الأربعاء 11 أكتوبر, 2017

    رواية السجينة قراءة اجتماعية وسياسية

    رواية السجينة

    قراءة اجتماعية وسياسية

    أ.د. دلال عبّاس

    938drdaladabasتشاء الصدفة أن تلتقي الكاتبة الفرنسية ميشيل فيتوسي بـ “مليكة أوفقير” في ربيع العام 1997 في باريس، في إحدى السهرات التي أقيمت بمناسبة عيد النوروز الفارسي، كانت قد قرأت من قبل في الصحف قصة مأساتها ومأساة عائلتها، وكان تعارفٌ بين المرأتين، وكانت صداقة واهتمام من فيتوسي بمصير مليكة الخارج عن المألوف، ورغبة جامحة لدى مليكة لسرد قصتها، لتخفّف من أعباء الماضي الذي يسكنها، روت مليكة قصتها ودوّنتها ميشيل فيتوسي نصاً أدبياً مكتملاً.

    لا يسع قارىء هذا الكتاب أن يبحث في طياته عن عناصر روائية، أو بنية روائية ناقصة أو مكتملة، على الرغم من وصف كاتبته له بأنه “رواية مؤلمة ومخيفة وفضائحية بل ومثيرة” (السجينة/18).

    إنّ هذا الكتاب هو سيرة حياة الراوية “مليكة أوفقير”، التي تحضر بصوتها مباشرة لتروي قصة مأساتها ومأساة عائلتها، معلنة ً رؤاها وهواجسها وانفعالاتِها بشكل مباشر، من دون أدنى مواربة لتخفف من أعباء الماضي المؤلم الذي يسكنها في خطاب سرديّ ٍ، لا تتداوله سوى صيغة واحدة من الكلام آحادية الاتجاه. إنها تفاصيل حياة مليكة ومعاناتها طيلة أربعين عاماً من حياتها التي عاشتها رهينة المحبسين: القصور الملكية المغربية، ومعسكرات الاعتقال. هذه التفاصيل التي تستغرق معظم الرواية، هي التي تقود المتلقي إلى قراءة اجتماعية وسياسية للنص، فيرى إليه وثيقة ً “ودليلَ إدانة” على الرغم من أن الكاتبة “ميشيل فيتوسي” تحاول أن تنفي ذلك (السجينة/9) إنها السيرة كما أرادتها صاحبتُها، وما أرادت أن ترويه، وأما ما سكتت عنه الراوية فلم تُضِفهُ الروائية.

    تروي مليكة قصتها منذ طفولتها الأولى وكيف انتُزعت من أحضان أبويها وهي في الخامسة حين قرر الملك المغربي محمد الخامس أن يتبناها، لتكون رفيقة ابنته الأثيرة أمينة (للا مينا)، ففقدت الطفلة دفء الأبوين وحنانهما، وما لبثت أن خسرت وهي في الثامنة، عطف الملك الذي كان عادلاً وطيّباً معها، وقد تأثرت كثيراً بوفاته المفاجئة في أثناء عملية جراحية وهو في الثانية والخمسين من عمره، ولم تتجرّأ العائلة على المطالبة بابنتها، حين تولى الحسن الثاني العرش، والطفلة ُ كانت أصغرَ من أن تطالبَ بذلك… ولقد قام الحسن الثاني بدور الأب لأخته الصغيرة غير الشقيقة ولمليكة، ولكنّ المعاملة تختلف لاختلاف طبيعة الرجلين، ولمستوى العلاقة الحقيقيّة بالطفلتين.

    حين تبلغ مليكة السابعة عشرة تصر على العودة إلى أبويها مخلفة ً وراءها حياة القصور، دون أن تلتفت إلى الوراء، فيوافق الملك “ويحفظها لها”. فتعيش مليكة بين أهلها سنتين ونيف عيشة الفتاة الأرستقراطية المدلّلة، التي تريد أن تعبّ من الحرّية ما افتقدته داخل جدران القصور… ولكن الجنرال أوفقير والدها، وقد كان الرجل الثاني في النظام المغربي يحاول في العام 1972 أن يغتال الملك فتفشل محاولته ويُعدم، ويقرّر الملك إنزال أقصى العقوبة بعائلة الجنرال المتمرّد، فتوضع الأم وأبناؤها الستة بمن فيهم مليكة وطفل لما يبلغ الثالثة من عمره في السجون الصحراوية؛ وقد ذاقت العائلة أقسى ألوان العذاب في معسكرات الاحتجاز والسجون والمطامير؛ خمسة عشر عاماً من المعاناة والعذاب، والعائلة تدفع ثمن جريمة لم ترتكبها (ص 237).

    لقد أصاب هذه العائلة الأرستقراطية المقرّبة من الملك ما ينطبق عليه القول المأثور: “مصاحب الملك كراكب الأسد، يظنّ أنه فرسُه فإذا هو فريسته”.

    لا بد لقارىء السيرة من أن يتعاطف إنسانياً مع المصير الاستثنائي الذي عاشته تلك المرأة، وما كابدته وعائلتها طيلة مرحلة السجن وما تلاها، وذلك التوق إلى الحرية الذي دفعها لأن تحفر طريق نجاتها باليدين والأظافر.

    إن معاناة مليكة وأهلها في السجن ومحاولات الهرب المتكررة، تشبه معاناة عشرات بل مئات العائلات التي ارتُكِبت وتُرتَكب بحقها المجازر والاعتقالات والاعدامات في هذه المنطقة من العالم، حيث تسيطر الدكتاتوريات بأبشع صورها، وكم من المعتقلين المعروفين أو المجهولي الأسماء الذين دخلوا سجون الحكام وسجون أو فقير نفسه أو سجون أصدقائه الإسرائيليين ولم يخرجوا أحياء، أو الذين حاولوا الهرب والنجاة فأعيدوا إلى السجون، وتضاعفت وتيرة تعذيبهم النفسي والجسدي. إن عائلات عديدة في المغرب عانت ما عانته عائلة أوفقير، ولكن هذه العائلة بسبب مكانتها وبسبب معارفها وجدت من يتعاطف معها خارج المغرب بعد هربها، حين خرجت القضية من يد السلطات وأصبحت في يد الصحافة العالمية، فأسقط في يد الملك ولم يعد بإمكانه أن يعيدهم إلى السجن…

    في أثناء قراءة السيرة تتأكد لدينا الصورة التي انطبعت في أذهاننا في الستينات والسبعينات عن دكتاتورية النظام الملكي في المغرب، ونتعرف دقائقَ حياة القصور، وما يجري داخل أسوارها المغلقة من ترف وانحلال وعادات تعود إلى القرون الوسطى، شبيهة بما تصوره حكايات ألف ليلة وليلة، أو ما كان يجري في قصور الملوك العباسيين أو السلاطين العثمانيين، وتذكّر بحياة الجواري والعبيد في مرحلة احتضار الدولة العثمانية كما رسمتها ﭭنوس خوري في روايتها الرائعة pyaramine .

    ما الذي أوصل مليكة أو فقير إلى القصر، فعاشت فيه كالأميرات؟ متسلحة بعين بصيرة وحسّ نافذ وتوق إلى الحرية دفعها لعدم الاستسلام إلى المصير الذي رسم لها: إنها عادة التبني التي كانت سارية في القصر الملكي في المغرب، على الأطفال الفقراء والأيتام، فمعظم وصيفات القصر تمّ تبنيهنّ عندما كنّ صغيرات، وكان من النادر، بل من المستحيل أن يتم تبنّي فتاة في مثل وضع مليكة،  التي تنتمي إلى عائلة غنية ومتنفذة من جهة الأم والأب على السواء، ومنزلتها لا تقلّ عن منزلة أي أميرة، ولكنها رغبة الملك، و “رغبات الملوك ونزواتهم أوامر ومقدسات”…

    ترى مليكة أنها حين انتزعت من أحضان أبويها وهي في الخامسة كانت “ضحية عمل قرصنة واختطاف”، فقد جردّوها وإلى الأبد من السكينة والطمأنينة وهجّروا طفولتها، وأطفأوا في عينيها بريق البهجة والفرح… لم تتقبل الأمر إلا مع مرور الوقت، بعد أن أصبح انسلاخها عن عائلتها امراً واقعاً تقبّلته رغماً عنها واللوعة تملأ قلبها.

    في القصر عاشت مليكة في برج عائلي لا يمتّ إلى الوقع بصلة، غارقة في بحر من الأبّهة والفخامة، ولا تحتكّ إطلاقاً بالناس العاديين، ولا تعرف أي شيء عن أعرافهم وعاداتهم وحياتهم اليومية (36). كان في متناولها كل ما كان يحلم به طفل أو يرغب به أو يشتهيه، وإن واساها هذا بعض الشيء، فإنه لم يُنسها أهلها الذين ظلت في شوق للعودة إلى كنفهم (48)، وكلما كانت تواجهها معضلة كانت تندب حظها العاثر الذي أبعدها عنهم (75).

    إنّ كل العاطفة والاهتمام التي كان يقابلها بها أهلُ القصر ما كانت لتعوّضها النقص الذي كانت تشعر به من جرّاء ابتعادها عن أهلها. كان من الصعب عليها أن تعيش بلا ماض ٍ، وأن تُقتلع ذاكرتها، وترضى بأن تكون رقماً يُضاف إلى الأرقام العديدة في القصر، لقد كانت تشعر بالقمع والاضطهاد، وبأن التبني قد اجتثّها من جذورها وجرّدها من هُويتها الحقيقية، وحرمها من الحرية والاختيار (ص 81). لقد أدركت مع الوقت أنها كانت طوال تلك السنوات والأيام سجينة بين جدران القصر، وأنها كانت تذبل وتختنق تدريجياً، لقد حاولت الانتحار (ص 82)، وحاولت الهرب (88)، وفي السابعة عشرة أصرّت أن تعود إلى أهلها، فوافق الملك، وحين غادرت بوابة القصر، لم تلتفت إلى الوراء، وكانت ترفض الدعوات التي كانت توجه إليها عبر جهاز التشريفات خوفاً من إعادتها إلى “هناك”.

    شعرت أن عودتها إلى أهلها (1969- 1972)، وهي على عتبة الشباب عودة إلى حيث يجب أن تكون (91)، ولقد كان يلزمها وقت طويل لتتعرف إلى عائلتها وتحيط بأمورها ومشاغلها.

    لقد كانت عائلة أوفقير أنموذجاً لتلك العائلات البربرية الغنية المقربة من القصر، هذه العائلات التي كانت تحيا في واد، وغالبية الشعب المغربي يحيا في وادٍ آخر. فمن ناحية الغنى والترف والمناصب والثقافة والتغريب، ومن ناحية أخرى الفقر والقمع والاضطهاد والجهل والأميّة والتديّن المبني على الخرافة وعلى تقديس الملك لنسبه النبوي.

    عائلة الأم من البربر الميسورين المقيمين في الأطلس الأوسط، ثرواتهم حقول قمح وذهب مكدّس منذ أجيال، وأم مليكة التي ورثت نصيباً لا يستهان به من تلك الثروة كانت تحب البذخ والتبذير ولديها عدد من المنازل موزعة بين عدد من مدن المغرب… هذه الأم الميسورة زوجة الضابط أوفقير الذي ينتمي إلى إحدى العائلات اليربرية المتنفذة، تترك المنزل الزوجي غاضبة لخيانات زوجها المتكررة لها (على الرغم من الحب الكبير الذي يجمعهما !!)، متأبطة ذراع الضابط الشاب الذي وقعت في حبه دون أدنى مقاومة فتضع أبناءها الصغار في مدرسة داخلية في سويسرا، وتستأجر فيلا في أحد الأحياء الغنية في الرباط (85).

    كان هذا هو نمط الحياة التي تحياها تلك العائلات الغنية، وهذا ما لاحظته مليكة في السجن الذي أودعت فيه العائلة في البداية، في منزل تحت الأرض في الصحراء، حيث ظهرت لها تفاهة تلك الحياة التي كانت تعيشها العائلة، تقول: “عندما فتحنا حقائبنا لاحظت بمرارة التناقض الحاد بين هذا المحيط البائس وبين ملابسنا الثمينة، لقد تمكنا من أن نحضر معنا حوالى عشرين حقيبة ممتلئة بملابس من أفخم الماركات العالمية، ولقد كانت ملابس الصغار من جنيف… في الصحراء كل هذا يبدو فجأة تافهاً ومثيراً للسخرية” (143).

    لقد كانت حياة مليكة بين المحبسين، القصر الملكي والسجن، حياة تنطبق أوصافها على حالات معظم فتيات الأسر الغنية في المغرب (109)، العادي بالنسبة إليهن كان المال والجاه والتفلت من القيود، يعشن في عالم كل شيء فيه متاح ومتوافر فوق العادة (105):

    من السهر في المرابع الليلية إلى السفر إلى أوروبا أو الولايات المتحدة مهوى الأفئدة والأحلام والمغامرات لأبناء هذه الطبقة وللأمراء والأميرات، يقضون فيها إجازات الميلاد في نيويورك وهوليود ويقيمون صداقات مع الممثلين ورجال الفن…

    تقول مليكة إنها عندما تستعيد (بعد الهجرة النهائية إلى فرنسا)، ذلك الماضي البعيد، أشعر بالتسلية والمرح، أضحك من نفسي كثيراً، كنت فتاة مدلّلة تغرق بدون حساب، كل ما كانت تمطرها به الحياة من رغد وخيرات؛ تُرى إلى أين كانت ستقودني تلك الدروب المقيّدة بالورود والرياحين؟ إلى الزواج الميسور؟ إلى العزّ والجاه؟ إلى الضجر والملل، أم إلى الخيانات والخواء العاطفي، أم إلى الاكتئاب والخيبات؟ أم إلى الهرب من كل هذا بالانغماس في حياة المجون وفي إدمان شرب الخمور وتعاطي المخدرات!… كما هو حال معظم فتيات الأسر الغنية في المغرب (109).

    لذلك ترى مليكة أن حياة الأسر أنجتها من ذلك المصير: “لقد نجوت من هذا القدر الأسود، لا أنكر أن الثمن الذي دفعته لا يقل سواداً وقتامة، لكنه على الأقل كان مشرّفاً، لأنه صقلني وأظهر خامتي التي كان يحجبها الصدأ والصديد، لقد عدت إلى الحياة في اللحظة التي وطئت فيها قدماي عتبة الشيخوخة، أن هذا يقتل الروح ويدميها… لقد علمتني الحياة أننا لا نبني الكون ونعمّره بالتصنّع والتملّق والزّيف والنفاق، ولا بالمراكز والمال والغنى، فكلّ هذا زائلٌ وفان ٍ لا محالة (ص 120).

    ميشال فيوتسي الكاتبة تتساءل لماذا لم يقف الشعب مع مليكة وعائلتها في محنتهم؟

    السؤال وجيه لو لم يكن الشعبُ المعنيّ هو الشعب المغربي الذي عاش طيلة تلك العقود من اضطهاد وقمع وتجويع وتشريد، كم من العائلات قد أصابها ما أصاب عائلة أوفقير دون أن ينتبه إليها أحدٌ أو يطالب بها أحد، حين كانت السيدة أوفقير تبيع عقاراً، تنفق ثمنه على شراء آخر الأزياء من باريس وجنيف، كانت الكثرة الغالبة من عائلات المغرب تعيش تحت حدود الخطّ الأدنى للفقر… والجنرال (أوفقير) كان مساعد قائد القوات الفرنسية في المغرب، ثم قائد الحرس الملكي لمحمد الخامس ومسؤول الأمن في عهد الحسن الثاني، هذا القائد الذي تربى على يد الاستعمار الفرنسي، والذي كان ضالعاً في قضية “بن بركة”، كان شخصية مكروهة من الشعب المغربي، وهو إن كان طيباً وحنوناً بالنسبة لأولاده وحسّاساً وكريماً وهادئاً (ص 94) لكنه كان بالنسبة إلى الشعب المغربي “سفاح الرّيف” نظراً لعمليات القمع والتعذيب التي اشتُهِرَ بها خدمة ً للملك، بعد أن اتسع الشرخ إلى حدّ العداوة بين الملك وقادة التحرير، وهو الذي قاد عمليات القمع على أعقاب التحركات الشعبية والتظاهرات والاحتجاجات في مدينة الدار البيضاء (ص 72)، كان الناس كما تقول مليكة نفسها يخافون أوفقير ويرهبونه، ويصفونه بالسفّاح المتوحش، وكان زملاؤها في المدرسة يصفونه بهذه الأوصاف أمامها ويعيّرونها به، وكان اسمه يثير تشنّجهم ورعبهم (ص 94).

    كانوا يلقبونها ابنة القاتل بسبب قضية بن بركة، وقد كانت يومها حديثة الخروج من القصر الملكي، ولم تكن تعرف هذه القضية أو فحواها (ص 94)، تقول إنها اكتشفت إنه كان يخفي وراء هدوئه وتسامحه فظاظة وقسوة كان يعرف كيف يخنقها (ص 94)، لقد آلم ابنته الدور الذي لعبه بعد انقلاب الصخيرات في العام 1971، وإعدام كبار الضباط دون محاكمة (ص 94) وما تناقلته الصحف المحلية والعالمية من قمع أوفقير بالقوة لمظاهرات الطلاب الجامعيين والثانويين، وقد كان الطلاب في مدرستها لا يخفون مشاعر العداء نحوها (ص 118).

    فضلاً عن هذه المآثر، كان الجنرال أوفقير أبرز مؤيّدي إسرائيل في المغرب، وقد زارها مرات عديدة في أثناء حروبها للعرب، وحين فرت مليكة وإخوتها من السجن، وأصبحت قضيتهم بين أيدي الصحافة، وافق الملك على إطلاق سراحهم، ورفض طلب محاميهم الفرنسي أن يدعهم يرحلون إلى فرنسا، بل اقترح أن يرسلهم إلى إسرائيل، لأن ذكرى أوفقير كانت محترمة هنالك، سيما وأنه ساعد الآلاف من اليهود المغاربة في الهجرة إلى إسرائيل…

    حب أوفقير لإسرائيل كان معروفاً وعلنياً، تروي مليكة أنها وهي في السابعة عشرة، ربطتها في الولايات المتحدة ـ حيث كانت تمضي عطلتها ـ علاقة صداقة بابن شقيق موشه دايان، وأنه حين عودتها علمت أن هذا الأمر قد أسعد أباها، ولكنه أثار استنكار العديد من الوزراء (ص 108).

    عرّفتنا سيرة “السجينة” إلى حياة القصور من الداخل، دون أن تقصد ذلك، في “طنجة” و”مراكش” و”فاس” وفي “أفران” في أعالي جبال الأطلس، تلك القصور التي تبدو وكأنها منتزعة من الأساطير والقصص الخيالية (ص 53).

    يخشى القاطنون فيها من الشربة السحرية والكتابة الشريرة والسحر الأسود، وتمتلىء عقول الجواري والعبيد قصص الجن وبأنه يتلبّسُهم، ولكنه لا يهاجم الأميرات فمكانتهن تحميهن منه (ص 65).

    الترف الذي كان يحيا فيه الملك والأميرات والجواري، يمكنك أن تقرأ عنه أو تتخيله، ويظل فوق مستوى التصديق (32، 33، 36، 39، 42). أما حياة الجواري والعبيد في القرن العشرين فلك أن تتخيلها.

    كانت جواري الحسن الثاني صغيرات السن، تم اختيارهن لجمالهن الأخّاذ من كل المناطق في البلاد، لا يتعدى عمر أكبرهن السابعة عشرة، حين يصلن إلى القصر تتولى الجواري القديمات تعليمهن الأصول واللياقات، وطرق التبرج والخضوع، ويحضّرنهن لحياتهن محظياتٍ وحريماً، وبعد ذلك يتم تزويجهن إلى الملك ثلاثاً أو أربعاً في قصره في فاس في حفل مهيب وباذخ.

    لقد كان الحسن الثاني يضيف جواريه الجديدات إلى جواريه القديمات.. وقد كنّ كلّهن يتبعنه إلى كل مكان: إلى القصر وإلى الحمّام وإلى المغطس المغربي وإلى دروس التمارين الرياضية.. لم يكن لهن الحق في إنجاب الأولاد، وحدها زوجة الملك هي التي تمنحه وليّ العهد (ص 57)، ولك أن تتخيل التنافس بين الجواري فكلّ واحدة ترغب في أن تكون محظية الملك الوحيدة (ص 69)، بعض الجواري ينتمين إلى عائلات ارستقراطية، فحين بدأ السعي لتزويج الحسن الثاني وهو في الثالثة والثلاثين، أرسلت أكبر عائلتين بربريتين في البلاد إلى القصر فتاتين جميلتين وهما ابنتا عم، خضعتا لدورة الإعداد نفسها التي خضعت لها بقية الجواري اللواتي وصلن من المناطق المغربية كافة، اختار الملك إحداهما زوجة (أم أولاده)، وظلت الأخرى جارية بين نسائه.. في فاس مياه معدنية، كان الملك يواظب على الذهاب إليها للاغتسال مع نسائه وجواريه وكان الجميع يسبح عارياً، وتروي مليكة أنها حين رفضت أن تخلع سروالها (كانت في الحادية عشرة)، غضب الملك ونزعه عنها بالقوة (ص 72).

    أما أحكام العقوبة فقد كانت تنفذ بالجواري في باحة حرم القصر بكل وحشيّة وبشكل دائم: هنالك يُضربن ويُجلدن ويتم نفيُهن وإبعادّهن إلى الأبد في سجن أحد القصور، حيث كن يعشن كالأموات.. كانت الحياة قاسية وهمجية ومن مخلفات العصور الوسطى (ص 84)..

    تقول مليكة أنها حاولت عدة مرات قبل أن تترك القصر أن تتحدث إلى الجواري وتفتح أعينهن على واقعهن الأليم، ولكنهن كن يضحكن ويهزأن بها (ص 89).

    تطرح “السجينة” مشكلة الهوية والانتماء في المغرب، ففي ثنايا السرد، نلاحظ ما دفعته العلاقات المغربية الفرنسية في جسد المجتمع المغربي وروحه، حيث اللغة الفرنسية جزء من كيانه، وكذلك الهوى الفرنسي الذي طبع الشرائع الاجتماعية العليا التي كانت ضائعة بين الشرق والغرب.. كما تطرح مشكلة الحرية الإنسانية، أو الحرية الفردية في مواجهة ضغط الظروف والمحيط والآخرين، وما هي الحدود التي يمكن فيها للفرد أن يتحكم بمصيره، أو على الأقل يعمل لتغيير مسار الحياة، وليس المقصود هنا أي فرد وإنما الإنسان الذي يولد مسكوناً بهاجس الحرية، فلا يستطيع العيش وفقاً لما يُرسم له، وإنما هو يحاول ويجهد ليغيّر مسار حياته.. وما من شك في أن مليكة هي تلك البطلة الاستثنائية المسكونة بهاجس الحرية، لذلك لم تعش أبداً مستسلمة للمصير الذي رسم لها، وما المواقف المشاكسة في حضرة الملك وفي مدرسة القصر والمقالب التي كانت تقوم بها في مواجهة المربية والمعلمين، وعدم استسلامها أو رضاها عن حياة القصور، ولفت الجواري إلى معاناتهن إلا تأكيد على كونها ليست عادية، ولأنها كذلك قامت بما قامت به في السجن من تعليم لإخوتها وتشجيع لهم ومساندتهم ورفع معنوياتهم، وحثهم على مساعدتها لحفر نفق النجاة والخروج من المصير القاتم الذي كان مرسوماً لها ولهم.. وإذا كانت الندوب النفسية لا تُشفى بسهولة فإنّ الإرادة والحب كفيلان بالتخفيف من آثارها. إن مصير مليكة الخارج عن المألوف يختزل الآلام التي تكبدتها، ويختزل قيامتها الرائعة الشبيهة بالأعجوبة والتنامي المطّرد لشخصيتها، ومساعيها الحثيثة للتحرر مما رسم لها، وقدرتها على حسم الخيارات.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    [1] – مليكة أو فقير وميشيل فيتوسي- ترجمة غادة موسى الحسيني- دار الجديد/2000.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *