الثلاثاء 16 أكتوبر, 2018

    أيعود؟؟!

    82
    views

    أيعود؟؟!

    بقلم : د.دريّة كمال فرحات

    dorya-1

     

    ارتفعت أنفاس “علي” مع كلّ قدم ترتفع فيه الطّائرة إلى أعالي الغيوم، ها هي خطوته تقوده إلى العودة إلى أرض الوطن الذي غادره منذ عشرين سنة. سنوات من العمر قضاها في بلاد الاغتراب متنقلًا بين أرجاء الولايات المتحدّة الأمريكيّة، ناشدًا الأمن والاستقرار والوضع الماديّ المريح. ومرّ أمامه شريط الذّكريات الحافل بالأحداث واللّحظات المريرة أحيانًا والمؤلمة في حين آخر، فكم من مرّة شدّه الحنين إلى الوطن وإلى من تبقى من الأهل والخلّان والأحباب، وكم من مرّة قضى أيامه ولياليه بحثًا عن الطّعام، وكم من مرّة تعرّض لمواقف أشعرته بوحدته، في بلاد تخبئ وجه العنصريّة بقناع من الدّيمقراطيّة الزّائفة.

    لكنّ شريط الذّكريات هذا كانت تتقاطعه ذكريات أخرى تمنعه من الانجراف إلى عاطفة الحنين، فلمن يعود، وقد فقد أعزّ الأحباب، فقد الأمّ والأب والأخوة في ليلة واحدة تعرّض فيها بيتهم إلى القصف الصهيونيّ الغاشم في الثمانينات. البقاء أو العودة شعوران متناقضان كانا يتجاذبانه، فكانت الغلبة لبقائه وصموده في بلاد الغربة، إلى أن حقّق مراده، واستقرت أموره وأحواله، فتغافل عن كلّ ما في تلك البلاد من مساوئ وصعاب، ونظر إلى البعد الإيجابيّ فيها، فمتى كان ملتزمًا بالقوانين، مبتعدًا عن النّقاشات السّياسيّة والمواقف المتصلّبة عاش في تلك البلاد آمنًا. وهكذا سارت حياته هناك بأمان ووضع اقتصاديّ مريح، وإن لم يستطع أن يحقّق مراده في بناء أسرة وإنجاب الأبناء، فما من علاقة عاطفيّة أقامها حقّقت ما يريد، كان هناك دومًا ما يجعله يُنهيها بالانفصال.

    مطبّ هوائيّ يقطع عليه شريط ذكرياته، فيعود إلى مقعده في الطّائرة، ليثبّت حزام الأمان الذي جعله يرمي وراءه هذه الذّكريات ويفكّر بخطوته القادم عليها. ها هو يقرّر العودة إلى زيارة الوطن، فالأحوال باتت اكثر أمنًا، ودخل الوطن في السّنة السّادسة بعد الألفين، وأرضه كلّها قد تحرّرت ولم يتبق إلّا “مزارع شبعا وتلال كفر شوبا”. وضيعته من ضمن القرى المحرّرة وهي التي تعرّضت دائمًا للقصف والتّدمير. شعر بالشّوق والحنين ليزور قبر عائلته التي فقدها في لحظة كان فيها العدو وعملاؤه ينفثون حقدهم على جنوب لبنان، ومنها ضيعته المطلّة على الجبل الرّفيع.

     هذا الجبل الذي تعرّضت صخوره وشجيراته لكلّ أنواع الإجرام، لكنّه ظلّ صامدًا شامخًا، وكان معبرًا لكثير من المجاهدين الذين اتّخذوا طريق النّضال مسلكًا لهم في حياتهم. نعم سيعود إلى هذه الأرض ليرى عهدها الجديد بعد التّحرير، وسيعود ليتنشق عطر الحريّة الذي تمتعت به.

    وسط هذه الذّكريات المتضاربة داعب النّعاس عينيه، فاستسلم له راضيًّا، والابتسامة ترتسم على وجهه، إلى أن استيقظ على صوت قائد الطائرة وهو يعلن عن قرب الهبوط، وعن درجة الحرارة الخارجيّة التي لن تصل أبدًا إلى حرارة الشّوق في قلبه.

    وبدأ يستعدّ لملاقاة بلاده، وأخذ يلوم نفسه لو أنّه أخبر أحدًا من أقاربه بعودته، لكنّه يعود ويطمئن نفسه، فشهر تموز هو شهر بدء الصّيف وبدء موسم السياحة في لبنان، فليستمتع قليلًا بإحساس السّائح في بلاده، لعله يكتشف الوطن من جديد، ولتكن له جولة في ربوعه، خصوصًا أنّ أقاربه قد يئسوا من عودته، وانقطعت وسائل التّواصل معهم، فلا ضرر إن طالت مدّة الانقطاع شهرًا آخر.

    وحطّت الطائرة، وانتقلت خطواته إلى أرض المطار ينهي الإجراءات اللازمة، لينتقل إلى خارج المطار ويستقلّ سيارة أجرة تأخذه إلى الفندق الذي يطلّ على صخرة الروشة، هذا المعلم الذي حلمَ دومًا وهو طفل أن يزوره، وأن يرى هذه الصّخرة الشّاهقة التي ميّزت بلاده، فكان اغترابه عن الوطن من دون أن يحقّق هذا الحلم، وحانت الفرصة السّانحة الأن ليستمتع بالأرز وبقلعة جبيل وقلعة بعلبك وغيرها من الأماكن الشّامخة في بلاده.

    برنامج سياحيّ طويل، لكنّه يناسب زيارته الطّويلة التي تنتهي في نهاية آب، واليوم هو الثاني عشر من تموز، فبإمكانه أن يجعل شهر تموز لبرنامجه السّياحيّ، ويذهب لاحقًا إلى ضيعته، فهو يخشى إنْ وصلها في بداية إجازته أن تمضي أيامه بين الأقارب والتّعرّف إلى الجيل الجديد، وأن ينتقل من ضيافة فلان إلى تكريم علّان، فهو لم ينس عادات بلاده في الكرم واقراء الضيف.

    ونظر في ساعته فوجدها الثّانية ظهرًا، ولديه من الوقت يسمح له بأخذ حمّامٍ دافئ. نزل إلى بهو الفندق ينشد القهوة، ويسعى إلى تأمين سيارة ترافقه في تنقلّاته. وبدأ يرتشف القهوة على مهل والرّضا يملأ قلبه، فهو قد عاد ليستمتع بالهدوء، لكن تنامت إلى مسامعه أخبار تتحدّث عن قصف العدو لبعض المناطق الجنوبيّة.

    فتراءى له أنّه يحلم، وأنّ أضغاث الأيام السابقة تعاوده من جديد، لكنّ الواقع خيّب ظنّه، فالأحاديث تتناقل بين الحاضرين، فيسارع إلى فتح جهاز الكمبيوتر المحمول لديه، ويقرأ في المواقع الإخباريّة عن عملية أسر المقاومة لجنديين اسرائيليين، وعن ردّ العدو بالقصف على المناطق الجنوبيّة.

    وتوقّف الزّمن لديه، فوجد نفسه عالقًا بين لحظة مغادرة الوطن التي كانت بسبب القصف الإسرائيليّ ولحظة العودة وتزامنها مع القصف الاسرائيليّ، فوجد أنّ القدر يعيده إلى ما هرب منه، وتذكّر المثل الشّعبيّ الذي كانت تكرّره والدته: “المكتوب ما منو مهروب”، ألا يمكن للمرء أن يغيّر مجراه، هل الحياة تسير به أم هو يسير بحياته، ويحدّد خطواته؟!! واحتار ماذا يفعل؟ هل يقفل عائدًا إلى المطار، أم ينتظر ليرى ما الأيام فاعلة به؟!!

    وكأنّ القدر أيضًا يُخطط له، فلم يجد حجزًا إلّا بعد أيام، فقرّر البقاء، لعلّها تكون حالة طارئة، وتنتهي. وعوضًا من أن يقضي أيامه في جولة سياحيّة، قبع في الفندق ينتقل بين قناة إخباريّة وأخرى متابعًا لكلّ حدث وخبرٍ عن الحرب الدائرة، وها هو الطّيران الإسرائيليّ يجدّد غاراته على مطار بيروت الدّوليّ ومحيطه، فشهد مساء 13 تموز قصفًا عنيفًا للمطار ما أدّى إلى تدمير المدرجين الشّرقيّ والغربيّ، وتمّ استهداف مخازن الوقود، وبات أمل العودة إلى اغترابه صعبًا، ومع إغلاق الطريق الدّوليّة التي تربط بين بيروت ودمشق إثر شنّ الطّيران الاسرائيليّ غارات عليه في مساء اليوم ذاته، فإنّ سبل النجاة باتت صعبة، وأخذ الطّيران الإسرائيليّ بقصف الجسور وقطع الطّرقات، وبدأت قوافل النّازحين من الجنوب إلى بيروت لتقطن المدارس والحدائق والطّرقات.

    وشرعت الدّول الأجنبية تُجلي رعاياها من لبنان، فما كان منه إلّا أنْ راجع السّفارة الأمريكيّة، فهو مواطن أمريكيّ الآن ومن حقوقه تأمين سفره. وحانت هذه اللحظة التي ستعيده إلى موطنه الذي استقرّ فيه، وشعر بالأمن والطّمأنينة، وإنْ خسر الرّوحانيّة التي عاد يبحث عنها.

    وحمل حقائبه التي ظلّت مقفلة كما هي، وانطلق في طريق المغادرة، لكنّ القدر عاد ليتلاعب بمصيره، فازدحام الطّرقات حال دون انطلاق سيارة الأجرة، وباتت المسافة طويلة جدًا إلى المرفأ حيث الباخرة التي أمّنتها السّفارة الأمريكيّة، فأخذ ينصت إلى صوت المذياع الذي كانت محطّاته تنقل خطابًا للسّيد “حسن نصرالله”، وبين الإنصات والشّرود، وصلت إلى مسامعه كلمات ” المفاجآت التي وعدتكم بها سوف تبدأ من الآن، الآن في عرض البحر في مقابل بيروت البارجة الحربية العسكريّة الإسرائيليّة التي اعتدت على بنيتنا التّحتيّة وعلى بيوت النّاس وعلى المدنيين، انظروا إليها تحترق وستغرق ومعها عشرات الجنود الإسرائليين الصهاينة، هذه البداية وحتى النّهاية كلام طويل وموعد”. وهنا علا صوت السائق مهلّلًا فرحًا بهذا النّصر: “خطوة جبّارة، عمل رائع، الله يعزّك يا مقاومة”.

    فما كان منه إلّا أن طلب من السّائق العودة به إلى الفندق، ولم يعرف هل هو الذي حدّد ذلك أم أنّ القدر فعل فعلته، تعوّد دائمًا الهروب وعدم مواجهة المواقف الصّعبة، لكنّ هذه المرّة عليه أن يواجه، ويتغلّب على القصف الإسرائيليّ بوجوده لا برحيله. نعم عليه أن يعيش هذه اللحظات، أن يكتشف كيف تكيّف النّاس مع حياتهم، إنّ عودته في لحظة الاشتعال هي إشارة له بأن يغيّر حياته ومسيرته. وهكذا عاد إلى غرفته، يخطّط لقضاء جولة سياحيّة من نوع آخر.

    وأخذ يقضي أيامه بين متابعة الأخبار والتّنقل بين النّازحين محاولًا إدراك مواقفهم وآرائهم. ومن جولاته ذهب إلى حديقة الصنائع وسط بيروت، فرأى أنّ النّاس قد افترشت البساط الأخضر، وتلحفّت السّماء الزّرقاء. لم يكن معهم إلّا ما يسد الرّمق ويطفئ العطش، ومع ذلك فقد لمس في كلامهم رضًى وطمأنينة، مرحلة وستمضي، وسيعودون إلى بيوتهم آمنين مطمئنين، فهناك من يحميهم ويحافظ على كرامتهم.

    وصادف في جولاته الكثير من المواقف، منها المبكي، ومنها المضحك، ومنها المؤلم، ومنها المحزن، لكن كلّ ما يجمع هذه المواقف أنّها تعبّر عن العزّة والكرامة، وتعلو هتافات دائمة ” كلّنا فداء للمقاومة”. فهذه امرأة خسرت بيتها بعد أن دمّره  طيران العدو، وكان يكفيها أنّها أنقذت أبناءها من الموت، أمّا البيوت والأملاك فهي فداء لكلّ مقاوم. ويترك هذه المرأة التي اختلطت دموع حزنها بدموع العزة والكبرياء، ليستمع إلى أحاديث أخرى.

    ومن هذه الأحاديث ما كان يرويه أحد النّازحين والبسمة لا تفارقه، فيذكر ما حدث معه قبل النّزوح، فقد كان في حقله يهتمّ بأشجاره يجني منها ثمار موسم الصّيف، عندما اشتدّ القصف على ضيعته، فيتّخذ قرار النّزوح، تبدأ عملية تحضير ما يلزم من أغراض، ويتعجّب من زوجه التي اهتمت بجمع القمامة من بيتها، فتخبره أنّها تخشى أن تتركه متّسخًا، فيحثّها على الإسراع، ويكمل سرد حكايته ضاحكًا، وهو يقول: حملت القمامة بيد، وحملت باليد الأخرى ما جمعته من الخوخ، فيصعب عليّ أن أترك ما تعبت في عمله، ومنه يكون زادًا لنا على الطريق. وذهبت لأضع القمامة في مستوعبها، وانطلقنا بالسيارة.

    وهنا لم يستطع أن يتمالك نفسه، فقد عاوده الضّحك ما دفعهم إلى مشاركته فرحته من دون أن يعلموا سببها، ولعلّهم جميعًا يبحثون عن طاقة الأمل التي تبعدهم عن الأحداث الرّاهنة، لكنّ صوت أحد الحاضرين، يحث الرّاوي على متابعة قصته، ينشلهم من خيالهم السارح في الآفاق ليتابعوا الحكاية التي أكملها الرّاوي سردًا وتمثيلًا لما حدث، فيقف ويتّجه إلى كيس يهمّ بفتحه، ويسأل الحاضرين من يريد خوخًا من شجيراتي، ويفتح الكيس لكنه يخرج ورقًا وأوساخًا، وينفجر ضاحكًا فقد رمى الخوخ في المستوعب أمام البيت، ونزح معه كيس القمامة.

    ويسود الصّمت قليلًا ليضحك من جديد، ويضحك معه الجميع، لكنّه كان يخفي حنينًا إلى شجيراته، وإلى أرضه التي كان يرعاها برموش العين، ولم تستطع ضحكاته أن تمنع دموعه من الانهمار، فهو وإن أنقذ أبناءه، وخرج بهم من غضب القصف الإسرائيليّ لضيعته، لكنّ أكثر ما يؤلمه أنّه لم يستطع إنقاذ أبنائه الآخرين. وسأله “علي” بدافع الفضول عن أبنائه، فأجاب بفخر وقد بدا الشّوق في عينيه: إنّه يتحدّث عن شجرات أرضه التي تحمّلت لسنوات عديدة القصف الهمجيّ للعدوان الذي ترك أثاره في الأرض، لكنّها ظلّت تقاوم غضب القصف، واحتضنتُ هذه الأشجار التي وإن ماتت تظلّ واقفه، هكذا نتعلّم منها الشّموخ والرّأس المرفوع، فأغصان الأشجار لا تنحني، هي تتمايل مع الهواء العاصف لتواجهه لكن لا تهادنه. والأمل بعودته إلى هذه الأشجار يكبر في نفسه، فهو يعلم أنّها بأمان، فهناك من يقاوم ويدافع حفاظًا على الأرض وقدسيتها، وتركه وكلماته ترنّ في أذنيه، فحسن اختيار المواجهة هي المنقذ، لا الهروب والبحث عن البديل.

    وهكذا تستمرّ رحلة “علي” بين النّازحين، يقدّم ما يستطيع من مساعدات ماديّة عينيّة، مع حرصه على تقديمها سرًّا لا علانيّة، فلا قيمة للعطاء مع منٍّ، وهو درس جديد تعلّمه في رحلته هذه من كفاح المقاومين ونضالهم، فهم يقدّمون دماءهم هبة لأجل الوطن مضحّين بحياتهم من دون أن يعلنوا عن تضحياتهم.

    وفي 30 تموز وبعد تسعة عشر يومًا من بدء المعركة، تأتي الفاجعة في قانا، تلك البلدة التي تعرّضت لمجزرة رهيبة في عدوان عناقيد الغضب في 18 نيسان 1996[1]. وكانت نتيجة هذه المجزرة إعلان الهدنة ليومين في الأوّل والثّاني من آب، واتّخاذ “علي” قرارًا جريئًا، فهو لم يزر ضيعته بعد، وها هي فرصته للذّهاب إليها، وفي طريقه رأي بعض المتّجهين إلى بيروت، بعد أن عانوا من الحصار والعدوان، فالأيام القادمة حكمًا ستكون أصعب ممّا سبقها، فصمود المقاومة سيجعل العدو أكثر شراسة، يغادرون أرضهم والقهر في عيونهم.

    هدنة أعقبتها معارك حامية وهزيمة مدوّية للعدو، فكانت مجزرة الدّبابات في وادي الحجير، هذه البطولة التي أبداها المقاومون، والشّجاعة التي أخافت جنود العدو فعاد مهزومًا مذعورًا، والتي جعلت من “علي” يعود إلى ترابه وأرضه، فما إن وصل إلى مشارف قريته حتّى اشتّم رائحة الأهل والخلّان، وصل إلى بيت كان قد قضى فيه طفولته، بيت جدّه الذي ورثه أبناء عمّه، فدخل من بوابة بقيت كما هي منذ سنوات، وراحت قدماه تخطو في الممشى الطّويل المؤدّي إلى البيت، يبحث عن رائحة عطر جدّه الفوّاح الذي كان يهتمّ بورود الدّار، يغمض عينيه ويتبع الأريج، فيعود ذلك الطّفل ابن التّاسعة من عمره.

     يقترب من جدّه وهو ينكش الأرض، وصوته يصدح بالعتابا والميجانا، يشذّب الأوراق، يقطف العنب، ويداعب حفيده قائلًا: هذه الكرمة لك، وهي باسمك ستحافظ عليها، محافظتك على نفسك، فالأرض شرف الإنسان وعرضه. ويسمع جدّته تنادي الجميع فالغداء بات جاهزًا، تجتمع العائلة تحت كنف الجدّ، ككلّ يوم عطلة، يأكلون من خيرات الأرض. لقاء تعوّدوا عليه إلى أن وافت جدّه المنية، فقلبه لم يتحمّل اغتصاب العدو لأرضه، وتدنيسهم حقول التّبغ وتلويثهم لأشجار الزيتون والتين، وكان الاجتياح الإسرائيلي للبنان الضربة التي عصفت بقلب جدّه الرّقيق، وربّما لو كان جدّه موجودًا لما رحل وترك أرض الوطن بعد الاجتياح بأربع سنوات. وما زالت الذكريات تناغشه، وتذكّره بالأيام الخوالي.

    ويستفيق من شريط ذكرياته على صوت دعسات في الدّار الخلفيّة، فيخفق قلبه، فمن سيجد هناك؟! فمن الواضح أنّ أبناء عمومته قد نزحوا وتركوا البيت، لعلّه لصّ، يستغلّ هذه الأزمات فيسطو على البيوت ناهبًا سارقًا كنوز البيوت الخالية من سكانها، فخشي أن يكون مع هذا اللصّ سلاحًا أو سكينًا، فكيف يواجهه وهو أعزل لا يحمل معه إلّا الذّكريات والحنين. ولم يُطل خوفه وتستمرّ حيرته، فقد برز من الخلف رجل بثياب عسكريّة، فأدرك مباشرة بأنّه من رجال المقاومة فالوجه مشرق، والثغر ضاحك، والهيبة بارزة.

    ويبادره المقاوم بالتّحيّة، ثم يقدّم له ورقة يطلب منه أن يقدّمها إلى أصحاب الدّار، فيفتح الورقة ويقرأ ما فيها، فتعلو الدهشة محياه على ما ورد فيها:

    باسمه تعالى

    جانب أصحاب الدّار الكرام

    تحية طيبة وبعد..

              اضطررنا في هذه الفترة من المعركة الدائرة في الجنوب الدّخول إلى منزلكم والبقاء فيه عدّة أيّام، وقد تمّت الاستفادة من بعض الأغراض والمواد الغذائيّة، والأمتعة الموجودة فيه.

              وعليه نأمل منكم المسامحة، وعلى أمل التّواصل قريبًا، مع الإشارة إلى أنّنا جميعًا لسنا من ضيعتكم.

     الأغراض التي اُستعملت من داركم الكريم:

    أرز   2 كيلو

    شاي اوقية ونصف

    سكر  كيلو

    بهارات ثلاث رشّات

    صابون جلي  نصف العلبة الموجودة

    حامض  ثلاث حبّات

    بصل      أربع حبّات

    و……

    وتتابع عيونه  قراءة الأغراض التي اُستعملت مع كميتها، والإشارة إلى رمي بعض الأطعمة التي تلفت بسبب انقطاع الكهرباء، مع الاعتذار مسبقًا بحال تم استخدام أي غرض ولم يذكر سهوًا.

           رسالة غريبة في مضمونها، جميلة في أبعادها، فهؤلاء المقاومون الذين يضحّون بأرواحهم لأجل الوطن، يستكثرون على أنفسهم استخدام مواد غذائيّة وغيرها ليست من أموالهم، مفارقة فيها عبق الكبرياء والعزّة والشّرف. واستأذنه المقاوم في البقاء إلى أن يحين موعد مغادرته. فارتسمت ابتسامة فخر وعزة على شفاه “علي”، فالشّرف قد ناله برؤية بطل من الأبطال، والفخر قد سما من خلال الحديث معه، وكم كان هادئًا لطيفًا ودودًا، وشعر “علي” بضعفه أمام هذه المقاوم البطل، لكنه بابتسامةٍ ودودةٍ أجاب: إنّ المقاومة ليست فقط بالسّلاح، فالنّاس بصمودهم قاوموا، وأنت يا “علي” في دعمك ومساندتك تقاوم.

           واستمرت المعركة التي أطلقت عليها المقاومة “معركة الوعد الصّادق”، وكانت وعدًا صادقًا، ونصرًا مبينًا، وعزّة وكرامة، فقد كسرت المقاومة مقولة الجيش الذي لا يُقهر، فعاد إلى أرض فلسطين المحتلّة يجرّ أذيال الخيبة وراءه. أمّا “عليّ” فقد أكمل أيّام المعركة في ضيعته، يتعرّف عن كثب على وجوه وهبت البلاد العزّة والكرامة، فكان النّصر.

           وبدأت وفود النّازحين بالعودة إلى الضّيع والبيوت والأراضي، وكان “عليّ” باستقبال أبناء عمومته عوض أن يستقبلوه، فأقام لهم مآدب الاستقبال، وظلّت الأفراح في البيوت عامرة، بوعد النّصر وبتحقيقه. وقضى “علي”  عطلة غير مخطط لها، وقد اقترب موعد العودة إلى بلاد الاغتراب، فما عاد يعرف أي عودة ستكون، ألم يعد هو إلى جذوره وانتمائه، فمتى تكون عودته إلى عالمه؟؟!! وهل عليه أن يعود؟؟!! وإلى أين؟؟!!

           أسئلة كثيرة ازدحمت في عقله، فخرج لا يعرف إلى أين، قادته رجلاه إلى ضيعة مجاورة، فرأى النّاس متجمهرين في الشّوارع لتشييع شهيد من شهداء الوعد الصّادق، فوقف من بعيد يراقب ما يحدث والأفكار تتجاذبه بين العودة واللا عودة، ولكن أية عودة وأية لا عودة! فهل هو فعلًا بحاجة إلى العودة؟ أم أنّه حقّقها. وفي هذه اللّحظة يُرفع الشهيد على الأكف، وتعلو زغاريد تشييع الشّهيد، والأرز يُنثر عليه، فينظر إليه فيشعر بشموخ هذا الشّهيد الملفوف براية النّصر، ويكتشف قمة شامخة من قمم لبنان، فإن فاته رؤية قلاع لبنان العظيمة من بعلبك إلى جبيل إلى… فهو اليوم قد رأى قلعة عالية من هذه القلاع، رأى قلعة العزّة والكرامة والشّرف. وأدرك أنّه قد عاد … نعم قد عاد… عاد إلى نفسه إلى الحقيقة التي هرب منها، عاد إلى الوطن.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    [1]راح ضحية القصف الإسرائيليّ في هذه المجزرة ما يزيد عن المائة من الأبرياء الذين لجأوا إلى مركز قيادة فيجي التّابع للأمم المتحدة (اليونيفيل)، ها هي تعود إلى الواجهة من جديد، في مجزرة جديدة يسقط جراءها حوالي خمس وخمسين ضحيّة، عدد كبير منهم من الأطفال الصّغار الذين كانوا في مبنًى  مكوّن من ثلاث طبقات، حيث انتشلت جثة سبعة وعشرين طفلًا من بين الضّحايا، وحجة العدوان هو أنّها كانت منصة لاستخدام الصّواريخ التي كانت تُطلق عليه خلال الصّيف السّاخن، فيما أكّد “حزب الله” أنّ المبنى لم يكن فيه مقاتلون من حزب الله، وأنّ جلّ من استشهدوا هم من النّساء والأطفال والشّيوخ، وهكذا كانت مجزرة قانا الثّانيّة.

     

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *