الإثنين 22 يناير, 2018

    مهرجان الصادقين الشعري الرابع

    3
    views

    مهرجان الصادقين الشعري الرابع:

    الناس صنفان، إما أخٌ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق

    78e2b877-ef17-4da4-b89a-b08fe4143b53أحيت مساء أمس الثلاثاء 5/12/2017، “جمعية آل البيت(ع) الخيرية”، مهرجانها الشعري الرابع على التوالي، بمناسبة ولادة الصادقين رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والإمام جعفر الصادق عليه السلام، تحت شعار : “الناس صنفان، إما أخٌ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق”، وسط حشد جماهيري تقدمه ممثلو المرحعيات السياسية والدينية، وكوكبة من رجال الدين وشخصيات ثقافية واجتماعية، وتغطية إعلامية عربية ومحلية.  وقد اشار ممثل المرجع الأعلى السيد السيستاني، رئيس “جمعية آل البيت(ع) الخيرية” الأستاذ حامد الخفاف في كلمته لافتتاح المهرجان بأن شعار المهرجان استل مما عُرف “بعهد الأشتر” وهو العهد الذي أوصى به الإمام علي عليه السلام مالك الأشتر حين عينه والياً على مِصر. وشرح في كلته أهمية هذا الشعار وما يرمز إليه من مضامين تشمل رؤية الإمام إلى الإنسان بما هو إنسان بصرف النظر عن معتقده حين يكون الحاكم مسؤولاً عن كل رعيته بمختلف توجهاتها ومعتقداتها، لأن العدالة تؤمن سلامة المجتمع. وقدم شواهد وشهادات عدة قيلت وقيّمت أهمية هذا العهد الذي يصلح لأن يكون دستوراً للحكم في كل زمان وفي كل مكان.

    افتتح المهرجان بآي من الذكر الحكيم ، تلاه النشيد الوطني اللبناني.

    وقد شارك في هذا المهرجان كوكبة من الشعراء العرب واللبنانيين الذين قدمهم الآستاذ الشاعر حسين حمادة، فقدم أولا الشيخ حسن المصري من لبنان، تلاه الشاعر أحمد بخيت من مصر، ثم الشاعر حازم التميمي من العراق، والدكتور المتوكل طه من فلسطين، ومن الجزائر الأستاذ الشاعر إبراهيم صديقي، ثم الشاعر الدكتور إيهاب حمادة من لبنان.

    في ما يلي كلمة الأستاذ حامد الخفاف التي افتتح بها المهرجان:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    والحمدالله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

                أيها الحضور الكريم،

                السلام عليكم ـ جميعاً ـ ورحمة الله وبركاته،

                ابتداءً اتقدم إليكم بأسمى آيات التهنئة والتبريك بمناسبة ذكرى ولادة الصادِقَين عليهما السلام: رسول الانسانية والإخاء والمحبة محمد بن عبدالله (ص)، وصادق أهل البيت (ع) الإمام جعفر بن محمد عليه السلام.

                كما أرحب بكل الحضور الكريم فرداً فرداً، وأخص بالذكر الشعراء الأفاضل، الذين لبوا دعوتنا للمشاركة في هذا المهرجان المبارك، خصوصاً الذين شرفونا من خارج لبنان.

                فأهلاً وسهلاً بكم جميعاً، في مجمع الإمام الصادق (ع) الثقافي.

                أيها الحضور الكريم،

                لم تكن الصورة السيئة التي كرّسها أداء المتطرفين عن الاسلام خصوصاً في العقدين الأخيرين إلا انعكاساً لقراءات مغلوطة لحقيقة الدين وصفائه، أدت إلى تشويه صورته، وتحريف معالمه. وفي هذا الإطار تقيم جمعية آل البيت (ع) الخيرية مهرجان الصادقين (ع) الشعري الرابع، تحت عنوان: الناس صنفان إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق. في محاولة منها لتظهير مكامن النور في دينٍ أراده الله دين إخاء ومحبة وإنسانية، وأراده المنحرفون دين فرقة وبغضاء وكراهية.

                أيها الحفل الكريم:

                إن موضوعة المهرجان لهذا العام، هي فقرة مستلة من عهد الامام علي بن ابي طالب (ع) لمالكٍ الأشتر لما ولاه مصر. والموجود نصه كاملاً في كتاب نهج البلاغة. وقد قال عنه جامع النهج الشريف الرضي، إنه: “اطول عهدٍ، وأجمع كتبه للمحاسن”. ولا نجانب الموضوعية إن قلنا: إن هذا العهد هو من أهم النصوص التراثية في الفكر السياسي الاسلامي ـ  إن لم يكن أهمها على الاطلاق ـ لما احتواه من رؤية دقيقة لشكل العلاقة بين الحاكم والرعية، ومفاهيم راقية، أصبحت بعد قرون من ضرورات إدارة المؤسسات والدول، مثل الرقابة المالية، وتكافؤ الفرص، والمحاسبة، والشفافية، وآليات اختيار المسؤولين ومحاربة الفساد، ودور القضاء، إلى غير ذلك.

                إن هذه العبارة العظيمة لأمير البلاغة والبيان تتحدث عن مفهومين اساسيين في الفكر الاسلامي، وهما الاخوة الايمانية، والمساواة الانسانية. وكي لا نطيل عليكم، سوف نحوم ـ باقتضاب ـ حول هذا الجمال الدفاق، لنقتبس منه ما ينير حوالك زماننا وظلمة دروبنا، جمالٌ لم تبصره عيون عميت إلا عن رؤية دماء تسفك، ونساء تسبى، وجوامع تفجّر، وإنسانية تهدر.

                فنشير إلى عدة ملاحظات:

    c89809d9-3378-4f78-b537-2ffcf69e39e9أولا:     لقد كتب الامام علي (ع) عهده إلى مالك الأشتر ـ حوالي سنة 37 هـ ـ حيث كانت مصر حديثة عهد بالاسلام، إذ لم يمر وقت طويل على فتحها، ولا يستبعد أن تكون أكثرية سكانها من الأديان الأخرى. وقد قدر بعض المؤرخين عدد المسيحيين فيها آنذاك حوالي سبعة ملايين انسان. ومن هنا تكون لضابطة: “الاخوة في الدين، والنظير في الخلق” معانٍ سامية، انبثقت من حاجة مجتمعية مصرية آنية تمتد لحدود البشرية جمعاء زماناً ومكاناً.

    ويؤكد هذا المعنى: ما كتبه عليه السلام لواليه السابق على مصر، محمد بن أبي بكر قائلاً له: “وآس _أي ساوِ_ بينهم في اللحظة والنظرة…” وهي دقة متناهية تكرس مبدأ العدالة الاجتماعية.

    ثانياً:     إن الإخوة في الدين التي أشار لها التصنيف العلوي للناس انبثقت من مفاهيم الرسالة السمحاء التي طرحت مفهوم المؤاخاة وكرسته عملياً في مجتمع خرج لتوه من أتون جاهلية مقيتة، ولذا بدت الدعوة إلى الاخاء غريبة عليه. مجتمع يعتز بالعصبية، ولا يرى عزيزهم شأناً لمن هو أدنى منه. وبعد جهد جهيد من رسول الاخاء والمحبة، تمكنت دعوة الإخاء من العقول والنفوس، وغدت واقعاً مباركاً، عبر عنها الباري عز وجل بـ “النعمة”، إذ قال: “وَاذْكُرُواْ نِعْمَة اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً”.

    ويبلغ الإخاء الاسلامي حد الفريضة، فلا يكمل ايمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وقد زخر تراثنا الروائي والأدبي بما يُعلي شأن الاخوة في الله. فقد ورد عنهم عليهم السلام ـ على سبيل المثال لا الحصرـ: “من حب الرجل لدينه حبه لإخوانه” ومن استفاد أخاً في الله فقد استفاد بيتاً في الجنة.   ولله در من قال:

    أخ إن نـأت دار بــه أو تنـازحـت       فما الود منه والاخاء بنــازحِ

    يُبرك إن يَشهد، ويرعاك إن يغبْ      وتأمن منه مضمرات الجوانح

    وقال آخر:

    أخاك أخاك إن من لا أخـا لــــــه      كساعٍ إلى الهيجا بغيـــر سلاحِ

    ثالثاً:     بحدود استقرائي المتواضع لنصوص التراث الاسلامي فإن الإمام علياً (ع) كان رائداً في استخدام عبارة “النظير في الخلق” للتعبير عن القسم الثاني من تصنيفه لبني البشر، وكان مذهلاً في قدرته على تظهير حقيقة نظرة الدين الانسانية لعموم الخلق بشكل مكثف من خلال كلمة واحدة هي “النظير” أي المثيل، أو الشبيه، أو المساوي. كما ورد في معاجم اللغة.

    إن ما طرحه علي (ع) ليس إلا خلاصة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، اختزلها امام البلاغة في ثلاث كلمات: “النظير في الخلق”، ليطرح فكرة سامية، كانت ولا تزال منذ بدأ الخليقة حلماً تسعى لتحقيقه كل النفوس المشرئبة لحياة حرة كريمة، وهي فكرة “المساواة”. السبيل الضروري لتحقيق مبدأ العدالة.

    قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ”، وقال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”، وقال: “وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً”، وقد أعلن _صاحب الذكرى (ص)_ في خطبة الوداع مبدأ المساواة بين الناس فقال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى”.

    وقد التزم علي (ع) مبدأ المساواة بكل صرامة، وكرر من موقع المسؤولية تمسكه به فهنا يقول: “وان تكونوا عندي في الحق سواء”، وهناك يصرح: “واعلموا ان الناس عندنا في الحق اسوة”، وكتب لأحد قياداته العسكرية: “… وليكن أمر الناس عندك سواء”. وكل هذه الألفاظ والمعاني تكرس مبدأ المساواة، الذي لم يعرف كمصطلح إلا في وقت متأخر نسبياً.

    أيها الحفل الكريم:

                إذا كانت غاية الدين القيام بالقسط _كما صرح بذلك القرآن الكريم_ يتبين ان مبدأ المساواة من الاصول الأساسية للدين لتجسيد غاياته المختلفة في المجتمع والحياة. وسيبقى سحر المساواة بكل ابعادها: القانونية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، يبقى أمل الأحرار المنتفضين لصون كرامة الانسان.

                ويصدح أحمد شوقي في همزيته الشهيرة، مادحاً الرسول الأكرم، ومشيراً إلى هذا المعنى:

    أنصفتَ أهلَ الفقرِ من أهل الغنى      فالكل في حق الحياة سواءُ

    فلـو أن انسـانــاً تخيّـر ملـــــــــةً      ما اختار إلا دينك الفقــراء

    الاشتراكيـون انت إمامهــــــــــم      لولا دعاوى القومِ والغُلَوَاءِ

    ولله در الصافي النجفي: أحمد، وهو يحلّق في سماء الدائرة الكبرى للخلق، والانسانية:

    في صلاح الأنــام أبغي صلاحـــــي      أنا كلّ يعيش في أجـــزاءِ

    في انحطاط الورى أحس انحطاطي      وارتقاء الانام فيه ارتقائي

    نقصهم لي يعــــــود، فالناس جنسي      واليهم لدى الكمال انتمائي

                وفي إطار التلازم بين الاخوة في الدين والنظير في الخلق، يمكن الاشارة إلى أن المساواة هي اولى آثار الاخوة، لأن الاخوة لا تكون إلا بين متساويين في الحقوق والواجبات.

    وإضافة إلى مفهوم المساواة، تستبطن عبارة “النظير في الخلق” مفهوم الحرية عموماً، والحرية الدينية خصوصاً، فالناس على اختلاف مللهم ونحلهم أحرار فيما يختارون لأنفسهم من دين، على ضابطة قوله تعالى: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَأمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”.

    رابعاً:   بعد حوالي اثني عشر قرناً من الزمن، وبعد مخاض عسير مرّت به أمم وشعوب اوروبا والعالم، اطلقت الثورة الفرنسية عام 1789 م اعلان حقوق الانسان والمواطن، والذي عرف بالاعلان الفرنسي لحقوق الانسان، الذي يعد من مفاخر الثورة الفرنسية، والذي نصت مادته الاولى على أنه: “يولد الناس ويظلون دائماً أحراراً ومتساوين في الحقوق…” ورفعت شعارها الثلاثي الملهم لاحرار العالم: “حرية، مساواة، إخاء”. وهي نفس المضامين التي طرحتها مقولة “الناس صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق”. يقول الأديب الكبير جورج جرداق عن علي (ع)، وعبارته الأثيرة: “هل عرفتَ إماماً لدين يوصي ولاته بمثل هذا القول في الناس”، ويضيف: “وكأنه بذلك من مفكري هذه العصور لا من أبناء القرن السابع للميلاد”. وكتب في بحثه “بين علي والثورة الفرنسية” أجمل ما ينثه يراع، أو يسطره ذو باع. وأثبت بالنصوص ان أغلب فقرات الاعلان الفرنسي لحقوق الانسان قد وردت مثيلاتها في كلام علي (ع) ونصوصه.

    أيها الحفل الكريم،

                لقد عاشت المساواة والعدالة، طيفاً في احلام الشعراء، وفكراً ملهماً في عقول الفلاسفة، وكانت ولا تزال صرخة المصلحين الكبار لانقاذ شعوبهم من براثن الظلم والجور.

                ومن هنا فقد أكد سماحة السيد السيستاني دام ظله في أكثر من مناسبة على ضرورة الالتزام بمبدأ المساواة والعدالة.

                فأكد في رسالته الجوابية للأمين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي على ضرورة: “الحوار البناء لحل الازمات والخلافات العالقة على أساس القسط والعدل، والمساواة بين جميع ابناء هذا الوطن في الحقوق والواجبات”، وفي رده على سؤال حول شكل النظام المستقبلي في العراق قال: “… والجميع متفقون على ضرورة اتخاذ مبدأ العدالة والمساواة بين ابناء هذا البلد…”. وفي جواب آخر دعا إلى قيام نظام “يعتمد مبدأ التعددية والعدالة والمساواة…”. وفي جواب ثالث أكد على ضرورة التأسيس لنظام جديد يقر مبدأ العدالة والمساواة بين جميع ابناء هذا البلد، في جنب مبدأ التعددية واحترام الرأي الآخر.

    أيها الحضور الكريم:

                إن رسالة مهرجاننا الشعري لهذا العام هو: تبيان مواطن الجمال في فكرٍ سماوي إنساني ينبض بالحياة، في زمن انقلاب المفاهيم، وانحراف الافكار.

                ومن أولى من الشعراء لهذه المهمة، وهم عشاق الجمال ورفاقه.

    وما أجمل الشعر عندما ينحاز للمثل العليا والقيم السامية. ما أجمله عندما ينحاز للإخاء، للحرية، للمساواة، للعدالة، لانسانية الانسان.

                وهذا ما نأمل ان نسمعه ـ بآذان قلوبنا ـ من شعرائنا الكبار…

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *