الأحد 18 نوفمبر, 2018

    لغة الأم… هي اللغة الأم في مدرسة الحياة

    30
    views

    لغة الأم… هي اللغة الأم في مدرسة الحياة

    جوزف أبي ضاهر

    356114_2125_sهي بدءٌ، ولا قبلها قبل. أَلبست الصوتَ حاجته إلى التعبير، فعَبَّر وعَبَرَ من ضَفَّةِ الصمت إلى ضَفَّةِ الكلام.

    … وهي أمٌّ للّغةِ الأم، ضاع النسب، أو أهمل، فوضع هويّتها النسيان حدّه.

    صقلت المعرفة بالأصول والقواعد، فغدت مع الأزمنة وسيلةً لتفاهم وفهم، وإدراك معارف إنسان طوّر الوقت والزمن، والتعامل والعمل، وحقّق للفكر حريّةً صاغ بها ما ترتقي النفس به، وتسمو على المخلوقات جميعها.

    تؤكّد دراسات، متعدّدة المصادر، أن الأم الحامل تشعر برغبة في التواصل مع جنينها، لمسًا ودندنةً، والجنين يبدأ بتلمّس نبض صوتها في شهره السابع، فيشعر بالراحة، ويهدأحركة.

    الكلام المتوارث

    حين يخرج إلى النور، يأخذه صوتها في غناءٍ إلى الأمان. يكثر الكلام المتوارث تعبيرًا عن كلّ حركة يقوم بها، وعن كلّ صوت، وصولاً إلى كلام يحمل نبض قلبها الذي لا يتقن إلاّ لغة واحدة. تفتح الحياة ذراعيها، تهمس، مستعينةً أيضًا بشفتي أمّه، أرقَّ الحبّ وأسماه، آخذةً من القلب لبّه وموسيقى نبضه، ومن العقل قدرةً على جعل الحياة في تجدّد دائم، وفي خَلقٍ، تشارك الأم الأب في جعله استمرارًا لنسل وعيال ومواطنة، وتُعدّهُ جسدًا ينمو فوق أرجوحة اليدين ودفء العينين، وغناء الشفتين بأغنياتٍ تزرع في نفسه الآيلة إلى التفتح والنمو…

    على نغمةِ الصوتِ، ومشاركة الكلمة مع رجع النغم وسحره الممزوج بلهفة كلمات – أمنيات، تتّسع آفاق الأغنيات ليمشي، وتنده الكلمة إلى المدرسة. يروح الولد إليها حاملاً مع زوادته ما حفظ من المحكي.

    في المدرسة تبدأ ثنائيّة اللغة، ثنائيّة غير منظورة، إذ ان التلميذ يفكّر بلغة أمه، ليكتب بلغة شبيهة، لها أُطرها وقواعدها، فتُعدّه ليدخل معها إلى الحياة التي استقبلته، أولاً، بلغة أمه، ولم تظهر اعتراضًا، أو تعثرًا في فهم وإدراك.

    صراع اللغة

    تبدأ اللغة وكأنها تتصارع مع ذاتها. يخضع اللسان إلى قواعد تؤهله للذهاب إلى أبعد في محيط تكثر اللهجات فيه، واللهجة في الأساس، أيضًا، لغةُ أمٍ خضعت لمحليّة وإقليميّة ضيقة، خسرت معها بعض الوهج الذي أعاده الشعر الراقي، محكيًا ومغنّى، وممسرحًا، فاتّسع حضورها، وصفّق العقل للقلب، واجتمعا بعد أن كانا على بعض قسمة في صراعٍ، لن يوفق الداخل إليه في حيازة الحق كاملاً.

    هنا تشهد اللغة للدور المهم الذي لعبه المسرح بلغة محكيّة. سهل الجمع بين طبقات المجتمع، بعد أن كانت لغته نخبويّة ترى في الفصحى تمايزًا طبقيًا.

    يأتي التفكير والحديث والانفعالات، فَرِحةً أو مُحزنة، بالمحكي الحاضر على طرفي اللسان، تعبيرًا لا يعترف بنافر مع الأفكار، فلا عثرة تشدّه إليها، وتحدّ من النطق به في عفوية تُبعد الإرباك المنصوبة شباكه، دائمًا، أمام المتحدّث في المحكي، في مواضيع لها رحابة الحياة، ولا نقول تُترجم إليها.

    بين اللسان والقلم

    لا توجد غربة بين اللسان والقلم، ولكن القدرة في الجمع بينهما، ليست من السهولة بمكان، خصوصًا في المواضيع العلميّة، والعكس صحيح حين القلب ينده اللسان تعبيرًا بنبضه، فتتراجع القواعد اللغويّة، وتميل المشاعر إلى تحفيز الشفتين على أخذ المبادرة بالعفوية الساكنة في خطوطها، وكأنها المتنفس لشرايين القلب.

    هنا تقسم اللغة الأم ذاتها إلى قسمين:

    بيضاء، ليّنة مطواعة، قريبة من الفصحى، مرشّحة للتداول في كلّ أمور الحياة… وأخرى إقليميّة محبوسة في النبرة واللهجة، وضيق النطق الذي لا يسمح بحياة خارجها.

    المحكية البيضاء، الخارجة من قمقم اقليميّتها، استطاعت أن تجاري الفصحى، وأن تتفوّق عليها في النبض المشتعل كلامًا، صادرًا عن العقل والقلب معًا، فيأخذ الأخير رحابة حضوره في الغزل والتودّد مشافهةً، وكتابةً لقصائد تحوّلت أغنيات، وَسّعَ لها الانتشار حضورًا في العالم العربي، تحديدًا وفي كلّ دولة من دوله محكيّة، وجعلها تتفوّق على أغنية مكتوبة بالفصحى، لم تستطع احتواء الحميم من التعابير، المولودة من اللهفة والرغبة والوله، بدت الأولى محسوسة وملموسة أكثر، تشارك المشاعر في الحضور الطاغي على أي لغة غيرها.

    ليس للفصحى قدرة أن تأخذ مكان المحكيّة، كما ليس للمحكيّة أن تلغي حضور الفصحى، أو تضعفه، أو تجعله أقلّ شأنًا، ولو هجرها اللسان في محافل كبرى، وعلى المنابر وفي وسائل التواصل الإعلامي.

    – هربًا من السقوط في المحظور من الأخطاء؟

    ربما… وربما أيضًا، لسهولة المحكيّة في المخاطبة، وشرح الأمور المتعلّقة باليومي الذي لا تستطيع الفصحى، مع تبسيطها، الدخول إليه بنبضٍ وحرارة.

    بعض غلاة الفصحى يضع الشفوي من الكلام والنصوص خارج سور مملكته، وحجته ان الشفوي يفتقر إلى القواعد والأصول التي تميز الفصحى، ومن إدراكٍ للعفوية المتجذّرة في النفوس يبعد الفصحى عن المشافهة. وإذا تفاصح ترمح السخرية له فيسقط.

    تحمل اللغة الفصحى إرثًا ثقافيًّا كبيرًا لمعارف وأدب

    وفنون، بعضها الأصل، كتب فيها، والآخر تُرجم إليها من

    لغات وثقافات شرقية وغربية، ساهمت في تفاعل حضارات، وسهَّلت على المستعربين نقل أصولٍ في علوم وآداب وضعت في الفصحى.

    القيمة في الخلاصة

    لكلّ لغة ميزات، ولكلّ لغة محكيّها الفارض حضوره في اليومي، تعاملاً ومشافهة، وفصيحها الساكن في الكتب والمدوّنات والمعارف.

    ليس في القسمين ما يوجب، أن نضع ضدًا في مواجهةِ ضدٍ هو من صلبه وروحه وكيانه.

    وحدها المعرفة تعلن حكمها: القيمة في المضمون لا في الشكل. المضمون هو الأبقى، في جميع اللغات، محكيّة كانت،

    أم فصيحةً. اللسان ينكفئ أمام العقل. والعقل لا يساوم

    الحياة لتأخذ ما ليس منه، وما هو من العقل لا يلبس ما لا يليق به.

    مصدر المقال: جريدة الانوار 

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *