الإثنين 18 نوفمبر, 2019

هل تحب الشعر*

من الذائقة والذاكرة الشعرية:

هل تحب الشعر*

طلال السهيل

والذائقة تربّى ، والتنوّع مسار حياة .. فإذا تحوّلت الذائقة إلى نمط ، وتالياً إلى عادة ، دخلت في عالم الجبروت ، وعندها أسهل من تغيير عادة إزاحة جبل !

وأن تكسر “عادة” تدخل في ذاكرة أمضّها النسيان بقدر ما يريحها . أقصد ذاكرة سجالات و دونكشيات الصراع حول الشعر الحديث وقصيدة النثر في سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت ..

وفي كل حال ، سنعد أنفسنا في هذا اللقاء (ندوة لأصوات شعرية شابة و جديدة) أن نلتقي حول وفي ميدان لا زال إشكالياً وسيظلّ إلى ما شاء “حماة الحِمى” ـ أعني ميدان قصيدة النثر .

ـ من أين أدخل في الذاكرة ؟ من بابها.. من باب النسيان ربما !

فقد كنت في اليفاعة ، نُحفّظ قصائد حافلة بالكلم الثقيل ، ومن كل العصور الأدبية (كمادّة استظهار) . و مرّة سُئلت هل تُحب الشعر؟ قلت لا.. فأنا آنس للنثر ! (وانتبهت مؤخراً ، ولم ينتبه الأستاذ ـ السائل إلى أنني كنت أقرأ “جبران” ، حيث أحببت “النثر” ، حين أجبت بحبّي إيّاه) .. وتوصّلت لاحقاً إلى أنّ ما كنت أفضّله على الشعر هو ما سيكون مرجعية لما عُرف من بعدُ بـ قصيدة النثر..

من أين أدخلُ في الذاكرة ؟

من ثغرة للذائقة السائدة !

في ندوة شعرية لأحد الشعراء الحديثين (شاعر تفعيلة معروف)، وكان تقريظ وكان حماس.. اقترب أحدُهم من الشاعر المنتشي، وقال له :”حلو وبديع ما سمعناه، لكن… لو كان ما قلته شعراً كان أفضل بـ كتير !!”

ـ في أواخر السبعينيات، كتب عادل فاخوري ( أستاذ اللسانيات والمنطق ، المعروف) القصيدة البصرية الالكترونية (أو ما سُمّي بالشعر الكونكريتي )، وذلك في تبرير له (أو في تجريب له) في أنّ الشعر ـ كما كان يقول ـ قد هرب !

هرب إلى الفنون الأخرى ، إلى السينما والمسرح ، إلى الصورة والميديا … [انظر إلى إعلان دعاية لسكاير المارلبورو : كاوبوي فوق حصان ، يشعّ بالألوان والحركة ، يصهل الحصان ويشرئبّان (الكاوبوي و الحصان) ، يصطفق موجٌ ـ رذاذ الماء ، ثم تظهر بين أصابع الفارس ، ونحو فمه علبة المارلبورو… فيما يحاكي قصيدة كاملة و طازجة ، وفي منتهى الشاعرية !]

ـ في السبعينيات أيضاً ، راجت مقولة “موت الشعر” في مواجهة التكنولوجيا الحديثة الصاخبة ، و كان سبقها مقولة نيتشه “موت الله” ، ثم تلتها مقولات .. موت المثقف و موت الأيديولوجيا … إلى آخره من “الانسان الأخير” وسائر النهايات .. بين المفهوم السائد والمكرّس ( حتى لا نقول المقدّس ) للشعر، والمقصود الشعر المنظوم الموزون والمُهندَس ، و بين “موت” الشعر في مواجهة التكنولوجيا “الغاشمة” … في هذه المسافة ما برحت قصيدة النثر تحاول حطّ رحالها ، و تحضّر لاستكمال المواجهة ، وعلى طريقتها!

ـ قصيدة النثر (أو باقي التسميات) عندنا ، ما برحت رغم مرور أكثر من ستين سنة على بيان “لن” لأحد أبرز مروّجيها و كُتّابها (أنسي الحاج) تواجه ذهنية التحريم ، ذهنية التمييز بين الأنواع ، والرغبة في أن يظلّ النظام الهندسيّ سائداً في الشعر وفي الفنون بشكل عام ..

وهكذا… كما لو أننا في صراع أجيال ، أو صراع طبقات بين قصائد أميرات و قصائد بنات الجواري !

بنات الجواري هؤلاء ، ولأنهنّ كذلك يواجهن كمّاً هائلاً من الاتهامات والمصادرة ، والتلفيقات النقدية من قبيل التأثّر بالشعر المترجم والتمثّل بالأجنبي ، وحتى العمالة للمستعمِر … ناهيك بتخريب التراث !

ـ لقصيدة النثر أعداء لا يُعَدّون .. لكن ، لها مؤيّدون ومريدون وشعراء مميّزون ، وهواة ، ونقّاد هادفون …

ـ قصيدة النثر حرَّة في اختيار شكلها (ما تفرضه تجربة الشاعرالشخصيّة).. هي حوارٌ  لانهائي بين هدم الأشكال و بنائها ؛ موسيقاها ليست خضوعاً للإيقاعات المقنّنة (القديمة)؛ موسيقاها استجابة لإيقاع التجارب المتموّجة (إيقاع يتجدّد باستمرار ..) .

ـ كثر يستسهلونها لأنّها متحرِّرة من القوالب الجاهزة و القوانين الموروثة ، لكنْ يفوتهم أنها تفرض على شاعرها أن يخلق قوانينه الفنية الملائمة ، والخلق بحرّية أصعب جداً من الخلق بقواعد معيّنة _ كما يكتب أدونيس ، الذي يقول أيضاً ” إنّ قصيدة النثر  خطرة لأنّها حرّة ” ؛ واللغة الشعرية هي مقياس التمييز ….

ـ لن نفصِّل أكثر .. لكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّ  قصيدة النثر  بالرغم من استنادها إلى أكثر من جد/قديم هو ما سُمّي  أحياناً بـ “النثر الفني” (كما لدى جبران) ، أو الشعر المنثور (كما لدى أمين الريحاني) ، و رغم اكتسابها لشرعية لافتة، عبر آلاف المنشورات منذ ارتهاصاتها الأولى و حتى اليوم، ! ماتزال لدى “حماة الحِمى” و”الشرف الرفيع “، ما تزال يُنظر إليها. مخلوقاً  لقيطاً ، مشوَّهاً ومخيفاً .! بل أكثر .. لقد خضعت لـ “دائرة نفوس” كاملة من تعداد للأسماء والألقاب والنعوت ، فذكّروا لها أكثر من 45 اسماً ، ليس أقلَّها إجحافاً وامتقاتاً  لفظتا : نثريدة ونضيدة  !! كأنما أختهما البكر  قصيدة ، امتلكت عصمتها بيدها و تبوّأت عرشها تماماً مع ذلك اليوم السابع حيث “استوى” ـ ودونما حيْدُ أُنملة ـ مالك الدهر العظيم !!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • مداخلة افتتاحية في ندوة للشعراء الشباب في “الملتقى الثقافي اللبناني” شارك فيها ثلّة من الشعراء الشباب، ومداخلة مطولة للدكتور الشاعر محمد علي شمس الدين.

 

تعليقات

comments

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.