الجمعة 20 يوليو, 2018

    تعلّمتُ أن أجرحَ ما أُحِبْ

    21
    views

    .. تعلّمتُ أن أجرحَ ما أُحِبْ كي تَشْفَى ذاكرةُ الحبر!

    رَجاء بكريّة ـ فلسطين

    raja“ولحرصهِ الّلافت على “سلامة لساني”، وتفوُّقِ معلومَتِهِ حين يتحدّثُ سَخِر من إجابتي أمّام طلاّب اختنقت بهم غرفة تدريسهِ، فبكيت. بحُرقة لا تزال تلسعني كلّما ابتعلتُ ريق ذاكرتي تلك “

    حين يرسمُكَ الهواءُ شاطىءَ رمل لن تحتقنَ لأيّ سبب، وأنت تحفن منه وترمي بذهبِهِ الأصفر كلّ من يراك،  فيكَ أمامكَ وَراك. ولن تملّ نثره في العيون مهما توسّل إليك أن تتركه لنضارة لونه..

    في لحظة كهذه تماما، التقطني رنين هاتفهُ. وأنا على ساحل الرّمل تماما، أحفنُ وأرمي بعد رياضة روح وجسد امتدّت لأكثر من ساعة. بعد سنوات طوال على تعليق بدر منه على أدائي التّعبيريّ، وأنا طالبة في جامعة حيفا. في السّنة الأولى أو الثّانية كنتُ، حين طرح سؤالا حول بحث نشره، وكلّ عالمه كان، وكوني طالبة فصيحة يحتفي بها طلّاب الدّفعة حين تتحدّث أحببتُ أن أثري محاضرته فأوردتُ بضع جمل تستعرض ثراء ثقافتي في عرض مُنْتَجِهَ، ولحرصهِ الّلافت على “سلامة لساني”، وتفوُّقِ معلومَتِهِ حين يتحدّثُ سخر من إجابتي أمّام طلّاب اختنقت بهم غرفة تدريسهِ، فبكيت. بحُرقة لا تزال تلسعني كلّما ابتعلت ريق ذاكرتي تلك، ومعها وجع طه حسين، وهو يسكبُ الحساء على قميصه، فيحرجُه والده. تبكي أمّه ويضحك منه إخوته المتحلّقين حول ذات المائدة. أمّا أنا فبكيتُ بكاء أدمى كبريائي، وأما المحاضر فسألني، كأنّما استدرك، متأخّرا، فجيعة اللّحظة، (ليش أنا شو حكيت؟)

    منذ تلك الضّحكة السّاخرة تغيّر عالمي. حقيقة أكشفها على ورق هذه المقالة، اليوم، ولصاحب هاتف الرّمل، الّذي هاتفني يُقوِّم ويُصحّح. أقسمتُ يومها أن تتفوّق ثقافتي على عالم واسع، وأن يكون لي اللّون والنّكهة، الّتي، تُشتَمُّ رائحة هالها الباقي عن بعد. أفرغتُ سنوات طويلة في القراءة بثلاث لغات، لم أترك رواية بعيدة أو قريبة إلا وسافرتُ لاقتنائها، أو دراسة لافتة أو فلسفة. حتّى المعارض الفنيّة، سافرتُ إلى باريس، لأكثر من مرّة للتعرّف إليها، وفي مواعيدها، لسيزان وجاكوميتي، بيكاسو، مونيه، وسواهم. ليس لأنّي لم أقرأ من قبل، ولكن لأنّي اتّخذت قرارا بتأسيس مذهب يخصّني وحدي، ونجحت.

    أمّا أن يهاتفك ذات الصّوت الّذي مسحتَ بإرادة فكرِكَ تعرّجات سُخريتهِ كي يحصي أخطاء مقالة، اخترتَ أنتَ وبعناية، صيَغَ مفرداتها، مجاهيلها وأفعال مطلقها، فهذا ما لم يتنبّأ به الرّملُ وهو يصير إلى ذهب بين يديّ!

    قُلتَ أنّك تتابعني، ولو أنّ الأمر على صحيحهِ لتذكَرتَ أنّي فرضتُ ذات يوم مفرَدةَ “صُندوقَة” بدل “صُندوق” وأسقطتُ ادّعاء كلّ من ناقشني، حين تُرجِمت إلى لغات وحازت على شرف دوليّ. ثمّ أضفتَ، “قرّرتُ هذه المرّة أن أكشف ملاحظاتي” رغم أنّي لم أحص، ولا هجست بكمّ المرّات الّتي قَرأتَني، وأضفتَ بذات الإصرار الّذي أتذكّره، كأنّي طالبة سنة أولى، لا أزالُ، “المادّة عندك أقوى من اللّغة”، وأعدت، “الفِكر في ثنايا الأسلوب، أقوى من الأسلوب واللّغة” واحترتُ أنا، متى صدمتك لغة بفولاذ لغتي آخر مرّة؟

    ضحكتُ خلال المكالمة من ملاحظاتك، وأنا أتذكّر مقعد الدّراسة اليتيم في الجامعة، الّذي لم أحنّ له مرّة واحدة إلا أمام، الأستاذ، في حينِهِ، إبراهيم طه. كنّا نعشق أسلوبه في الدّرس والنّقاش، ونتبارى فيمن يكون الأبلغ في إجاباته. وكانت نصوصه مفتوحه على الغيم كلّما بخّرتَها أمطَرَتْ.

    كنّا نعشق المطر الّذي يزخّ من أكمام نصوصه المُدهشة، هو من علّمني كيف أستحوذُ على اهتمام طلّابي في الكتابة الإبداعيّة. ومنحني فرصة تأمّل في مسيرة نصوصي حين ناقش أوّل نصّ من مجموعتي النّثريّة الأولى “مزامير لأيلول” مع طلّاب دُفعَتي، هكذا اشتهرتُ كأديبة تَجرحُ العطر برصاص قلمِها. مدينة له أنا بانحيازي لتجاوز نفسي، ومعاكسة زوايا الضّوء، عبر دهاليز أعرف أنّها لا تُعجِبُك! حقّك ألا تنعجب، لكنّها تفتنُني، أنا، وهذا يكفي، حدّ الرّقص على وتر حرفها. علّمني فضول غيري في السّذاجة الممتنعة لديّ أن أغنّي. لا وقت أستنزفه الآن في الهجس، أعرف أنّ ما أكتبه يثير الفرح، ويُبهّر العالم بتوابل القرنفل، فتتجاوز جزر مولوكا في إندونيسيا مواطنها الأصلية إلى جزر العالم. وصلتني رسالة ليلا من بلاد مُدهشة، جبال الأنديز تحديدا، تعترف السيّدة الّتي أرسلتها فيها إليّ، أنّ ما أكتبه يحرق رؤوس الشّجر العاق، ويرفع حدائق معلّقة في حلوق جبالٍ شِهاق. أوبعد ذلك أحتار، وأتساءل لأنّ المنتديات التي ترتادُها أنت لا تعجبُني، وأعتبرها خارج المرحلة؟ ولأنّ حرّاس الكلمة بعينيّ، هم حرّاس أبواب وليسوا حرّاسَ أقواس، والفرق شاسع بينهما؟

    المطر على أبواب عكّا، ومقالتي هذه أفردتها لعطر مدينة سكنت بدنَ كلمات تشبه الرّمل رملها. الشّتاء هنا غريب الرّائحة، ساحر الهال حدّ أنّك تشكّ في مصادر الهال الّذي يتخلّل قهوتك، وخيط الشكّ الّذي يتخلّل سطورَكَ. ومنذ الآن أيّام الجُمعِ في عُرفي مقدّسة، لا يُعتَدى على رَملِها ولا دَرَجِها، ولو بثمن الغيرة على مدّخرات العرب من عُلب. لا أُفسدُ فرحَها، تركت النّكد لأناس يجيدون دهنه بصمغ الأوكالبتوس، كنّا ننزعهُ صغارا عن لحاء الجذوع ونتفنّن في أكله. اختاروا هويات نصوصكم بعناية كي لا تسيّلوا عطر المرايا، وصمغ التّكايا.

    لم أخبركم أنّ التّكايا أعمق مصادر الفرح، فاتركوا لي سيقان القصب الّتي أحب كي أطلق من أعوادِها لحن سمائي.. تعلّمتُ أن أجرحَ ما أُحِب كي تشفى ذاكرة الحِبر.. ..

    يناير: 2018 ـ حيفا                 

     

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *