الجمعة 25 مايو, 2018

    المرأة الدال والرجل الموازي

    10
    views

    حول هيام القط الأسود بالقطة البيضاء

    قراءة في مجموعة (المرأة الدال والرجل الموازي) للشاعر محمد الدسوقي

    بفلم د/ أمجد ريان

    dasokiمقدمة .

    تبنى المثقفون والأدباء “الحداثة” في مرحلة السبعينيات ، والحداثة بشكل عام تنبذ الأحادية ، وتسعى للتعدد ، لذلك طرحوا معنى التعدد فى السياسة وفى الفلسفة ، وفي العلم ، وفي كافة الظواهر التي يعيشها البشر . وكانت السياسة قد تعددت بتعدد الأحزاب ، وعرفت الفلسفة تعدد التأويل ، وشهدنا تعدد النظريات العلمية التي تفسر الظاهرة الواحدة . وبدأت الثقافة تتعدد في إطار هذه الرؤيا الحداثية ، فصارت – من ناحية – تخلق نوعاً من الحوار مع التراث العربى والإسلامي ، من خلال أجواء الشعر العربى القديم والتراث الإسلامي ، وكذلك التراث المسيحي ، وكذلك اهتمت بالتراث الإنساني القديم كله . ومن – ناحية أخرى – كان هناك حوار مع الغرب فى الوقت نفسه ، واستفادات من فكر “ماركس” و”بيكاسو” ـ “سان جون بيرس” ، وغيرهم .

    واستخدم الشعراء في هذا التوقيت كل ما يمكن أن بخلق التعدد ، ليواجهوا الأحادية التاريخية ، فاستخدموا المجاز اللغوي والاستعارة ، واهتم نقادهم بقضية “القناع” الشعري ، و”المرآوية” ، واستفادوا من الشعر الصوفي .

    واصبح هناك بشكل عام حوار بين التراثى والعصرى ، ويمكن للشاعر على سبيل المثال أن يجعل شخصية تراثية كالـ”متنبي” تقترن ببعض المعطيات العصرية : فيقود سيارة ، أو يجلس على المقهى ويزور المتحف وهكذا .

    وشاعرنا “محمد الدسوقي” بسبب انتمائه إلى الحداثة ، سنكتشف حين نقرأ قصائده انتعاش المجاز اللغوي والاستعارة في تجربته ، ويمكن أن يتداخل فى كتابته المادىّ والمعنوىّ ، أو الحسي والتصوري . الخ . والمعنى الواحد عنده ، متعدد الدلالة ، ليس لدى عدد من القراء فحسب ، بل لدى القارئ الواحد إذا قرأ القصيدة عدة مرات في أزمنة مختلفة .

    ***

    يبدأ الديوان بإهداء رقيق إلى من يتجاهلون خصوصية الشاعر ، وهو معنى يفيض بالوداعة والسلام والمحبة ، بخاصة أن الشاعر في غاية البراءة ، ودائماً هو مهيأ للغناء ، يحلم بالمرأة القصيدة ، ثم يقدم المفتتح الذي يفيض بالتساؤل في عالم محبط ، تيبس فيه الضوء بفعل الظلام . (لا شيء أصدق / من سؤال حائر/ يتهدج) . وهذا التساؤل الذي ورد في المفتتح يجسد قضية في غاية الأهمية في حياتنا الثقافية والإبداعية المعاصرة ، لأن التساؤل وليس الإجابة دليل على وجودنا في هذا الكون ، ودليل على حيويتنا ويقظة عقولنا ، ودليل على الطموح الذي بلا نهاية .

    إهداء:

    إلى أولئك الذين لا يشعرون

    بأنني صرت مهيئًا للغناء

    أنا الرجل الطفل

    أتطلع عبر النافذة

    لعلي أحظى بالمرأة القصيدة.

    تلي المفتتح سبع قصائد مرقمة ، ثم تأتي بقية قصائد الديوان ومقاطعه غير معنونة أو مرقمة ، لأجل الحصول على مزيد من الحرية ، حيث أن العنونة تكثر من قيود الكتابة في بعض الأحيان . والشاعر يبحث دائماً عن أقصى درجات الحرية ، ويبتكر الأساليب التي تمكنه من الحصول على مزيد من الحرية .

    وتطرح القصيدة الثانية حالة غرام متبادلة بين الرجل والمرأة ، وتبدأ بعبارة : ( كل رجل – غالباً – يستحث الوقت) وكلمة “غالباً” تزيد من قوة وجمال التعبير لأنها تجعل المعنى يهرب من شبهة التعميم والإطلاق ، والرجل هنا في حالة حنين لحبيبته ، وتشبه القصيدة الرجل بالقط الأسود والمرأة بالقطة البيضاء ، إمعاناً في تأكيد كثافة الذكورة ورقة الأنوثة ورشاقتها :

    – كلُّ رجلٍ – غالبًا

    يستحثُّ الوقت في اضطرابٍ ظاهر

    وتأففٍ مكتوم

    مثل قط بسوادهِ المكثف

    يرتعشُ حنينًا إلى قطتهِ البيضاء .

    ويلتقي المحبان في لعبة مبهمة الدلالة ، هي لعبة الحياة نفسها ، والحياة بالفعل كثيراً ما تعطينا إيحاء بالإبهام . وعلى المحبين أن يتعلما كيف يشغلان القوى الكامنة في داخلهما لصنع العلاقة الناجحة . وعندما تطرح القصيدة مشاعر المرأة ينجح الشاعر في أن يبين – بأسلوب متفرد – أنها تستدعي ذكرياتها في صور وكنايات ، وأن دمعها لفرط تكراره يشبه القافية العمياء ، إنه يصور الفكرة من خلال معطيات شعرية ، وذلك إنما يمثل إبداعاً جميلاً مبتكراً . ورغم حزن المرأة وجراحها ، لم تعد قادرة على تفجير الشعور بالألم ، ورغم تمنعها ، تحس في النهاية أن حبيبها هو خلاصها المفعم بالرمز والدلالات ، ولاتستطيع سوى أن تحتضنه بعمق وحنان :

    كقطيطة مرحة نَوْنَوَتْ

    وفي آخر شطرة

    غابت عن الوعي

    واحتضنته

    فيما يشبه

    عشق الكلمات للكلمات!.

    وفي القصيدة الثالثة يقدم الشاعر وصفاً جديداً في بابه ، عندما يشبه المرأة الحبيبة بأنها قصيدة تحتاج إلى قراءة جديدة في كل صباح ، وهو تشبيه مهم لأن الإنسان في واقع الأمر ليس كائناً استاتيكياً جامداً بل هو كائن حي متجدد يتغير في كل لحظة ، والإنسان يعرف اليوم جيداً أن التغير قانون الحياة ومنطق وجودنا وعدم مجاراة هذاى التغير المطرد يعنى الموت أو البقاء على هامش الحياة . وهناك معنى آخر يفيض بالحس التقدمي المستنير ، وهو أن الشاعر بريد أن يتحول من “شهريار” إلى “سقراط” ، أي يتحول من العنجهية الذكورية المستبدة إلى فيلسوف حكيم يدافع عن المرأة التي صارت ضميراً غائباً . و”سقراط” بالذات – كما هو معروف – هو أبو الفلسفة ، وهو أساس كل فلسفة حتى عصرنا الحالي ، وهو الذي ظل يدافع عن أفكاره حتى مات من أجلها ظلماً . وهي الأفكار التي تدعو إلى طرح الأسئلة ، ليس من أجل الحصول على إجاباتٍ ، ولكن لكي يشغل الإنسان عقله ويحركه ، بدلاً من حالة الخمود التي تقتل ملكاته الإنسانية . وشاعرنا “الدسوقي” يسير في ركاب “سقراط” ، فهو يقول في مفتتح الديوان (لاشيء أصدق / من سؤال حائر يتهدج / في هذا الضوء الذي أيبسه الظلام ) :

    كلُّ امرأةٍ قصيدةُ حرة

    تحتاجُ إلى قراءة ثانية

    كل صباح

    وكل ليل يستيقظ “شهريار”

    قي ظلمات الإيهام

    مستدعيًا “سقراط”

    عاريًا من كل شيء

    يبحث عن راوٍ لضمير الغائبة.

    وتطرح القصيدة الرابعة قضية تطور الفكر البشري ، من الأحادية إلى الثنائية إلى التعدد ، فـ”آدم” البدائي عندما خلق كان الرجل الوحيد على الأرض ، ثم تبدأ الثنائيات في التواجد والتوالد ، لأن هناك “أفق” يكتشفه “آدم” ويستجليه ، لتصبح هناك ثنائية “آدم” و”الأفق” ، وهناك ثنائية “الصوت والصدى” ، وثنائية “كل ما خفي وكل ما بدا”، ثم تنتثر شجرة المعنى في أعضائه لتتعدد فروعها لتتشعب ، وتملأ الوجود كله ليخلق أحد معاني الخلود .

    آدم الوحيد

    الذي استطاع أن

    يستجلي الأفق

    ذلك البدائي

    حين انتثرت الشجرة في أعضائه

    انفسح المدى

    فأصبح الصوت والصدى

    وكل ما خفي، وكل ما بدا

    صنوان هما.. تذاوبا

    في نكهة فوضى الخلود.

    والمقطع الخامس يرى أن الشعر يتجمد ويتحول إلى جلمود حجري إذا فقد حيوية اللغة ، والعلاقات الجمالية ، وإذا فقد التفاعل مع الطبيعة ، ومع مافيها من رياح تدور ، وأنهار تجري ، وحدائق تترعرع ، وأغنيات ونجوم تبرق ، وعشب يحكي قصص العاشقين الذين مشوا فوقه سعياً للحب والتواصل . والمقطع السادس يفيض بالروح الغنائية ، وهي التي تمجد همسة الشفاه وتؤكد واقعيتها ، فهي ليست محض معالجة أدبية تنتمي لمدرسة الواقعية السحرية أو غيرها ، بل هي فعل واقعي فعلي يفيض بروح الحياة . والمدى يمتلئ بمعطيات يعيشها البشر في كل يوم ، معطيات هي نور الوجود ، وضوؤه الوهاج ، هي الحكايات والتذكارات القديمة ، والأشجار ، والرياح ، والأمواج ، والورود التي ذبلت ، بعد أن شاركت في قصص لقاء المحبين وافتراقهم . ثم يقدم الشاعر في المقطع السابع لوحة لأصل الحياة حيث آدم وحواء يبدآن طقس الحب الذي يستمر حتى اليوم ، ويقدم الطبيعة الساحرة حولهما ، حيث السماوات والأراضين بأشجارها وأحجارها وبحارها ، ومن فوقها النجوم والكواكب ، وفي المقطع التالي يعطينا رمزاً لحيوية الحياة من خلال حركة الامواج . وينتهي النص بالمزيد من تقديم ملامح الحياة من خلال التضاد : بين من يمشي مكباً على وجهه (وفي هذا التعبير استفادة مباشرة من لغة القرآن الكريم) ، ومن يوقد القناديل ويهدي الوجود من خلال شعلة الضوء ، وكذلك التضاد بين من يسقط ، ولكنه يتمكن من أن يستعيد نفسه بل ويغني للحياة ، وهكذا يقدم هذا المقظع لوحة رائعة عن الوجود الإنساني منذ بداياته المبكرة .

    ويقدم باقي الديوان صوراً متباينة لمعاناة الشاعر الشخصانية ، وهي جزء من معاناة البشر بشكل عام ، حيث يجابه الإنسان المعاصر مشكلات عويصة لاقبل له بها ، سواء المشكلات السطحية اليومية العابرة ، أو المشكلات العميقة المتوغلة التي تتصل بمعنى وجوده في الحياة ، كل قضايا لإنسان اليوم صارت مؤرقة تحتاج بشكل ملح إلى التفكير ، وتوسيع مدارك العقل ، من خلال الثقافة الواسعة القادرة على استيعاب ما يدور حولنا . ويطرح الديوان أشكالاً مختلفة من إحباطات الإنسان ، فمرة يحس بالوهم ، والإيقاع الجريح ، ومرة يحس بالوحدة الشديدة ، ويحلم بالتواصل مع الآخرين ، وهكذا :

    منذ امتطيتُ قصيدتي

    سقط الوهمُ على جسدِ اللغة

    ولم يبق من معانيها

    غير الإيقاع الجريح .

    وفي مقطع آخر :

    رغم أن السماءَ مأهولةٌ بالنجوم

    والحدائقَ تسرحُ فيها الموسيقا

    والقلب قريبٌ جدًا من ضفة النهر

    أشعرُ بالوحدة

    وأتوقُ إلى ضجيج مضيء

    وعلى الوجه الآخر ، يطرح الجانب المتفائل ، من خلال هذا النبع الجمالي

    للقصائد :

    في الصباح

    الوردة تلاطفُ الضوء

    تبدو ساكنةَ الأحاسيس مع شفوف الندى

    آه لو تُمنح تلك الوداعة في المساء

    لقصيدةٍ جديدة.

    وفي الجانب المتفائل أيضاً يقدم الشاعر هذا المقطع عن الحب البرىء الذي يصنع الحياة كلها ، حب (الولد والبنت / حين داعبهما الضوء / غرقا معًا في اللغو واللهو / والعدوِ / وكان الحلم قمرًا أخضر) ، ومن التفاؤل أيضاً البحث عن الخلاص :

    وامض في طريقك إلى البحر

    فلربما تذوبُ في موجةٍ جامحة

    تعودُ بك إلى الشاطئ مرةً أخرى.

    وللشاعر مقاطع عديدة خصصها لتمجيد المراة في حياته ، وفي حياتنا بشكل عام ، والمرأة لديه هي الدال الكبير على معنى الحياة ، كما جاء في عنوان الديوان ، والرجل يوازيها ، يقدم لها العطاء وهي تظلله بروحها ، وبشمولها ، وبأنوثتها ، هي المرأة الملهمة ، أو “المرأة التي تتدفق في قصيدته” كما قال . وهو لم ينس أول قبلة “باغتته بها المرأة الجميلة” وهو يرتجف إجلالاً ورهبة للموقف الذي لم يكن قد اعتاد عليه . وفي مقطع أخر يستفيد فيه من حس السرد ، يحكي قصة فراقه مع حبيبة اختبأت في قلبه ، ومكثت فيه بذرة باقية ، وهو لايزال يبحث عنها بين الجدران التي “ابتلعت ظلالها” . وكذلك يطرح حواراً في أحد المقاطع بين الحبيبين ، وإذا كان الحوار عادة يكون بين طرفين ، فإن صوت الحبيبة هنا ظاهر ، وصوته هو متضمَّن في المعنى العام للمقطع الذي ينتهي بدعوة الحبيبة للتوحد به :

    قالت:

    كأن شيئًا لم يكن

    فاختنقت الكلمات في حلقي

    قالت:

    أنا لم أعد أنا

    فانكمشت وتبعثرت أوراقُ دمي

    قالت:

    آن أن أتوحَّد بك

    فلم أستطع أن ألملم رماد الذاكرة .

    وكذلك هناك سطور أخرى تستعير الحس السردي ، يبحث فيها عن امرأة كانت تحبه ، وتناديه لكي يأخذ بيدها ، وينقذها “من هذا الصمت المرتعش / والطريق المظلمة” ، متأسية لأن المشجبُ صار بلا قميص ، أى صارت وحيدة ومتألمة ، ومتقلبة في “جمر المرايا ، بين ذكرياته ، وهداياه ، وذكرى حنانه الإنساني الذي لا يعوض . وفي مرة أخرى يجعل الشاعر المرأة رمزاً للحياة ، ويجعلها متوحدة بالماء الذي يشكل المعنى الأساسي للوجود ، ويعطينا صورة للمرأة التي تكشف عن ساقيها ليتضح تأثره بأسلوب القرآن الكريم ، واستفادته المباشرة منه في سورة النمل ، يقول تعالى) : قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها) .

    المرأةُ التي لم يشبعها المطر

    هبطت

    حتى مجرى النهر

    ثم كشفت عن ساقيها

    دونَ أن ترتجف .

    وفي مقطعين يبدآن بسطرين متضادين : “أغلقتُ الأبوابَ كلها” ، و”فتحت الأبوابَ كلها” ، ينطلق الشاعر ، كما لوكان يطير بجناحين لآخر مدى ، يبحث عن الغناء والجمال ، والإنسان لايرقى بأحاسيسه إلا عندما يبحث عن الجمال ، ويحصل عليه ويتعايش معه لأن الإنسان بشكل عام مفطور على الجمال وهو يمثل حاجة قوية لحياته ولعقله ، والشاعر هنا يبحث عن نجمة حيرى ، وعن قمر منير. هو دائم البحث عن الجمال حوله ، في الطبيعة ، وفي الأفق ، وفي “النجوم التي يراها طيوراً مضيئة” ، وفيى حين آخر “يباغته النورُ، يذوب فيه” .

    ومثل كل شعراء الحداثة ، يطرح قضية الحنين إلى الماضي ، ليس هروباً من الحاضر القاسي ولكن ليجري هذه المقارنة الحية بين ما كان في الماضي وما يكون في الحاضر ، تلمساً لحلول المشكلات والعوائق في حياتنا .

    فأتذكرني طفلاً

    ألهو بطائرتي الورقية

    وهي تصّاعد إلى الفضاء

    أشدها وتشدني

    حتى تغني الملائكة .

    مقالات ذات صله

    1 تعليقات

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *