الثلاثاء 25 يونيو, 2019

وللقهوة وقتٌ نركنه

يتقنُ في قصائده توليد الدهشة والخروج عن الشائع والمألوف

أحمد بزّون… وللقهوة وقتٌ نركنه في الزّاوية!

هدى عيد

hoda-eid-b

d5f00197-f1ba-487a-845d-9aff4c227071bazonتغادر الشعرية عند أحمد بزّون، في ديوانه للقهوة وقتٌ نركنه في الزاوية، المألوف الشائع في القصائد. فهو يستخدم قاموساً لغوياً نألفه في حياتنا اليومية، إلاّ أنه يتقنُ من خلاله توليد الدهشة بالعلائق التي ينشئها بين العناصر اللغوية، وبخلقه صوراً تنتجُ في السياق الذي تنتظم عبره دلالاتٍ مكثفةً: الخمرة تفيضُ على شفتيّ- دمي يرتفع في قصب الرغبة – يجري بيننا نهرُ فراشات – كلما لمستكِ تبددت عتمة- الأقحوان الذي تفتح بين قدميك… فالشاعر يتكىء على هذه الصور لتكثيف الدلالات، ولتعدد الإيحاءات، لتميّز مجتمعةً البناء اللغويّ الشعري المعاصر الذي يتبناه في نصه المندرج في خانة الحداثة الشعرية، إضافة إلى كون الشاعر يتحدى لعبة التنسيقات الصوتية والهندسة الإيقاعية في كثير من هذا النص لصالح الدلالة.

يبدو الديوان تحدياً بالقول الفني لعنف الدنيا الذي يُمارَس على الإنسان/الذكر في المجتمع المعاصر، إذ تسلبه هذه الأخيرة أخاً شهيداً، لكن ما اسمه ينام في حنجرة الشاعر لا يبارح، وتستحيلُ المرايا سوداً بموت الأخ، فيسقط الرجل خاوياً سقطت معطفاً فارغاً يتبدد صوته نثاراً، يبحث عن جمعٍ له في أحضان امرأة تحميه من كلّ الخارج الطفيلي الذي يَرضعُ دمنا بلا شفقة، ومن كل الخوف يعلّقنا من أشداقنا المفتوحة.

لا شيءَ ينتشل الشاعر من وحشة الغربة في الشارع والمقهى والمنزل، من وحشة هذا العالم الذي يحاول تجاوزَه واحتواءه دائماً، لكنه ينفجر طوال الوقت، فلا يترك الإنسان لهدأة السكون: أخبّىءُ العالم في جيبي، فينفجر على الشاشة، لذلك يتفجر بالمقابل هذا الشوق الذي لا يُهادن حيال المرأة/ الأنثى: عندما أرخي ذراعيَّ أنسى أنك أتيتِ!/ فأنتظرُ على المقعد موعداً آخر !…/ فأنا شريد أحلامي الطائشة/لا أستفيقُ إلاّ على جسد!.

لأن اليقظة العادية تستعيد مجدداً الدمار، النار، وحْلَ البراكين،القتل والكفران، اليقظة ألمٌ تحمل قلقَ السؤال عن المصير: الناسُ ينبتون كفطر…/ وأيُّ عتمة تبتلعهم!/ خفتُ، حاولت أن أخبّىء عقلي تحت المخدة….

هكذا تتوهج الأنثى/الجسد التي تشحن كهوف الشاعر بالطاقة، وتجعله: أتوهّج لأضيء المدينة كلها، فتضيع نفسه في غاب الغرائز الأولى، وتضجّ القصائد بالشبق، بصليل الرغبات الأصفى، بالوجع اللذيذ النابض بينه وبين الأنثى، بهذا الدوار القادر على اجتذاب الكلّ حوله، والمولّد أعراساً في عيني المرأة المَبْغَى، المرأة/ الجمال يتولّد من الالتحام بينهما التكوين الجدلي: جدلية الحياة/ الموت – الأخذ/ العطاء- السكينة/ الخوف الخوف/السكينة.

ولئن كانت المرأة في قصائده كائناً صامتاً، لا نصغي لصوتها، فإنّا نصغي لرَجعِه فقط. تقدم الجمال/الفتنة، فيشتعل الرجل رغبة وتحليقاً، يكاد يصل معه حدَّ الطيران، لتتسع الحقول عندها، والحدائق، ويستحيل كلاهما مكونين في لوحة:لو تعلمين كيف صلّبت الحماوة ريشتي الآن/أفسحي لأغطّها بألوانك قليلاً/أو كثيراً…/كي أكمل لوحة العمر.

الحب عند أحمد بزّون حالةٌ من التجاوز الدائم، تجاوز للواقع/الموت، يستحيلُ عبر فعل الحب الواقع/الحياة: هم أشعلوا ناراً في الأرض وفي السماء/وفي الكراسي التي جلسنا عليها/كلّ انفجار يقتل ألفَ حبّ بيننا.

ومن تحدّيه العبثي للموت يتولّد شبقٌ لا يرتوي للمرأة الأنثى: أخذتُ دروساً كثيرةً في الحبّ/لكنّني كلّ مرة أتهجّى النّساء/كأنّني بلا ذاكرة!.

تعليقات

comments

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.