الأربعاء 11 أكتوبر, 2017

    قراءة في ديوان مختار عيسى الشعري

    “فتنة السيرة ونداء الشعر” 
    قراءة في ديوان مختار عيسى الشعري 
    محمد الدسوقي

    dasouqi-11- أما قبل 
    هل الشعر في مأزق حقيقي ؟
    هل الشعر بلا جمهور ليس شعرا ؟
    هل ما زالت قصيدة النثر تعاني لواعج الظمأ ؟
    تساؤلات تطرح نفسها في ظل ثقافة متأزمة حتى النخاع ، أم أن النقد هو الذي استنفد مراجعه الجمالية ، ولم يستطع مواكبة الجديد دون تقليد ، أو محاكاة ، أو تطبيق – تعسفي – لمناهج ربما لا تتناسب مع خلفيات مجتمعاتنا وواقعنا المضطرب ؟! كلها أسئلة .. لا أظنني سأجيب عنها عبر أطروحتي عن ديوان مختار عيسى الشعري .. ولكن حين قرأت ديوانه الشعري – أعماله الكاملة – انتابتني حيرة كبيرة ، لدرجة أن قراءتي المستغرقة لديوانه ، جعلتني لا أستطيع أن أرفع رأسي فوق إيقاع الغرق فيه ، أو بالأحرى الذي أغرقني هو فيه ، وحالة كهذه لا يمكن أن تتيح لي الفرصة بأن أكون على مسافة معقولة تسمح لي برؤية أوضح ، وتكون أكثر حيادية في تناولي للديوان بعيدا عن هذا التعاطف الفياض الذي غمرني ، فأصعب موقف يمكن أن يتعرض له ناقد .. أن يقع في حب قصيدة ، أو قصة ، أو رواية ، أو لوحة تشكيلية ، هنا يتحول الناقد إلى مُحب ، وهذا برأيي ليس عيبا في كل الأحوال – فأن تكتب عن مغن رقيق ، وشاعر يمتلك روحا تائقة إلى العزف المنفرد ، ولديه فلسفة خاصة للحب والحياة ، فهذا يعني أننا بإزاء تركيبة شعرية تستحق – على الأقل – إعادة بث ما شعرنا به تجاهها ، وهي مهمة ليست سهلة كما يتصور البعض ، – نظرا لأن شاعرنا يكتب كل ألوان الشعر ، ولديه القدرة على التجريب الواعي ، ولهذا فمن المؤكد أن القاريء العادي سيلاحظ الشكل الكتابي للقصائد ” ما بين العمودي ، والتفعيلي ، والنثري ، وسيفاجأ بأن الشاعر ينبه القارىء في مقدمة ديوانه – اشتعال العازف – بقوله ” ليس هذا ديوان مسابقات ، وليس تقريرا يقدم إلى أصحاب دكاكين الشعر ، وأكشاك الشعر ، لكنه الشاعر نفسه حين يغرق في اشتعاله ” في إشارة إلى أن هذه الكتابة مرتبطة بالذات ، وصادرة عنها ، وليست مصنفة كما يريد أصحاب السلع المعلّبة ، والتي تباع في دكاكين وأكشاك الشعر هنا وهناك ، ولهذا هو يرجو ” من كل الواقفين على شواطيء روحه حبل إنقاذ ، أو تحذيرا من صخور الوقت أو دوامات الجنون ” مختار عيسى إذن قصيدته تغري بالتأمل وفض الغموض ، أي أن لديه رؤى تعبيرية متطورة ، تتماشى مع تقدم الحياة إلى الأمام .

    2- إشكالية المصطلح والتشكيل الشعري 
    إن المتابع لمشهد الشعري العربي عليه أن يدرك أن الحراك والتحولات التي حدثت وتحدث في الشعرية العربية الحديثة ، جد مهمة ، وتحتاج لكل من يحاول توصيف منجزاتها ، و قد يكون هناك خطاب نقدي خافت ، في مقابل خطاب الشعر المتجاوز ، ولكنها طبيعة الخطاب الشعري الذي غالبا ما يمعن في التخفي والمواربة ، مما لا يمكن التنبه إليه بشكل سريع وعاجل – من النقاد / القراء – بما يتواكب مع أسئلة الشعر التي يطرحها الشعراء كل يوم ، ولكن لا بأس ، فالمهم أن محاولات النقد تتفّطن إلى هذه التغيرات في النهاية ، وقد لا يكون ما نقوله جديدا ، أو مجهولا ، ولكنه في ظل الهشاشة التي أصابت الخطاب النقدي الراهن ، يدفعنا إلى محاولة تغيير زاوية نظر القاريء ولو قليلا ، فلربما وضعنا يده على منعطف جمالي من المؤكد هو موجود في أغلب ألوان الشعر العربي بطريقة أو بأخرى ، لكنه قد يتمظهر ويبين عن نفسه في شكل شعري ، أكثر منه في شكل آخر ، أو قد نجده في جعبة شاعر واع به ، ولا نجده عند غيره 
    وأعني بذلك مصطلح السيرة الشعرية ، ومعلوم أن الحديث عن ” السيرة الشعرية ” مسألة تشد القاريء إلى فنيّن مختلفين – وهما فن السيرة ، وفن الشعر ، والسيرة لها تجلياتها ، وتنتمي إلى القص أكثر منها إلى الشعر ، وهو ما يعني أننا بإزاء ظاهرة تحتاج إلى قراءة خاصة بها ، إذ تجتذب الشاعر الحكاية بشكل ما ، أي أن هناك – في الغالب – حكاية وراء ما يكتبه الشاعر ، والحكاية – كما هو معلوم – أقرب إلى النثر منها إلى الشعر ، لأن في النثر قوة إضافية تستثمر التفاصيل الصغيرة ، ولكن في الشعر ، هناك إيقاع تشكله الكلمات ، الكلمات اللاواعية ، كلمات الإلهام ، ومهمة الشاعر منح هذا الإلهام اسما وصفة وشكلا ومعنى على المجاز ، وليس على الحقيقة – وبين هذا وذاك تقع كتابة السيرة الشعرية التي أعنيها بقراءتي هذه ، وهي منطقة تقع بمكان غبشي ، أشبه بنقطة تماس بين الظلام والنور ، بين الشعر والنثر ، منطقة شائكة جدا ومعقدة ، ولعل أهم ما يسعى إليه أي شاعر يلعب في هذه المساحة ،هو محاولته أن يسد الفجوة بين شعره وبين القاريء ، الفجوة الموجودة بين إشكالية القراءة وفهم النص ، ولعل قاريء الشعر قد وقع على كثير من الحكايات أو القصص الشعرية ، التي تؤكد على وجود النزعة القصصية في ديوان الشعر العربي ، بداية من أمريء القيس إلى عمر بن أبي ربيعة الذي يقال أن القصص الشعري تطور على يديه ، مرورا بإيليا أبو ماضي ، وحتى أحمد شوقي في بعض أشعاره ففي قصة شعرية بعنوان ” الحمار والسفينة ” يقول شوقي :- 
    سقط َالحِمارُ من السفينةِ في الدُّجى فبكى الرفاقُ لفقدهِ, وترحَّموا 
    حتَّى إذا طلعَ النهارُ أتتْ بهِ نحو السفينةِ مَوجةٌ تتقدمُ 
    قالتْ: خذوهُ كما أتاني سَالماً لم أبْتلِعْهُ, لأنهُ لا يُهْضَمُ
    والواضح من المثال السابق أن الشعر يحتمل أن نقص من خلاله حكاية ، أو قصة ، أي أن الشاعر يمارس ممارسة إبداعية تجمع بين فنين مختلفين ، بحيث تكون القصة هي موضوع القصيدة ، وهذا الشعر لا جديد فيه ، إذ تصبح القصة في القصيدة بمعنى الحكاية ، وليس بمعنى القص الفني ، أي أن حكاية القصة الشعرية ليست متأثرة بأي تعبير سردي قصصي معين ، ولهذا تبقى القصة الشعرية في ذاتها بلا جديد في صياغة الشعر وتطوره ، أما ما نصبو إليه فمختلف ، لأننا نصبو إلى ممارسة بين القصة والشعر يمكن تسميتها ب ” السيرة الشعرية ” أي أننا بإزاء فنيين هما فن السيرة وليس القصة ، وفن الشعر ، لأن السيرة هنا ليست بمعنى القصة ، ولكن بمعنى القص ، ذلكم أن القصة تعنى بالمحتوى ، أما السيرة فتعنى بالتعبير عنه ، وذلك يفضي إلى تماه بين السيرة والشعر نحن في أمس الحاجة للبحث فيه . ولهذا يمكننا مع شعراء الحداثة .. أن نقف على قراءة مختلفة تماما تعالج القصة الشعرية في سياق معرفي مختلف ،عن طريق السيّرية الفنية للقصة ، وليس مضمونها ، أو حكايتها فحسب ، ولكي نميّز بين القصة الشعرية والسيرة الشعرية ، نقول أن القصة الشعرية هي التي نحصل منها على حكاية دون تجليات سيّريّتها ، عكس السيرة الشعرية فأهميتها لا تكمن في أنها تجمع بين فنيّن مختلفين فقط ، ولكن الأهمية تكمن في السّيريّة التي تنتاب القصيدة ذاتها ، إذ تصبح القصيدة أكثر رحابة واتساعا ، واللغة تلين وتنبسط وتخف من حدتها وصرامة إيقاعها ، وجمودها الفني ، فتبدو قادرة على احتواء حكاية ، أو قص قصة ، أو وصف حالة ، بحيث تظهر فيها السيّريّة ، وكيفية تناول الشاعر للحكاية أو القصة ذاتها من خلالها ، وليس معنى هذا أن السيرة الشعرية أقرب إلى قصيدة النثر منها إلى قصيدة الشعر ، بالعكس ، فقصيدة النثر كما يقول ” شريف رزق ” تتضمن إلى جانب شعرية الشعر ، سردية القص وانفتاحها على أدب السيرة الذاتية ” ، ولكن السيرة الشعرية التي نكرس لها هنا قد تشترك مع قصيدة النثر في بعض قيّمها الفنية ، والتي تنبع أهميتها من بحثها في قضايا الوجود الإنساني ، ولربطها العام بالخاص ، ولقدرتها على سرد تفاصيل دقيقة في حياة صاحبها ، ونصها غالبا يقترب من القصة إلى حد ما .. من حيث إلمامه بالواقع ، ولكنه ليس من جنسها ، وكثيرا ما يتم تفسير ذلك بأنه نتيجة طبيعية لخصائص أسلوب الناثر ، أو كاتب قصيدة النثر ، لكنها لا تحتوي ” سيرة شعرية ” ففي قصيدة النثر السيرة قد تكون أشبه بالكلام العادي ، وهو ما سيكون عكس الشعر وتجلياته اللغوية في الأقل ، إن قصيدة النثر التي تمتاز بانفتاحها على الشعر والسرد والنثر الفني لا توجد فيها لا قصة شعرية ولا سيرة شعرية ، ولا يجب ، لأنه ليس من أهدافها الوصول لنتيجة ما ، بل هي تحاول التخلص من النثرية بمنطقيتها القصصية أو النثرية ، وتحوّلها إلى سرد جمالي له خصائص كثيرة ليس من بينها السيرة الشعرية التي أعنيها ، وهو ما سنتكلم فيه لاحقا …

     
    3-إيقاع السيرة الشعرية 
    مما سبق يمكن القول أن السيرة ليست دالة على القصة أو الحكاية فحسب ، ولكنها دالة على الطريقة التي تنبني بها القصة ، والتي يقتضي الحديث عنها الإشارة إلى أهمية دراميتها ، أي أنها تحتوي تجربة درامية حياتية مستعادة ، ومصاغة صوغا فنيا مخصوصا يناسب متطلبات السيرة الشعرية وإيقاعها ، وهذه الدراما يتم الكشف عنها من خلال معايير تبدو قصصية ، كالحوار ، وتعدد الأصوات والضمائر ، والفلاش باك والمونولوج الداخلي ، أي أنها تمتاز بوعي بنائي فيه إيقاعات القصة ولكن ليس بالضرورة أن يتضمن مضمونا قصصيا ، وهو ما يمكن ملاحظته أوليا في هذه القصيدة التي كتبها الشاعر / مختار عيسى في بداياته عام 1973 بعنوان – في السوق – والتي يقول فيها 

    نزلت للسوق 
    تملأ سلتها ببقاياه
    قطرات النور 
    وملابسه المتهالكة … وعصاه
    وكتاب مهتريء الصفحات تزمجر فيه حكاياه 
    وافترشت أرض الحزن وراحت تجتر العبرات 
    تتكسر فوق الأصداء ضلوع الكلمات 
    فتجهم وجه السوق ، تجعد
    وانتفض الزمن ليشهد 
    عربدة الحقد بقلب صخري أسود
    وانهمر الدمع من الأحداق
    وتردد صوت في الأعماق 
    يا جمهرة الشارين 
    يرقد في جوف الطين 
    من كان يزغرد في ذاكرتي صبحا ومساء
    من كان يغرد في أحشائي 
    ويصلي داخل روحي ساعة ألقاه
    يرحمه الله !
    وما من شك في أن هذا النص يحتوي حكاية / قصة امرأة مات عنها زوجها ، الذي كان يكفيها شر الذهاب إلى السوق ، وبرحيله عنها اضطرت لنزول السوق ، وملأت سلتها ببقاياه – قطرات النور ، وملابسه المتهالكة ، وعصاه ، وكتاب مهتريء الصفحات تزمجر فيه حكاياه ، ومن المؤكد سيتبادر إلى الذهن السؤال … هل هي قصة شعرية كالتي أشرنا إليها في أشعار السابقين ، أم أن جديدا طرأ عليها جعل لها خصوصية فنية مختلفة – سيّريّة – كما نزعم ؟! 
    فمن الواضح أن هذه المفردات التي تحملها المرأة في السلة ليست هي مفردات القصة أو الحكاية ، لكنها رموز القصة ، للتعبير عن حكاية المرأة مع رجلها ، فالملابس متهالكة للدلالة على حجم المعاناة ، والعصا تشير إلى الإيقاع البطيء والممل لحركة الحياة ، ثم الكتاب مهترىء الصفحات لتأكيد سنوات الضنك التي كانت المرأة تحياها مع زوجها ، وهناك أيضا حكاياه التي تزمجر من شدة ما لاقاه في حياته من عنت ، ورغم هذا ، فالحياة لم تكن قاتمة تماما ، فهناك قطرات النور – وما أبلغ الشاعر الذي سماها قطرات – دلالة على الرزق القليل ، ولكنها تشير أيضا إلى الرضا به ، وهذا الرضا جعل الشاعر يتصّور – أقول يتصّور ، ولا أقول يصّور بمعنى نقل الصورة ـ الشاعر تصّور أنها افترشت أرض الحزن وراحت تجتر العبرات / تتكسر فوق الأصداء ضلوع الكلمات / 
    ووجدنا السوق بمن فيه أصيب بحالة غير الحالة 
    “فتجهم وجه السوق ، تجعد
    وانتفض الزمن ليشهد 
    عربدة الحقد بقلب صخري أسود
    وانهمر الدمع من الأحداق
    وتردد صوت في الأعماق 
    يا جمهرة الشارين هنا يرقد في الطين 
    من كان يزغرد في ذاكرتي صبحا ومساء
    من كان يغرد في أحشائي 
    ويصلي داخل روحي ساعة ألقاه
    يرحمه الله ! 
    السيرة هنا طريقة أداء ، إيقاع القصة وليس القصة ذاتها ، وسيلة فنية يخلقها الشاعر عبر لغة تمزج بين الشعر والنثر ” نثرشعرية ” يختلط فيها الخيالي بالواقعي ، وإيقاع السيرة هنا يعمل على إشاعة حالة تتناسب مع حزن المرأة ومصابها الأليم ، وتكشف عن السيريّة التي يتمتع بها النص ويضفي على اللغة الموقعة احتمالات أخري ليست تلك التي نقرؤها ، افترشت أرض الحزن – من كان يزغرد في ذاكرتي – من كان يغرد في أحشائي ، ويصلي داخل روحي ، فضلا عن إيقاع قافية ألف المد والذي تتبعه الهاء في بداية النص ونهايته ليوحي بامتداد الحزن ، وكأنه آهة لا تنتهي 

    4-أشكال الشعر / إيقاع السيرة 
    معلوم أن الشكل الشعري في جوهرة أشبه بعقد اجتماعي بين شاعر وقاريء محدد . وتكمن وظيفة الشكل في تحديد الذائقة المناسبة لمتعاطيه ، فالشعر التقليدي له قُرّاء من نوعية معينة ، وهم – غالبا – لا يقبلون بغيره ، أما شعر التفعيلة فقد حاول أن يتحرر من جمود العروض إلى حد ما ، ويعطي فسحة أوسع للرؤية ، وتوليد الانفعال العاطفي والحسي في ذات الوقت ولهذا ربما كانت قصيدة التفعيلة – عند شاعرنا – الأكثر قدرة على استيعاب السيرة الشعرية ، ذلك أن السيرة تلزم نفسها بالسير على سراط يربط بين الشعر والنثر في آن ، ويُوظف بطريقة فنية خاصة ، وليس شرطا أن تكون السيرة الذاتية جزء منها ، على عكس قصيدة النثر ، ذات الانفعال الخاص الملتصق والملتحم بكاتبها ، بعيدا عن اللاوعي ، وعن الحكمة التي ارتبط بها الشعر القديم ، فضلا عن الذهنية المفرطة التي تتسم بها قصيدة النثر في كثير من الأحيان ، باعتبارها ردة فعل معاكس لقصيدة الشعر التقليدية ، والتي خصص لها الشاعر ديوانا منظوما كاملا بعنوان ” وليت شطر هواك “يقول :- 
    *في قصيدة التقفية 
    يقول الشاعر في قصيدة ” ونشيدها الإخلاص للوّراد ” والمهداة للكويت التي عاش فيها الشاعر عدة سنوات .. يقول:-
    ماذا أردد من حديث ودادي … والشعر يرسل دفقه لمدادي ؟
    هل أرتجيك قصيدة أزهو بها ؟ أو أجتليك فيجتلي إسعادي ؟
    عصف الحنين بدار شوقي والهاً والبين أشعلني بقلب بلادي 
    هكذا لا تبوح لنا القصيدة بسيرية شعرية معينة ، والشاعر يستخدم الألفاظ مطلقة ، وهو هنا يتكلم ولا يعبّر ، بمعنى أن الكلمات تظل مجرد كلمات ، لا تلحقها صورة حسيّة ، اللهم بعض محاولات تشخيصية هي في حقيقتها سجينة التصّور ، أي ما وقر في الذاكرة من صور لا تسبب الرعشة التي تجسدها حركة الأشياء والحياة في السيرة الشعرية . 
    *في قصيدة التفعيلة 
    الشاعر يقول في مفتتح ديوانه – من قصيدة ” لا تكشف عن شجر السر الحاء “
    حدثني شيخي
    ( كنا نتجول في أروقة السر
    شعاعين
    وننتظر طلوع إمام الدارين
    الصاحب ، وابن الصاحب ” عطاء “
    وكانت صاحبتي في الدار ،
    تمازج بين الماء ، وبين رحيق بلاغتي ،
    وطفلاي على التنور يلوكان فطيرة أشعاري ،
    وأنا المفتتن المرّادُ
    الحافظ ما سّطر الأجداد ) 
    وقول الشاعر – حدثني شيخي – هذه الجملة المفتاح التي اتخذها الشاعر تكئة للتركيبة التي يشكلها عن طريق الفلاش باك ولهذا فهو يضع هذا الاسترجاع بين قوسين ، وكأنه كلام الشيخ وليس كلام الشاعر ” لكي يبدأ في بث السيرة / لا القصة ، أي طريقة قص الشعر– التي تتنامى وتتفاعل لتشكل الصورة الكلية المكونة لرؤية الشاعر للعالم وللقصيدة ، العالم المادي المحسوس ، والقصيدة بروحانيتها الفائقة ، فنجد التجوال يحدث في أروقة السر ، والمرأة التي هي في الدار- تمازج بين الماء وبين رحيق البلاغة ، والطفلان على التنور يلوكان فطيرة الأشعار – وهكذا يتوّلد عن هذا الانحراف سيّريّة تمازج بين النثر والشعر ، وبالتالي ففقدان النثري يجعل النص عديم المعني ، وفقدان الشعري يجعله عديم القيمة .
    *في قصيدة النثر 
    سنجد أنها لا تبتعد عن قصيدة النثر التي نطالعها عند كبار الشعراء – يقول الشاعر في قصيدته – صورة في الألبوم – من ديوانه النثري العابر 2001 – 
    بين امرأتين 
    كان واقفا مثل شجرة 
    وكنا حوله بينهما ،
    كسور الحديقة
    الأولى ترتدي بياضها
    والأخرى تجللت بالسواد
    وأنا مغلف بالفضة
    يميل نحوي هامسا بالفحيح
    ” لا تزعج العدسة ” 
    الآن أصفق للمصّور
    سيحرز الجائزة
    في مسابقة الوحدة الوطنية
    لكني سأدعي أمام قبيلتي
    من الشعراء المجانين
    أني لا أعرف الرجل
    بينما أستطيع الإشارة – دون تردد- 
    إلى أمي في الصورة
    مبديا إعجابي ..
    بقدرتها على الابتسام 
    و(فستانها ) الأنيق !
    وهي قصيدة ذهنية ، تحاول دائما إدخال العقل في اللعبة الشعرية ولهذا الشاعر يعيد إنتاج اللغة وفق شروط معينة أولها .. أن القاريء لا يستطيع أن ينتقي أو يكتفي بمقطع من القصيدة للدلالة على معناها ، لأنها قائمة على فن التداعي ، ولا تحتمل حكاية أو قصة ، رغم أنها ملتحمة بصاحبها ، تخفت في لغتها الرطانة والفخامة اللغوية الموروثة ، وغالبا يسجل شاعرها المعاني ولا يجسدها ، على عكس السيرة المركبة من النثر والشعر ، التي تحتمل تجربة درامية حياتية مستعادة ، ومصاغة صوغا سرديا فنيا مخصوصا يناسب متطلبات السيرة الشعرية وإيقاعها الخاص ، أما السيرة في قصيدة النثر فإنها سيرة ذاتية ، والسيرة الذاتية كما يرى ” فلييب لوجون ” عبارة عن سرد نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص ، أما في السيرة الشعرية فمهمتها تحويل الواقعي إلى متُخيّل جمالي ، وهي وظيفة أساسية لإنتاج نص ، حركة الأنا الشاعرة فيه محكومة بالسير على شعرة تربط بين الواقع والحلم ، والشاعر مطالب بألا يجعل الواقع يخبو ، ولا الحلم ينطفىء

    5-من عناصر السيرة الشعرية 
    بعد هذا العرض لمفهوم السيرة الشعرية يمكننا أن نؤكد على عدد من العناصر التي تقوم عليها السيرة في شعر مختار عيسى ، وهي أشبه بالعناصر القصصية ، لكنها لا تتطابق معها ، بسبب فاعليات اللغة والخيال وطريقة السيرة التوقيعية … ومن أهم هذه العناصر الفاعلة 

    – إيقاع الحوار : 
    الحوار أداة فاعلة في السيرة الشعرية ، وفي جل أشعار مختار عيسى ، ويستخدمه الشاعر بأشكال متنوعة ، ويساعد على تدفق الصور الفنية ، والانتقال من حالة إلى أخري أو من موقف إلى أخر ونقل حالة المحكي عنه إلى القاريء ، أيضا يساعد على التقليل من التجريد ، أو يخفف ظلال الصور الضبابية ، وأيضا يساعد على التأمل والتفكير ، وقدر من المشاركة الفاعلة في النص والتورط فيه ، وأقرأ معي هذه اللقطات الحوارية في بعض القصائد ، وستجد أنها دالة على طريقة الحكي التي نشير إلى سيّريتها في شعر شاعرنا يقول :-
    حدثني شيخي – كنا نتجول في اروقة السر
    كنا ياولدي نتجول حين افتتح الله طريقا في بدني 
    قال الخزنة : ما علمناك الشعر لتطغى
    سيقولون : جريئان ، اغترفا من حرمات الدين ، وشربا من يحموم اللهفة ،
    واعترفا بالهذيان 
    قال : انتظرني خارجا .. من رعدة الوقت المناويء ، داخلا وهج احتراسي 
    لا تندهش ، لست البساط فتستبيحك خطوتي 
    قال الرفاق : وهل عشقت سماءها ، قلت : احسدوني قد عرفت صفائي 

    -إيقاع المكان 
    ويجيء إيقاعه في السيرة من خلال تجسداته المختلفة – حقيقة أو رمزا – في شعر مختار عيسى ، فيأتي أحيانا كعنوان ، كدلالة مباشرة على المكان باسمه وصورته ، وأحيانا كرمز تعبيري أو معنوي مثل – رف الذاكرة – أروقة السر ، التنور الذي ينتج فطائر الأشعار ، أو من وقفوا في قاعات الدهشة يصطفون وراء القوافي الخضراء ، وهكذا يلعب الشاعر دائما – يقول في مقطع بعنوان – في المسرح 
    اللؤلؤة ارتاحت للخد المُجهد
    والقاعة غُصت عسسا
    سالت في الكفين الأنثى
    وتلّوت …
    كحظوظ الفقراء
    اختبأت في صدر الشاعر أغنية
    أوشك أن يعلن رجفته
    عاد وآثر أن يبعد 
    هل كانت أنثاه تراود فتنتها
    أوحى للبحر المائج أن يتجمد 
    من يجرؤ في حضرة جلاد 
    ان يجتاز الحد ؟!

    -إيقاع الزمان 
    أما الزمن في السيرة جوهر الوجود الفاعل في جل نصوص شاعرنا ، وإذا كان الشعر دائما ما ينبني على زمن بلا قياس كقول أمريء القيس – ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ، بصبح وما الإصباح منك بأمثل – إلا أننا في السيرة سنجد أن الزمن يتبع القياس ، بل ويتكيء عليه الشاعر كخصيصة أساسية في بناء السيرة ، فيقول الشاعر تحت عنوان ” العاشرة صباح الخميس ” 
    ألقت بهجتها للزهر المزهوّ بذاته 
    سألت عن مرآته
    فتلوّن وجه الهاتف 
    واحمرّت أرصفة الوقت 
    وطارت في الجنبين عصافير يعرفها 
    واشتعلت آنية المرأة 
    وتكسر صلصال نسيته فوق المقعد 
    هل أدرك حرفته الشاعر أم .. 
    نسيته الآلات 
    وما رضيت أن يتمرد ؟

    -حركة الشخصيات 
    وتظهر في أكثر من شكل وكلها تمعن في تردداتها وانفعالاتها ، 
    بين الأنا والأخر… يقول الشاعر”تحت عنوان ” السابعة مساء السبت الأول” 
    ثقبت بالعطر جدار الصمت بقاعات القصر المهجور
    مرت من أضّيق نافذة في السور..
    تحملها آنية من وجد
    ويسافر في العينين البللور 
    يشعل في الكلمات الموسيقا
    كان الشاعر يرقد في حضن الصورة 
    والمخرج قد بدأ العزف : حريقا يصطاد حريقا 
    كان الجمهور يتابع في شغف 
    دور البطل الأوحد 
    كنت أحاول فك العقدة في خيط المشهد
    هل غرر بالشاعر زحفُ الفضة في جنبات الروح 
    فسّلم للعسجد ؟! 
    هكذا يقيم الشاعر البناء الدرامي الذي يهيم به ، ويخدم رؤيته الخاصة من زوايا متعددة كما هو الحال في هذا النص الطويل ” من مفكرة عاشق لا تخدعه المرايا ” والمكون من عشرة مقاطع ، هي أشبه بالمذكرات اليومية ، وسيجد القاريء في كل مقطع من هذه المقاطع أن الخطاب الشعري يلعب دوره في صياغة اللعبة التي يجيدها الشاعر مستخدما فيها السيرة الشعرية كاملة الأوصاف … 

    6 -الصورة الفنية 
    في عدد كبير جدا من أشعار مختار عيسى السيرة تعلن عن نفسها ، كونها خصيصة أساسية في جل كتاباته ، والصور الفنية سنجدها كما قرأنا آنفا صور مزدوجة ، فتتشكل القصيدة لديه مأخوذة بسيرية نصية تمعن في حشد الصور القصصية المدركة أو الموجودة ، أي تلك التي تنقل الواقع من جانب ، والصور الشعرية التى لا يمكنك نسبها إلى الواقع إلا عن طريق المجاز من جانب آخر ، ويبدو أن تركيب الصورة من الشعر والنثر ، يجيء في حالة تتابع بين ما هو واقعي وبين ما هو خيالي ، أو ما يمكن أن نسميه بلعبة الظهور والتخفي ، وكأنها لعبة لغوية ، تتخلق وفق رؤية فنية مركبة تخلقها الصور شعر قصصية ، والتي تُخرج القاريء من منطقة الغياب إلى الوعي ، وتأخذ بيده من أفق الخيال إلى الواقع ، أو العكس ، وبهاتين العمليتين المتضادتين تعطي للصورة فاعلية أقوى من أن تكون ذات بعد واحد – جامد – فلا الصورة واقعية وخارجية وحسية بحته ، ولا هي خيالية مغرقة في التخفي حد العماء – بهذه الطريقة يكون القاريء للشعر واعيا بما يقرأ ، و له قدرة على معرفة العالم – من السطح الى العمق – ويلمسه واقعا ورمزا ، وربما من خلال هذه السيريّة ، يمكنه فك شفرة بعض إشكاليات القراءة ، وفهم النص التي قد تشكّل جزءا من الحل ، في أسباب انصراف الناس عن الشعر .
    الصورة إذن في السيّرة الشعرية لها منطقها الخاص ، باعتمادها على خطاب شعري يتجلى في طبيعة العناق العضوي بين السيرة وبين الشعر ، فالصورة شعر قصصية أو النثر شعرية تتكون مما يمكن تسميته بمجاز المشهد والذي يبتعد بالمشهد عن فوتوغرافيته البائسة ، ويضعه في أتون شعري يربط بين النقيضين …إن الصورة المزدوجة بهذا المعنى ، تقوم على ربط الوعي الظاهر بالوعي الباطن ، ولا تمنع القاريء أن يرى الدنيا ، لأنه سيدرك عالم النص بالحس والحدس ، والعقل والرؤيا ، وهذا التداخل بين الظاهر والخفي ، والحاضر والغائب يتحددان من خلال عنصرين آخرين هما التصوير والتصّور وعلاقتهما المباشرة بالصوغ الجمالي واللغوي الذي تقوم على أساسه، الصورة في السيرة الشعرية ” فالصورة في الأدب هي الصوغ اللساني المخصوص، الذي بواسطته يجري تمثيل المعاني تمثيلا جديدا ومبتكرا ، ولكن الصورة في السيرة الشعرية هي الصوغ التصويري ، أو المرئي الذي بواسطته يجري تمثيل الأشياء تمثيلا جديدا ومبتكرا ولقد ارتبطت مفاهيم الصورة بمفهوم الخيال، من حيث إنه ملكة إبداعية بواسطتها يستطيع المبدع من خلالها تأليف الصور اعتمادا على ما يختزنه داخل ذهنه من إحساسات متعددة الروافد ، أو من خلال قدرته على التوفيق بين العناصر ليكشف عن علاقات جديدة مبتكرة ، وتعتبر الصورة معرضا لإظهار قدرة الشاعر على استخدام ملكته التخييلية ، ولكننا في السيرة الشعرية سنجد الصورة الفنية منقسمة إلى جزئين أو تركيبين هما الخيال والواقع ، ينطلق الشاعر من أحدهما ليصل إلى الأخر مثل قوله
    ” كرة الضوء اصطدمت بفراش الغرفة /
    رقصت أهداب الليل /
    وقيل : اقتربي يا لغة الوعد /
    سيدة البرق استمعت لسؤال الرعد /
    والغرفة تغلق عينيها ،
    والكرة تدحرج بين أنين المكلومين /
    وبين حنين الماء
    إلى الباب الموصد “
    هكذا تختلط الأمور ، كرة الضوء تصطدم بفراش الغرفة ، والغرفة تغلق عينيها ، وحين يحين الاقتراب يكون للغة الوعد ، والحنين ليس إلا حنين الماء ، إلى الصد الذي وجده من الأخر في شكل الباب الموصد ، بهذا الخلط أو الامتزاج أو التماهي استطاع أن يقدم الشاعر لنا تشكيلاته للصورة فيما يسمى بالسيرة الشعرية ،
    إن أهمية الصورة أو عملية التصوير بشكل عام داخل النص الشعري لمختار عيسى من خلال اعتماده على الوصف التصويري، الذي تتعدد وظائفه بتعدد مواضعه داخل السياق النصي ، فتبدو له وظيفة تحديدية تحدد بداية الحدث ونهايته ، أو وظيفة تمديدية ، أو تأخيرية لأحداث معينة عندما تدخل مشاهد وصفية في سياق حدث ما ، أو تكون له وظيفة زخرفية وجمالية تبرز مهارة الشاعر ، أو تكون له رمزية شارحة مثل وصف الأشياء على المجاز ، بمنحها وظائف أخرى ، كتراسل الحواس مثلا ، وكلها تكشف عن تركيبه فنية لها علاقة بواقع نفسي واجتماعي له ما يبرره ، وكلما تفاوت التركيب في الصوّر ، بين الواقع/ السرد ، والخيال / الشعر ، تفاوت جلاء المعنى وتصويره وضوحا وغموضا ، والعبارات – النثرية / الشعرية لا يكون لإحداها مزية على الأخرى، إلا بقدر تأثيرها في المعنى ، وغالبا تأتي إحداهما نتيجة لأخرى فقول الشاعر
    ” امرأة تلون المساء بشمعة واحدة 
    وحفنة من الأصدقاء السود
    يكتبون أعمارهم بالنيون على ( تورتتها ) 
    ثم رجل وحيد من وراء الشيش 
    يرقب الشمعة ويشكو المساء لامرأة معتمة ! “
    جعل القصيدة قائمة على صورتين أو مشهدين أو مشهد واحد ذو منظرين فالصورة الأولي ( حفنة الأصدقاء السود حول تورتة امرأة تلّون المساء بشمعة واحدة ، يكتبون عليها أعمارهم بالنيون ) تبين عن لقطة لها دلالتها – فالأصدقاء سود ولشدة شهوتهم رغم أن الوليمة امرأة تلون المساء بشمعة واحدة ، إلا أن هذا كاف جدا ليكتبوا أعمارهم بالنيون – في إشارة لأهمية الوليمة ، وفي المقابل صورة أخري لرجل وحيد من وراء الشيش يرقب الشمعة التي بالضرورة سيذوب نورها ، ولا يبق له سوى امرأة معتمة ، ويريد الشاعر أن يؤكد على أنه بهاتين العمليتين المتضادتين أن يعطي للصورة فاعلية أقوي من أن تكون ذات بعد واحد – جامد – فلا الصورة واقعية وخارجية وحسية بحته ، ولا هي خيالية مغرقة في التخفي حد العماء – بهذه الطريقة يكون القاريء للشعر حرا ، وله قدرة على معرفة العالم – من السطح الى العمق – ويلمسه واقعا ورمزا ” والفرق بين الصورتين يظهر المفارقة ، فالمرأة بالنسبة للرجال السود مضيئة ، لدرجة أنهم يكتبون أعمارهم بالضياء وكأن شمعتها أضاءتهم إلى هذا الحد ، فيما الرجل يرقب الشمعة عن بُعد ، وهذا لم يضىء روحه ، وكما نرى فأهمية الصورة هنا تكمن حسب موقعها في القصيدة ، بحيث نجد الأولي وكأنها البداية ، والثانية وكأنها الخاتمة ، كما لو كانت قصة ولها لحظة تنوير ، تلك التي ربطت الصورة بالمعنى ، والمشهد بالدلالة ، وقد أشار الدكتور مصطفى ناصف في توصيفه للصورة الفنية في الشعر العربي بالقول أن كلمة صورة تستعمل عادة – للدلالة على ما له صلة بالتعبير الحسّي ، في الوقت الذي لا تستقل بحال عن الإدراك الاستعاري ، وهذا يؤكد ازدواجية التركيبة الفنية للصورة بشقيها البلاغي ، وبما تمتلكه من قدرة على تخطي الحدود وربط المعقول باللامعقول ، وتشكيل الصورة الفنية بأنماط تعبيرية مغايرة وقادرة على التفاعل والتجانس مع غيرها من أنماط التعبير المختلفة ، يريد الشاعر أن يؤكد على أنه بهاتين العمليتين المتضادتين ، يعطي للصورة فاعلية أقوى من أن تكون ذات بعد واحد – جامد – فلا الصورة واقعية وخارجية وحسية بحته ، ولا هي خيالية مغرقة في التخفي حد العماء – بهذه الطريقة يكون القاريء للشعر حرا ، وله قدرة على معرفة العالم – من السطح الى العمق – ويلمسه واقعا ورمزا ، وعبر ما أسميناه نحن بفتنة السيرة و نداء الشعر .

    مقالات ذات صله

    1 تعليقات

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *