الثلاثاء 25 سبتمبر, 2018

    القدس المدينة والتهويد

    15
    views

    كتاب خالد عزب «القدس المدينة والتهويد» في طبعة جديدة

    القاهرة – علي عطا

    alqds-1صدرت أخيراً طبعة ثانية من كتاب «القدس المدينة والتهويد»؛ للدكتور خالد عزب عن دار «هلا للنشر» في القاهرة، لتواكب التهاب الوضع في فلسطين والعالم العربي عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتوجيهه إدارته إلى العمل من أجل نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى المدينة المقدسة، التي يجري العمل على تهويدها على قدم وساق، في تحد سافر لقرارات الشرعية الدولية ولمشاعر المسلمين والمسيحيين في مختلف أنحاء العالم.

    ووفق خالد عزب، فإن التهويد هو عملية نزع الطابع الإسلامي والمسيحي عن القدس وفرض الطابع الذي يسمى «يهودياً» عليها. وتهويد القدس هو جزء من عملية تهويد فلسطين ككل، بدءًا من تغيير اسمها إلى (إرتس يسرائيل)، مروراً بتزييف تاريخها، وانتهاءً بهدم القرى العربية وإقامة المستوطنات ودعوة اليهود إلى الاستيطان في فلسطين.

    ويذكر عزب أن إسرائيل بدأت عملية التهويد منذ العام 1948، وزادت حدتها واتسع نطاقها منذ حزيران (يونيو) 1967. وارتكزت السياسة الإسرائيلية إلى محاولة تغيير طابع المدينة السكاني والمعماري في شكل بنيوي، فاستولت سلطات الاحتلال على معظم الأبنية الكبيرة في المدينة واتبعت أسلوب نسف المنشآت وإزالتها لتحل محلها أخرى يهودية. كما استولت على الأراضي التي يمتلكها عرب وطردتهم لتوطين صهاينة مكانهم.

    ويلاحظ عزب في هذا السياق أن التهويد الثقافي والإعلامي يعد أحد المحاور المهمة في مخططات تهويد القدس. ويمس هذا التهويد تراث المدينة بدرجة كبيرة؛ ذلك لأنه التعبير الحي عن هويتها، لذا بات هاجساً يمس في صورة يومية المقولات اليهودية الدارجة حول المدينة، بل تحوّل أخيراً إلى قلق دائم لدى اليهود؛ وهم يحاولون من آن إلى آخر الإجابة عن التساؤلات المطروحة أمامهم حول تاريخ القدس وتراثها ومدى يهوديتها. وللتهويد الثقافي والإعلامي صورٌ شتى، منها التربوي، ومنها ما يمس مفاهيم ماهية القدس وحدودها، ومنها ما يتعلق بتزييف الحقائق التاريخية حول مدى قدسية القدس لدى اليهود. ومنها؛ كذلك؛ ما يمس حقيقة الهيكل، وهل له مكان ثابت مقدس يجب أن يبنى فيه؟

    ويرى عزب أن التربية تعتبر عاملاً حيوياً في بث الأفكار والمعتقدات لدى الشعوب؛ لذا يحرص اليهود على بث ما يؤيد ادعاءاتهم في القدس وفلسطين، مِن خلال المناهج الدراسية وقصص الأطفال. ومن ذلك ما يروى في قصة «ديفيد الصغير»، بصورة تغرس أصالة الوجود اليهودي، إذ تروي تلك القصة ما يلي: «في ذلك العام، في أورشليم ـ القدس ـ كان ديفيد صغيراً جداً، عندما هدم الرومان هيكل سليمان الرائع؛ وبناءً على أوامر الإمبراطور تيتوس، قام الرومان بالقتل والنهب. وقطع جنودهم بسيوفهم القوية رؤوس الأطفال الصغار، ولم يتركوا إلا بعض الحجارة المنضّدة والتي نسميها حائط المبكى». وبما أن ديفيد الصغير «يركض سريعاً»، وهو كذلك «يتمتع بالدهاء»، فقد أفلتَ «مِن الجلادين الرومان». وتذهب تلك القصة الملفقة إلى أن اليهود الذين خرجوا أحياء بدأوا بالانتشار في العالم… «هاهم اليهود مِن دون وطن، لكن ديفيد الصغير يقول العام المقبل في أورشليم». وتسترسل القصة بالقول إنه «بعد الرومان جاء الغزاة البيزنطيون، ثم الفرس، ثم الصليبيون الذين هم فرنسيون وإنكليز وألمان، وقالوا إنهم هنا لتخليص قبر المسيح. كانوا يحملون صلباناً على صدورهم وعلى سيوفهم، كانوا رهيبين، فقتلوا كثيراً مِن اليهود؛ وليبرروا عملهم احتجوا بأنهم لم يميزوا بينهم وبين العرب. ولمدة طويلة جداً كان الاحتلال التركي، الذي ترك الباشاوات اليهود يقبلون حائط المبكى، وبنى سوراً جميلاً حول أورشليم».

    ويرى عزب في الأمر بعداً آخر؛ وهو إكساب الرؤية اليهودية إلى مدينة القدس «طابعاً علمياً، وهذا يبدو– كما يقول- مِن خلال نشاط الجامعات والمؤسسات الإسرائيلية، على رغم تسليم الأثريين اليهود بفشلهم في العثور على حجر واحد من أي بناية تنسبها التوراة إلى النبي سليمان. وينسب اليهود حجراً؛ عثر عليه في القدس؛ نقشت عليه أسماء الشهور بالحروف العبرية القديمة المشتقة من الأبجدية الفينيقية، إلى عصر النبي سليمان، وحجراً آخر تدل نقوشه على نسبته إلى النبي حزقيا؛ عُثر عليه في قناة مياه خارج القدس.

    وكشفت الحفائر في جوار الحرم القدسي؛ عن ثلاثة قصور كانت مخصصة لإقامة الأمراء الأمويين الذين حكموا المدينة، وهو ما مثّل خيبة أمل كبيرة لدائرة الآثار الإسرائيلية التي تخضع لها المنطقة حالياً. فضلاً عن خيبة الجامعة العبرية وجمعية «كشف إسرائيل» التي قامت بالحفائر. وكانت تلك الجمعية دعمت برنامج بنيامين مازار؛ الأستاذ في الجامعة العبرية الذي وضع مشروعاً للكشف عن الطبقات الدنيا من الهيكل في موضع الحرم القدسي الشريف وبالقرب منه، ما أدى إلى هدم الكثير مِن الآثار الإسلامية فى مناطق الحفر، من دون العثور على أي أثر يعتد به يعود إلى عصر الهيكل المزعوم.

    هكذا أتيحت لليهود والباحثين عن الآثار؛ وفقاً لما جاء فى التوراة؛ فرصة ذهبية للبحث عن «مملكة إسرائيل» في القدس من خلال التنقيب الأثري، ولكن نتائج حفائرهم لم تسفر عن شيء ذي بال. وعلى رغم هذا؛ فهم يعطون مشروع إعادة بناء الهيكل اليهودي «بُعداً علمياً»، إذ أصدرت الجمعية الجغرافية الإسرائيلية عدداً خاصاً من مجلتها العلمية سنة 1996 عن إعادة بناء الهيكل؛ تضمّن مقابلة مع مهندس يهودي حول عمارة الهيكل، وأبحاثاً عن الهيكل الأول والهيكل الثاني، وكذلك النماذج المعاصرة التي وضعت لبناء الهيكل في موضع قبة الصخرة، ودراسة أثرية مقارنة بين تصور هيكل هيرود وما هو موجود اليوم في الحرم القدسي وينسبه اليهود إلى عمارة الهيكل نفسه؛ مثل الأقصى القديم؛ وهو سلسلة من عقود تمثل قبواً أسفل المسجد؛ فضلاً عن حائط البراق.

    وصدور هذا العدد من مجلة علمية معترف بها في الغرب يوحي بجدية وأصالة الادعاءات الإسرائيلية، بل ويستخدم هذا العدد كمرجع للمقالات الصحافية والبرامج التلفزيونية. بل امتد الأمر إلى إقامة معارض أثرية تضمّنت بعض ما نتج من حفريات القدس ونسب إلى اليهود بطريق لي ذراع النتائج العلمية، وتسويق هذه المعارض سياحياً ومعها أدلة بلغات عدة، وهو نوع من الدعاية الإعلامية التي تأخذ صبغة علمية.

    جريدة الحياة : 02/02/2018

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *