتقد أنه لا بد أن نكون قد خدمناها، وأوصلنا إليها النفع والخير. وأقرب هذه الأوطان إلينا هوالمغرب الأدنى، والمغرب الأقصى، اللذان ما هما والمغرب الأوسط إلا وطن واحد، لغة وعقيدة وآداباً وأخلاقاً وتاريخاً ومصلحة، ثم الوطن العربي والإسلامي، ثم وطن الإنسانية العام".

ويورد مؤسس جمعية العلماء حديثا شريفا يقول: "وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم ، وإنما هي اللسان. فمن تكلم بالعربية فهوعرب ".

وكتب في مطلع العام 1938 شارحاً فكرته القومية بقوله: "هذه الأمة العربية تربط بينها، زيادة على رابطة اللغة، رابطة الجنس، ورابطة التاريخ، ورابطة الألم، ورابطة الأمل. فالوحدة الأدبية متحققة بينها لا محالة، ولكن هل بينها وحدة سياسية..؟

أظن أن مثل هذا السؤال يمكن إعادة طرحه اليوم بعد طرحه منذ أكثر من قرن من طرف شيخ جزائري في خضم صراعه مع الإستعمار.

وهويضيف: "إن المسألة العظيمة هي الوحدة السياسية للأمة العربية من المحيط الهندي إلى المحيط الأطلنطيكي… وإذا قلنا العرب فإننا نعني هذه الأمة الممتدة من المحيط الهندي شرقاً إلى المحيط الأطلنطيكي غرباً، والتي فاقت سبعين مليون عدا (آه يا شيخ لو تعلم كم أصبحنا…!).. تنطق بالعربية، وتفكر بها، وتتغذى من تاريخها، وتحمل مقداراً عظيماً من دمها، وقد صهرتها القرون في بوتقة التاريخ حتى أصبحت أمة واحدة"..

فماذا بقي للفكر القومي أن يقوله ؟

لقد أحاط بن باديس منذ ثلاثينيات القرن العشرين بالفكر القومي من شتى جوانبه، حتى أنه نبه: "إن الوحدة السياسية لا تكون إلا بين شعوب تسوس نفسها".

إحذروا الخطر الصهيوني ..

قبل عشر سنوات من قيام الدولة العبرية في فلسطين كتب بن باديس عام 1938 يقول: "ليست الخصومة بين كل عرب فلسطين ويهودها، ولا بين كل مسلم ويهودي على وجه الأرض، بل الخصومة بين الصهيونية والإستعمار الإنكليزي من جهة، والإسلام والعرب من جهة. يريد الإستعمار الإنكليزي الغاشم أن يستعمل الصهيونية الشرهة لقسم الجسم العربي…". ويضيف في مقالة عنوانها: "فلسطين الشهيدة" .. "تزاوجَ الإستعمار الإنكليزي الغاشم بالصهيونية الشرهة، فأنتجا لقسم كبير من اليهود الطمع الأعمى الذي أنساهم كل ذلك الجميل، وقذف بهم على فلسطين الآمنة، والرحاب المقدسة، فأحالوها جحيما لا يطاق، وجرحوا قلب الإسلام والعرب جرحا لا يندمل".

هذا الكلام سبق قيام أسرائيل بعشرة أعوام.. وسبق كل الحروب والنكبات التي حلت بنا منذ ذلك الحين.

"الإسلام ديني.. والعربية لغتي. والجزائر وطني".

كتب بن باديس ما بين 1930 و 1932 عدة مقالات في مجلة "الدفاعLa Défense " الناطقة بالفرنسية، يرد فيها على دعاة التفرنس. وعندما كان وزير حربية فرنسا (دالان Dalan) يقول بعنجهية: "فرنسا معها المدافع…" كان بن باديس يرد عليه بسخرية: "والجزائر معها الله".

وعندما كان (دالان Dalan) يقول ( ما ردده بعده ديغول – وماكرون منذ أشهر قليلة – ): لا أعرف شعباً وجد في التاريخ إسمه الشعب الجزائري …". كان بن باديس يرد بثلاثيته الشهيرة  التي أصبحت بطاقة تعريف لشعبه : "الإسلام ديني، والعربية لغتي، والجزائر وطني…" ويضيف قوله المأثور: " شعب الجزائر مسلم… وإلى العروبة ينتسب".

كان بن باديس صاحب فكر متقدم على عصره – وعلى عصرنا- أحاط إحاطة عميقة وشاملة بأهم القضايا المطروحة على الفكر العربي حتى يومنا هذا، فأراد الدين منفتحاً على العصر يسعى إلى دمج أحسن ما في التراث مع الثقافة العربية المعاصرة، وميز بين مفهومي الدين والقومية، والإسلام والعروبة، وهوالأمر الذي يعجز عنه كثيرون حتى يومنا هذا.

كما اعتبر الوحدة السياسية للأمة العربية هدفاً ينبغي تحقيقه، وجعل الدين حليف التقدم، وطالب بتأهيل المرأة لتلعب دوراً أكبر في الحياة العامة، ودعا إلى تسخير كافة الفنون والآداب والعلوم من أجل النهوض بالشعب ومن أجل تطوره ورقيه.

آه يا شيخ بن باديس. لوعدت اليوم ستعاود من البداية..!!

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *