الثلاثاء 15 أكتوبر, 2019

السوداوية الإنسانية في فنّ فيكتور هوغو

السوداوية الإنسانية في فنّ فيكتور هوغو

نسرين بلوط

شك في أنّ السوداوية فنٌّ يمتزج بالإنصهار الذاتي في عالم الفلسفة والبحث والتنقيب، وترتيب الأحداث في مخيلة الفنان أو الكاتب. فرغم الفراغ الأجوب الذي تخلّفه في الذهن تمهيداً للتمعن في العدم والرحيل والشقاء، وما تُذهلُ به من غمٍّ واحتقانٍ للأحاسيس عند المتلقّي، فهي مدخلٌ مهمٌّ للتعبيرِ عن مكنونات المجتمع المؤطَّرِ بالذهب من الخارج، والمتخبط في سُخام الفقر واليأس والتلاشي من الداخل، فما يلمعُ ذهباً من الخارج ما هو إلا صديد الحديد من الداخل.

فيكتور هوغو من أهمِّ الكتاب الذين عاصروا بداية التنوير للأدب والرسم والرواية، فقد تجرَّد من أعماقه ليمتزج بمشكلات الغير، ويعكس ظلال مأساتهم وبؤسهم في فنّه التصويري والكتابي. والسوداوية التي رافقت معظم تبريراته الفلسفية نمَّت عن عمقٍ لامرئي في المغزى التصويري لعلم الاجتماع في زمنه سبقت عصره وجاءت جريئة صارخةً مدويّةً في وجهِ الواقع المرير.

رسّام أيضاً

وقد كان هوغو إلى جانب كونه أديباً خارق الاحساس، رساماً له أكثر من 4 آلاف لوحة معظمها تعمَّم بالسوداوية والانطواء، لم تنطوِ سوى على اللونين الأسود والبني، وتنتمي الى الفن الرمزي.

وقد نأى هوغو في رسوماته عن الأسلوب التقليدي المتّبع في تلك الفترة، ولم تحظ رسوماته بنفس الشهرة التي حظيت بها كتاباته رغم التشابه الواضح بينهما من حيث السوداوية والحداثة.

ولا شكَّ في أنَّ صاحب روايات «البؤساء»، و»أحدب نوتردام»، و»ملائكة بين اللهب»، ودواوين «أسطورة العصر» و»نهاية الشيطان» و»الله»، والتي عبّر من خلالها عن قضايا المجتمع، داعماً إيّاها بأفكاره الفلسفية الذاتية، قد نفذ إلى صميم التكوين البشري الممهّد للشرِّ قبل الخير، فنجح في إيجاد الواعز على النقد، وغمّس أفكاره بتجاوزاتٍ نارية، حاربت الوضع السائد سياسيّاً واجتماعيّاً ونفسيّاً، وقلّبت الأقلام ضده في ذلك الوقت ولكن الناس أجمعوا بأنه أمير الأدب الفرنسي بلا منازع.

السوداوية والإبداع

فهل نجدُ هنا علاقة وثيقة بين السوداوية والإبداع؟ بالطبع، فمن صلب اليأس يحتدمُ فأسُ التغيير، وأقلامُ كبار الأدباء لم يحرّكها الّا الحزن، أمثال جبران خليل جبران ومي زيادة وبودلير وتولستوي وغيرهم.

وقد تضاربت آراء النقاد والأدباء حول كتابة هوغو، فكتب صديقه الناقد سانت- بوف، عن روايته «أحدب نوتردام» أنّها تنزعُ للمبالغة والمغالاة فقال: «لم تكن «نوتردام» حتّى مجيء هوغو بهذه البذاءة والتشوّه، بحيث مَن يراها عن كثب يفترض وجود سَهم مفقود كان يجب أن يكون هناك، إنّ له كثيراً من الأناقة والخفّة لم يلاحظها الكاتب».

أما بودلير فقد كتب في هوجو عن روايته «البؤساء ناعتاً إياها بـ: «الرواية المقزّزة والخرقاء»، مع أنّ هوغو قد دعمه في رسالةٍ كتبها يثني ويطري على ديوانه «أزهار الشر» بناءً على طلب الأخير، رغم أنّ بودلير لم يتمكّن حينها من حصاد الإعجاب والتقدير لديوانه، ولكنّ عظمة هوغو الأدبية، أثارت الكثير من الغيرة من حوله، وانتقده لاحقاً نيتشه لغزارة إنتاجه وقلّة إبداعه حسب رأيه.

مصائب البشرية

يبقى هوجو أستاذ السوداوية «العظيمة» التي تكلّلت بمصائب البشرية وهموم الإنسانية، فجاءت أعماله نموذجاً خالداً للعطاء الفعلي الذي يعتنق مبدأ «الإبداع في سبيل الإصلاح»، مقدّماً دلائل البرهان والتقدير والتصويب والتعليل في قالبٍ ساخرٍ يضمُّ آثام المجتمع وأسراره الدفينة، قافزاً فوق حبلِ الربط بين الحبكة الفلسفية والحبكة الدرامية الإنسانية بأسلوبٍ مثيرٍ للإعجاب والعجب، لأنّه كان رسول عصره والعصور التي تعاقبت بعد ذلك، مسجّلاً اسماً بارزاً في سماء الكلمة والتعبير في فلك النهضة الفكرية الحافلة بثقافةٍ عالية وترسّباتٍ نفسية ولّدتها بيئةٌ من صنع الإنسان وحده، تأقلمت بعاداته وأفكاره وتقاليده وظلاله، ولم تدع للمنطق خطّاً يشق طريقه للنور فيها.

المصدر : https://www.aljoumhouria.com/news/index/483983

جريدة الجمهورية (اللبنانية) الثلاثاء 20 آب 2019

تعليقات

comments

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.