الإثنين 17 يونيو, 2024

  ابوالقاسم الشابي: متى يستجيب القدر ؟

  ابوالقاسم الشابي: متى يستجيب القدر ؟

د . جورج الراسي

بأية حال عدت يا عيد استقلال تونس ( 20 آذار / مارس 1956 ) بما مضى أم لأمر فيك تجديد…؟

كانت تونس "الخضراء" تحتل دائماً موقعاً متميزاً في المخيال العربي والمشرقي على وجه الخصوص… فقد كانت الجسر الحضاري الذي عـبَرت عليه فينيفيا لتؤسس أول وجود مشرقي في بلاد المغارب عام 1100 قبل الميلاد، ثم اقتفت أثرها الملكة أليسا مستعينة بجلد ثور لكي تبني جضارة قرطاجة العظيمة بين عامي 814 و146 ق.م، تلك الحضارة التي مهدت الطريق أمام الفتح العربي – الإسلامي.

ولعل أبهى الصور الحديثة التي ظلت راسخة في الأفئدة والأذهان صورة ذلك الشاعر الذي لم تمنحه الحياة سوى ربع قرن كانت كافية لكي يبقى بيننا رافعاً لواء الحرية: صورة أبوالقاسم الشابي.

 

فأي ساحة عربية لم تردد أصداء قصيدته "إرادة الحياة" التي مطلعها:

          إذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ

          فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ

          ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلي

          ولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ

تزوج لإرضاء والده

وغنى لتحرير شعبه

في أقل من عشر سنوات ترك إرثاً تاريخياً خلده على مدى الأزمان. هوإبن جنوب تونس. من مواليد 24/ 2 / 1909 في منطقة توزر، قرية "الشابية ". تعلم في الكتاتيب وهوفي الخامسة من عمره، وأتم حفظ القرآن الكريم وهوفي سن التاسعة. ثم تولى والده محمد الشابي الإشراف شخصياً على تلقينه أصول العربية ومبادىء العلوم حتى بلغ الحادية عشرة . التحق فيما بعد عام 1921 بجامعة الزيتونة أقدم جامعات العالم العربي التي خرجت أفواجاً من علماء ومفكري المغرب العربي ونال إجازته عام 1927. وأضاف إليها آجازة الحقوق عام 1929 من كلية الحقوق التونسية.

قرأ الشابي بتمعن كتب التراث والتصوف وتاريخ الأدب وديوان الشعر العربي القديم، بخاصة المعلقات والمقامات. وكان له بعد ذلك كتاب "الخيال الشعري عند العرب" الذي اعتُبر أهم عمل نقدي في الثلث الأول من القرن العشرين.

 كان الوالد قاضياً تقياً يقضي أيامه بين المسجد والمحكمة والمنزل. وكان واحداً من التوانسة القلائل الذين درسوا في الأزهر وتتلمذوا على يد الشيخ محمد عبده، نزولاً عند رغبته تزوج أبوالقاسم ورزق بولدين. لكن يبدوأنه لم يكن سعيداً (وهو ليس الوحيد). وتقول سيرته أنه أحب فيما بعد فتاة لتعويض العجز العاطفي، لكنها ما لبثت أن رحلت. وبما أن المصائب تأتي مجتمعة فقد بدأت تظهر عليه أعراض في القلب عام 1929. إصطحبه صديقه زين العابدين السنوسي لمراجعة بعض الأطباء من بينهم الطبيب التونسي محمود الماطري والفرنسي كالو. فنصحوه بالخلود آلى السكينة إذ يبدوأنه كان يهوى الجري والسباحة… وتسلق الجبال… وأشاروا عليه بالذهاب إلى ضاحية أريانة التي تقع على بعد خمس كيلومترات إلى الشمال الشرقي من العاصمة، وهي منطقة موصوفة بجفاف الهواء، ذلك أن داءه كان وجود تضخم في القلب… لكن هذه المسكنات لم تنفع.

فتم نقله إلى مستشفى الطليان في العاصمة حيث تم تشخيص المرض في الثالث من تشرين الأول / أكتوبر، أي قبل وفاته بستة أيام فجر التاسع من ذلك الشهر عام 1934.

مصر التي أحيته

أول من عرّف بأدب الشابي كانت مجلة "أبوللو" المصرية في عصرها الذهبي عام 1933 أي قبل عام واحد من وفاته، إذ نشرت العديد من قصائده. فكتب عنه محمد فهمي عبد اللطيف، وصالح جودت، ومحمد عبد المنعم خفاجي، ورجاء النقاش، ومحمد حسن عبدالله، ومحمد القاضي، وصلاح فضل، وأحمد درويش، وغيرهم كثيرون… وقامت صلة وثيقة بينه وبين أحمد زكي أبوشادي مؤسس مجلة " أبوللو"… وتعرف إلى محمد الحليوي وساهم معه في تحرير مجلة " العالم الأدبي"

والواقع أن أشعاره تتوزع بين ما عرف "بمدرسة الأحياء" المتمثلة بأحمد شوقي وحافظ ابراهيم، وبين ما عرف "بأدب المهجر" وجماعة "الديوان" . وعرف كيف يمزج بين الرومنسيه الوطنية والوجدانيات المهجرية التي طغت في النهاية على أعماله كما في رائعة "إذا الشعب يوما أراد الحياة"…

ولم يخف الشابي إعجابه بجبران خليل جبران….

وفي ذكرى مرور ستين عاما على رحيله في التاسع من تشرين الأول / أكتوبر 1994، آحتفى بذكراه الأدباء العرب من كل الأقطار في مدينة فاس المغربية حيث جرت وقائع الدورة الرابعة لمؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين المخصصة لإحياء ذكراه، وافتتح أعمالها ولي عهد المغرب، بحضور إبنه الأكبر محمد الصادق.

ومنذ أكثر من ستة عقود أقدم عدد كبير من الفنانين العرب على غناء قصائده، من سعاد محمد إلى لطيفة  العرفاوي وماجدة الرومي وهيام يونس وغيرهم… لا بل تعاقب على إنشادها الثوار الشباب في الساحات التي شهدت بدايات ما كنا نظن أنه "ربيع عربي"

 

هدموا بيته….

 في عام 2016 صدمث الأوساط الأدبية والثقافية في العالم العربي بخبر تسوية بيت الشابي بألأرض بعد وعود كثيرة بترميمه وتحويله آلى متحف. وتجري المحاولات اليوم لإعادة شراء الأرض وبناء صرح يليق بإرث الشاعر باعتباره معلماً تاريخياً، أسوة بالمنزل الذي ولد فيه عبد الرحمن بن خلدون في "تربة الباي" بتونس العاصمة (المدينة العتيقة).

وكان الشاعر الراحل محمد الصغير أولاد أحمد (وكان صديقاً شخصياً) قد تعرض إلى إهانة أخرى من خلال نصب قبيح أقاموا له…

وقد حاول المسؤولون استدراك الأمر من خلال إصدار طابع بريدي لإحياء الذكرى المئوية لولادة الشاعر تخليداً لتراث أبوالقاسم الأدبي والفكري المتميز.

وحتى لا نذهب بعيداً فقد هدموا منزل أمين معلوف في منطقة المتحف (في لبنان) لأن شركة "كتانه" تخطط لمشرع عقاري في ذلك الشارع…

ليتك معنا يا أبا القاسم اليوم لننشد معك :

          أَلا أَيُّها الظَّالمُ المستبدُّ

          حَبيبُ الظَّلامِ عَدوُّ الحيَاهْ

          سَخرْتَ بأَنَّاتِ شَعْبٍ ضَعيفٍ

          وكَفُّكَ مخضوبَةٌ من دمَاهْ

          وسِرْتَ تُشَوِّهُ سِحْرَ الوُجُودِ

          وتبذُرُ شوكَ الأَسى في رُبَاهْ

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *