الأربعاء 25 أبريل, 2018

    زمـــن الفِطَحْـــل

    6
    views

    زمـــن الفِطَحْـــل

    زكريا محمد

    حدثنا رؤبة بن العجاج في إحدى أرجوزاته عن زمن غريب غامض يدعى «زمن الفِطَحْل». ولم يرد ذكر لهذا الزمن في الشعر إلا عند رؤبة: «قال ابن الأعرابي: لم يسمع بزمن الفطحل إلّا في شعر رؤبة هذا» (الميمني، سمط اللآلئ). لكن هناك دلائل على أن رؤبة كان ينقل تقليداً معروفاً حول هذا الزمن، وأن هذا التقليد يعود إلى أعماق العصر الجاهلي. وتقول القصة أن رؤبة أَراد أَن يتزوَّج امرأَة من بني عكل، فسألته: ما سِنُّك؟ ما مالُك؟ وما كذا؟ فأنشأ الأرجوزة التي يذكر فيها زمن الفطحل:

    p32_20171223_pic1لما ازدرت نقدي وقلت إِبـلي

    تأَلفـت، واتصـلت بعـكل

    تسأَلني عن السنين كـم لـي؟

    فقلت: لو عُمّرت عمر الحسل

    أَو عمر نوح زمـن الفِطَـحْل

    والصخر مبتـل كطين الوحل

    أو أَنني أوتيـت علـم الحُكْل

    علـم سليمـان كـلام النـمل

    كنـت رهين هـرم أَو قَـتل.

    وحين سئل رؤبة عن زمن الفطَحْل هذا، قال: «أَيام كانت الحجارة فيه رِطابا، وإذ كل شيء ينطق» (الثعالبي، ثمار القلوب). لكن الجاحظ يضيف سمة أخرى من سمات هذا الزمن. إذ «الأشجار والنخل لم يكن عليها شوك» (الجاحظ، الحيوان). أما أبو العلاء فيخبرنا أن هذا الزمن حل بعد الطوفان، وأنه كان زمن وفرة: «الأنيس عندهم أن زمن الفطحل زمان كان بعد الطوفان، عظم فيه الخصب، وحسنت أحوال أهله» (أبو العلاء، الصاهل والشاحج). ولأنه كذلك، فقد صار رمزاً للخصب: «قال أَبو حنيفة: يقال أَتيتك عام الفِطَحْل والهِدَمْلة يعني زمَن الخِصْب والرِّيفِ» (لسان العرب).

    ويربط القاموس المحيط هذا الزمن بزمن نوح، في تناغم مع أرجوزة رؤبة: «الفِطَحْل… زمن نوحٍ عليه السلام» (الفيروزآبادي، القاموس المحيط). من كل هذا، فإنه يتبدى أنّ زمن الفطحل زمن ميثولوجي بدئي، وأنه زمن للانسجام والتوافق الكوني، وزمن للسلام المطلق، والخصب والوفرة: وهذا الزمن الميثولوجي الديني منسوب للفطحل. فما هو الفطحل هذا؟ أو من هو هذا الفطحل في الحقيقة؟ هذا ما لا يخبرنا أحد به. أما نحن، فنعتقد أن الاسم (فطحل) اسم مركب: (فطح + إيل) أي الإله فطح. وماذا يمكن للإله فطح هذا أن يكون يكون سوى الإله «فتاح، الإله بتاح» المصري القديم الشهير؟ لقد تحولت التاء إلى طاء عربية غليظة فقط، رغم أننا لا نعرف بالدقة كيف كانت تنطق كلمة «بتاح، فتاح» في المصرية القديمة. عليه، فزمن الفحطل هو زمن الإله فتاح، أو الزمن الذي بدأه الإله فتاح. إنه زمن البداية الحقيقية للكون. بالتالي فكلمة «فطح» تساوي كلمة «فتح» العربية، والسامية، التي تعني البدء والافتتاح. وحسب نصوص «ديانة ممفيس» المصرية، التي نقشت على «حجر شاباكا»، فقد كان هناك بالفعل زمن للسلام التام وجد تحت رعاية الإله فتاح. وقد جرت في هذا الزمن التأسيسي المصالحة الكونية بين الإلهين المتعاكسين المتعاديين حورس وسيث، حيث حل التوازن والتواؤم والسلام بينهما. وقد حدث ذلك أمام بيت الإله فتاح ذاته، هذا البيت الذي يدعى بميزان الأرضين:

    «لقد حدث أن القصب [= حورس] والبردي [= سيث] وضعا على البوابة العظيمة المزدوجة لبيت الإله فتاح. وقد عنى هذا أن حورس وسيث، الذين تصالحا واتحدا، بحيث توافقا وانتهى خلافهما في المكان الذي بلغاه، وقد اتحدا في بيت بتاح، «ميزان الأرضين» الذي توزن فيه مصر العليا والسفلى».

    Caroline Seawright, Ptah God of crafts men, Rebirth and Creation, from: http://www.touregypt.net

    وهكذا، فقد اتحد حورس وسيث في بيت الإله فتاح، أو بتاح، الذي هو ميزان الأرضين، أي ميزان الشمال والجنوب، شمال السماء وجنوبها، وشمال الأرض وجنوبها أيضاً. قدام هذا البيت عرض القصب والبردي، أي عرض رمزا حورس وسيث المتعاديين، ثم حصلت المصالحة الكبرى بين هذين الإلهين وما يمثلانه، فحل زمن للسلام والتوازن والعدالة والخصب والوفرة. ويبدو أن هذا الزمن حدث عقب الطوفان الكبير، مثلما تقول بعض المصادر العربية. بذا يمكن القول أن فتاح، المهندس الأكبر، عمل على إيجاد توازن يمنع حدوث الطوفان مرة أخرى. أي عمل على إرساء زمان جديد غير مهدد بالطوفان.

    الحجر الموجود داخل مقام إبراهيم عند الكعبة، هو حجر من ذلك الزمن الذي كانت الحجارة فيه رطبة

    والإله فتاح هو، حسب نص مصري، هو: «سيد الحرف، حامي الحجارين، والنحاتين، والحدادين، والمهندسين المعماريين، وباني السفن».

    ولأن زمن الفطحل، زمن الإله فتاح، هو زمن ما بعد الطوفان، فإن رؤبة يربط بينه وبين نوح وزمنه: «أَو عمر نوح زمـن الفِطَـحْل». يضيف اللسان شارحاً: «وزمن الفطحل هو زمن نوح النبي» (لسان العرب). لقد كان نوح موجوداً إذن زمن الفطحل، أي زمن الطوفان البدئي الأكبر. إذ أنه نجا منه بالسفينة. وكما نرى فالاثنان، نوح والإله فتاح، على علاقة بالسفن. فنوح هو الذي بنى السفينة، وأنقذ بذرة الكائنات من الهلاك. كما أن فتاح مهندس وبان للسفن.

    بناء عليه، فنوح هو عملياً الإله فتاح باسم آخر. أي أنه هو «الفطحل» أيضاً.

    ولأن زمن الفطحل هو زمن ما بعد الطوفان العظيم الأول، الذي تأسس كون جديد عقبه، فليس غريباً أن تكون الحجارة فيه رطبة كما أخبرنا رؤبة. فزمن ما بعد الطوفان تخلّق من تحت ماء الطوفان، أو تخلّق من هذا الماء، الذي جعل الحجارة رطبة مثل «طينِ الوحلِ»، كما قال رؤبة.

    ورغم أن أحداً لم يتحدث في الشعر مباشرة عن زمن الفطحل قبل رؤبة، فإن هناك ما يدل على أن هذا الزمن كان معروفاً. إذ تُروى أبيات لأمية بن الصلت يبدو أنها تتحدث عن هذا الزمن بالذات، حتى ولو لم تذكره بالاسم:

    وإذ هم لا لبوس لهم عـراة

    وإذ صم السِّلام لهم رطاب

    بآية قام ينطق كـل شـيء

    وخان أمانة الديك الغـراب

    والسِّلام في البيت هي الحجارة. وهكذا، فقد كانت هذه الحجارة رطبة (رطابا) في الزمن الذي تحدث عنه أمية. كما أن الناس في هذا الزمن الأول كانوا عراة بلا ملبس، كما لو أنهم آدم وحواء يوم سقطا من الجنة. كذلك، فإن الكائنات كلها كانت قادرة على النطق. وهذه سمات زمن الفطحل. فوق ذلك، يبدو أن الغراب الذي خان أمانة الديك، هو ذاته الغراب الذي أطلقه نوح من سفينته كي يتأكد إن كان الطوفان قد انتهى.

    أكثر من ذلك، يبدو أن الحجر الموجود داخل مقام إبراهيم عند الكعبة، والذي يحمل أثر خبطتي قدمي النبي إبراهيم، هو حجر من ذلك الزمن الذي كانت الحجارة فيه رطبة (مثل طين الوحل). إذ ما إن خبط إبراهيم بقدميه على ذلك الحجر الطري حتى طبعتا أثرهما فيه. وفي هذا يقول أبو طالب، عم النبي: وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة

    على قدميه حافيا غـير نـاعـل

    إنه الزمن الأول، الزمن البدئي، حيث لم يكن هناك من أحذية بعد، وحيث الحجارة رطبة.

    ويجب أن نتذكر أن المكان الأول في ما بعد الطوفان في الديانة المصرية، هو تلة طينية أولى ترتفع من الماء كي تكون مقراً للإلهة. ولا بد أنّ هذه التلة هي ذاتها التي وقفت عليها حمامة نوح بعدما بدأت مياه الطوفان في الانحسار. وحسب الأسطورة، فقد جاءت الحمامة برجلين ملطختين بالطين بعدما وقفت على هذه التلة. هذه التلة الأولى مرتبطة بالأهرام. إنها هرم بشكل ما، أو أنها الهرم الأول في الحقيقة.

    ويحدثنا هيرودتس عن فرعون يدعى أسيخس بنى هرماً على شاكلة هذه التلة: «ولما شاء أسيخس أن يتميز عن أسلافه على العرش، كان خياره أن يشيد هرماً من القرميد تخليداً لذكرى عهده. فلما تم النصب، وضع لوحة من الحجر وعليها العبارات التالية: «لا تقلل من شأني بمقارنتي بالأهرامات المشادة بالحجر. فلقد نصبوا عموداً في بحيرة، فلما تجمع حوله الطين جعلوا منه القرميد. وهكذا شيدوني. فأنا فوق هذه الأهرامات مثلما يفوق رع جميع الآلهة» (تاريخ هيرودت، ترجمة عبد الإله الملاح، منشورات المجمع الثقافي، أبو ظبي، 2001، ص 195).

    يبدو لنا أن هذا محاولة لوصف هرم يشابه التلة الأولى التي برزت بعد انحسار مياه الطوفان. فهرم أسخيس بني بـ «طين الوحل» المجتمع في الماء ومن الماء، أي أنه نشأ كما نشأت التلة الأولى. بذا فلا يستطيع أحد أن يستخف بهذا الهرم الطيني. فهو فوق الأهرام جميعاً. لأن كل هرم بني على مثاله. إنه الهرم الأول.

    * شاعر فلسطيني

    المصدر: جريدة الأخبار اللبنانية (ملحق كلمات) العدد ٣٣٥٦ السبت ٢٣ كانون الأول ٢٠١٧

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *