الثلاثاء 25 يونيو, 2019

من سلبيات التمدن

من سلبيات التمدن

علي راضي ابو زريق

 hadarahعشت ثلاثة أيام سعيداً مع كتاب صغير الحجم عنوانه العربي” الحضارة ومضامينها” للكاتب الأميركي  بروس مازليش. الذي سمى كتابه بالإنجليزية “Civilization and It’s Contents “. نشره بالإنجليزية مطبعة جامعة ستانفورد عام 2000م . ونُشِرَت الترجمة العربية ضمن سلسلة عالم المعرفة الكويتية تحت الرقم 412 عام 2014.

ومؤلف الكتاب رجل إنساني الهوى معتدل الفكر. غير راض عن الاستعلاء الغربي وشعور الغرب بالتفوق على بقية شعوب الأرض. ويدعو بطريقة عادلة إلى حضارة عالمية لا تنمحي معها الهويات الثقافية لأي من شعوب الأرض. وليصل إلى ذلك يستعرض معظم ما كتبه ورآه مفكروا أوربا منذ القرن السابع عشر سواء المؤيدون منهم لفكرة الحضار ة والمعارضون لها مثل فرويد وروسو. ولم ينس أن ينقل مواقف كرهها وجعلنا نشاركه الرأي ضد المتحمسين لنشر الحضارة الغربية وفرضها على الشعوب بالقوة مثل داروين. صاحب كتاب أصل الأنواع ونظرية التطور المشهورة.

 واستعرض بايجاز ونزاهة الحضارات السابقة للحضارة الغربية وأثبت تفوق كل منها في وقتها. وأثبت باقتباس أقوال لأتباع تلك الحضارات تثبت أنهم جميعاً كالغربيين كانوا معجبين بأنفسهم . بل متعجرفين متكبرين على سواهم وهم في حالة القوة والنصر. وليس منهم إلاّ من ظن أنه مركز العالم المكلف من الله بإصلاح البشرية تماماً كما ترى الحضارة الغربية المعاصرة. وكما تتبجّح قيادات الولايات المتحدة منذ مشاركتها في الحرب العالمية الأولى حتى حربها في أفغانستان والعراق.

وربما كان نشوء بذرة التمدن وما صاحبه من خطر المحيطين به، هو سبب هذا الشعور لدى المنتصر تجاه الآخرين. الذين لم يبلغوا قدره فلم ير منهم إلاّ الهمجية والتخلف. فتصرف تجاههم بما تمليه عليه ثقافته وحالته النفسية ورؤيته لدوره في الكون. لذلك اضطرت الجماعات الأولي المتمدنة لبناء أسوار حول مدينتها لرد من سمتهم الهمجيين الذين يهددونها. وبقيت فكرة تهديد الحضارة أو الرقي النسبي مسيطرة على العقل البشري حتى أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 عندما أعلن الرئيس الأميركي يومها جورج بوش الإبن أن الهجوم كان ضد الحضارة التي تمثلها الولايات المتحدة.

وفي استعراضه للحضارت البشرية يبدي الكاتب إعجابه بالحضارة المصرية ويكتفي بوصفها ووصف موقف الغرب منها، خصوصاً موقف نابليون والفرنسيين، في القرن الثامن عشر. وصلة ما حدث بالحضارة المصرية الأولى التي مضى عليها قرابة 5000 عام. ولم ينس مهد الحضارة الآخر في الشرق الأوسط وهو حضارة ما بين الرافدين. وسجل فضلها على الحضارة البشرية باختصار شديد يتفق مع اسم الكتاب وغرضه المحدد.

وعندما جاء دور الصين، التي ربما سبقت  حضارتُها حضارةَ الشرق الأوسط زمنيا أو عاصرتها، ينقل لنا عبارات امبراطور الصين لسفير بريطانيا التي تفيض بروح الاستعلاء على الآخر. يقول الإمبراطور:”نحن، ببركة السماء، الإمبراطور، نُخبِر ملك إنجلترا أن ينتبه إلى وصيتنا. على الرغم من أن بلدكم – أيها الملك- توجد في المحيطات البعيدة، غير أن ميول قلبكم إلى الحضارة التي أرسلت إليها بالخصوص مبعوثا لتُقدِّم باحترام رسالة دولة، وقطع مبعوثكم البحار إلى أن وصل إلى قصرنا ليسجد ويقدم التهاني بمناسبة الميلاد الامبرطوري، ويقدم المنتوجات المحلية، ومن ثم إظهار إخلاصكم”.

وللهولنديين قال الإمبراطور الصيني:”تعلمون من مكان قصي وتتشوقون لفضيلتنا وحضارتنا وتحترموننا وتعجبون بنا، إننا بمنزلة العاهل والأب لكم”.

 وفي مناسبة أخرى يصف الامبرطور مملكته بأنها المملكة الوسطى أي مركز العالم. وأنها مملكة سماوية، وأن منصب الامبراطور فيها انتداب إلهي. ولم يعلم الإمبراطور أن بلاده ستضطر لتوقيع معاهدة خنوع لبريطانيا بعد قرنين من الزمان.

 وبعيداً عن الصين والعصور الوسطى سمعت نفس الكلام من رجال دين بروتوستانت منحازين للولايات المتحدة يرون أن وجود الولايات المتحدة رعاية من الله للبشرية. وأن الله يرعى الولايات المتحدة. ولا أرى كلامهم في القرن الحادي والعشرين مختلفاً عن مفاهيم امبراطور الصين في القرن السادس عشر.

ويأتي دور الحضارتين الأخيرتين الإسلامية والأوربية. فيلخص نظرته لهما بالفقرة التالية: “وقد تبنى الإسلام في العصر الوسيط، بعد القرن الثاني عشر، موقفا مماثلاً، إذ كان مهتماً بالأساس بحضارته الخاصة؛ ولم ير أي داع حقيقي للدخول في حوار مع الآخرين، على الرغم من عنايته بحضارتي الصين والهند. وكانت أوروبا ترى حضارتها كما مر، بحلول القرنين التاسع عشر والعشرين، منقطعة النظير بسبب التفوق العنصري الذي اضافته إلى المسيحية لتصورها الذاتي. وبهذه الطريقة كانت مستعدة للحديث إلى الآخرين، ليس إطلاقاً من روح المساواة.”

وبذا كان عادلاً في تفسير كَسر أوربا لأسوار الفردية والعزلة . فهو لم يكن لشعور بالمساواة بل لاستعمار الآخرين وإكراههم على ثقافتها.

كانت أسوار المدن هي البداية. وصارت حدود الدول شكلاً آخر من الأسوار . ثم صارت أسلحة الدمار الشامل سورا فائق القدرة حديثاً . وللحق فإننا جميعاً نمارس الأسوار وسنبقى نمارسها ما دام حولنا أناس أقلَّ كياسة في السلوك وأكثر جرأة في ممارسة همجيتهم.

وبهذه المناسبة أتذكر سورة الحجرات التي لجأت لأسلوب آخر في توحيد المجتمع وإراحته من قيود الأسوار وما تصنعه بين فئات المجتمع من تحاسد وتحاقد. إذ لجات إلى تهذيب مجتمعها، ووضعت له أصول التعايش كما بينا في مقال على المدونة الخاصة بنا بعنوان سورة الحجرات. فهي قاعدة تمدن بين فئات الشعب الواحد. ولا أدري إن كان المؤلف قد اطلع على السورة أو سمع بها. لكنه يقترح أسلوبا مماثلاً وهو نشر التعليم والتوعية لتَتقارَبَ الشعوب في مستواها الثقافي. ثم يقترح اقتراحه الخلافي . وهو الدعوة لحضارة عالمية واحدة وضمنها ثقافات قومية متعددة. أي أن تحتفظ كل أمة يهويتها الثقافية مع إمكانية انتماء البشرية لحضارة واحدة. واشك بإمكانية تنفيذ هذه الفكرة إلا إذا تحول البشر إلى ملائكة بريئة من الأنانية والانحياز عارية عن حب المتعة عديمة الشهوات . وهو أمر مستحيل .

وختاماً فإن هذا الذي كتبته عن الكتاب ليس تلخيصاً له ولا يغني عن قراءته. بل هو تسجيل لانطباعي عن الكتاب وتفاعلي معه. وكان أشد ما أثَّر بي منه وتفاعل معه فكري حكاية الأسوار. فهي أحد الثوابت البشرية يمارسها كل من يظن أنه تميز بشيء عن أخيه الإنسان. تحدث الكاتب عن أسوار المدن. ولكن الأسوار في حياتنا أكثر من ذلك بكثير فباب البيت سور وباب الحمام داخل البيت سور. وللأسوار مظاهر أخرى كثيرة قد لا تخطر ببال. والفكرة الثانية التي أثرت بي هي تشابه مشاعر الشعوب وهي في حالة التمدن النسبي مقابل جيرانهم . فغفرت للغرب وللعرب تكبرهم على سواهم وهم في حالة القوة.

تعليقات

comments

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.