الأربعاء 11 أكتوبر, 2017

    التشكيلي الأوزبكي جولان يوسوبوفيتش

     

    الفنان التشكيلي الأوزبكي البارز جولان يوسوبوفيتش عمربيكوف

    أ.د. محمد البخاري*

    thumbnail_جولانأول لوحة للفنان التشكيلي الموهوب جولان يوسوبوفيتش عمربيكوف كانت بعنوان “صديقي” وعرضت في معرض الجمهورية الذي نظم في بيت المعرفة بطشقند عام 1971، ومن تلك اللحظة ظهر واضحاً أن فناناً تشكيلياً شاباً وموهوباً قد ظهر في أوزبكستان, وأن شخصية هذا الشاب تتمتع بخصائص إبداعية فريدة، لا تكرر أعمال أي  فنان تشكيلي مشهور سبقه.

    وعندما عرض لوحته “حسين بايقره وعلي شير نوائي”. وهو لم يزل طالب في معهد VGIK بموسكو، عام 1968، جعل الكثيرين يذكرونه كفنان ماهر بأسلوب فني متقن وتميز. ولكنه عندما عرض لوحته “صديقي” كان الحدث مختلف تماماً. إذ توجه الفنان التشكيلي من خلال لوحته نحو الشكل والمساحة مع خلفية تتفق والتقاليد الشرقية في الفنون الجميلة، مع إعطاء أشكاله خصائص تميز بها أسلوبه الخاص الذي سطع من خلال أسلوبه الحديث وغير المتوقع. ومن ضمن هذه التراكيب الفنية المدمجة، وبحركة خفيفة، إختار هذا الفنان الشاب الموهوب الألوان ليصور وبحرية وسهولة، جدة وحفيدتها، مما دعى مجلة “اليونيسكو”، لنشر مجلد كامل من رسوماته لأنها على ما يبدو كانت مناسبة وضرورية لعالم قراء المجلة.

    thumbnail_لوحة4وبعدها توجه جولان عمربيكوف نحو التكعيبية ومبادئها في الفنون التشكيلية، ومن ورائها أخذ يفكر بالمشاكل التي يعاني منها عصره، لأن تلك المرحلة كانت هامة بالنسبة له على ما يبدوا. ولأن العلاقة الفكرية للأمثلة المشار إليها أعلاه إنتهت وأنه في تلك الأعمال كان يستخدم الأسلوب التكعيبي، وتتضمن فلسفة ومضامين ودلالات في هذا الإتجاه التحديثي. والقضية أن النقاد لم يرفضوا وجهة نظره “الصحيحة” هذه فقط، بل إعترفوا بميله الدائم نحوها، ونحو قواعدها، وأفكارها، وأنه وزعها كـ “مرآة للكمال” المتعدد الأوجه، الذي يرفض  إستقرار العالم المحيط به.

    وفي تسعينات القرن الماضي شكلت أعماله أفكاراً فنية وجمالية جديدة من وجهة النظر التي كانت تتفق والتبدلات التاريخية والإجتماعية والثقافية الجارية في بلاده، ورافقت حصول أوزبكستان على الإستقلال. ودخلت أعمال جولان عمربيكوف، مرحلة النضوج الفني، وبدأت معها مرحلة جديدة. قريبة من إختياراته الفردية، ومن جديد امتد نظر الفنان التشكيلي نحو التفكير بخبراته الذاتية، وبإستراتيجيته الخاصة في العمل، ولكنه في كل مرة كان يضحي بإكتشافاته الذاتية مل أجل تقديم الجديد. وأحس قبل كل شيء بالحرية، والسهولة، اللتان تؤديان إلى أبحاث فنية غير منتظرة، وأنتج أعمالاً صورت ذكريات الطفولة، والتاريخ القديم، والأساطير، ومختلف الإنطباعات، ورسم الاسكتشات في الأسواق والأماكن العامة، وكلها تحولت وبسهولة إلى حلقة وصل بين الخطوط الملونة والأشكال الجديدة، لتكون بداية لتاريخ لا ينتهي. يمكن توحيده شكلياً بالألوان المفترضة ضمن سلسلة أنتجها بشكل متوازي خلال تسعينات القرن الماضي، وحتى خلال سنوات الألفية الثانية، وجذبت مبادئ الإختلافات اللانهائية بدايات جديدة للفنان التشكيلي. ومن مسلسلاته التي أطلق عليها تسمية “تاريخ الفلكلور”، يمكن مشاهدة لوحاته: “الملاكين” و”عند الماء”، و”الطقوس”، و”معركة الديكة”، و”من أجل الماء”، و”الأم والأطفال”، و”الرقص مع الجان”، ونفذ هذه المشاهد غير المعقدة، من خلال جمالية الديكور والخطوط الجميلة التي تمكن منها الفنان هذا التشكيلي الموهوب.

    ويعطي هذا الأسلوب الجديد والعناصر المرئية في الوجوه والأوضاع، لغة جديدة في أعماله الجديدة، التي ترفض كل الأعراف والتقاليد الفنية، وكل ما يمكن تفسيره في اللوحة. وبذلك كان جوهر أعمال جولان عمر بيكوف هو الإبتعاد عن التصوير أثناء التنفيذ، والعمل يدقة على قماش اللوحة، وتقديم الجوهر الملموس من خلال مقدراته الفريدة في تصوير أية خلفية بالديكور فقط، لتصبح اللوحة كاملة ومتقنة ضمن لوحات هذا الفنان التشكيلي المبدع.

    thumbnail_لوحة3ومع مرور الوقت جمع جولان عمربيكوف الكثير من مسلسلات لوحاته الجديدة، وترجمها في لوحته الثلاثية “صيف طفولتنا” (2003). والتي ضمنها مشاعر شاعرية خاصة، وصور فيها تراكيب متعددة الأجزاء في عمل واحد جنبا إلى جانب مع مشاهد حصاد المحصول، والموسيقيين، والأمهات والأطفال عند نبع الماء، وغيرها من الخلفيات المعروفة في أعمال هذا الفنان التشكيلي البارز خلال السنوات الماضية. على حواف الألوان الصفراء، والزرقاء، الغنية والصافية في آن معاً، وحد بين ألوان السماء الزرقاء والأرض، في تفاصيل متنوعة مع توافق حر. ويمكن مشاهدة كيف تمكن هذا الفنان التشكيلي  من جمع الكثير من إكتشافاته وبحوثه بأسلوب الثلاثيات: الخلفيات الزرقاء والصفراء المعقدة، وكيف جمعها كالزجاج الملون وشظايا التكوينات الكروية، ووضعها كلها في أغنية ألوان عن أيام التناغم في الحديقة المشرقة والطفولة الهادئة.

    وتطور جولان عمربيكوف كان وفق منطقه الخاص، ومن خلال سيره على طريق لا يشبه طريق أحد، وكما هي الحال لدى كل إنسان موهوب، ومع موكب الفنون التشكيلية المتميزة كانت لوحته “مذبح الحقائق الأبدية”. إذ كان الفنان التشكيلي مخلصاً لروحه التجريبة، وكان في حوار دائم ونشيط مع الأشكال، والألوان، وفي كل مرة كان يعيد تكوين أسلوبه في البصريات، ليثير العجب بابحاثه الجديدة. وفي نفس الوقت لوحظ أن هذا الفنان التشكيلي شعر بتحرره من أية قيود مسبقة، وتحرره من الإطارات الضيقة لأسلوب واحد، مع الحفاظ على الحاجة للتوسيع الدائم لحدود إبداعاته الفنية التشكيلية على الرغم من أنه وكما هو ملاحظ، كان يعرف كيف يحافظ على أسس التفضيلات، في الخبرة المكتسبة.

    وفي محاولة لفهم جدلية مراحل تطور جولان عمربيكوف، والطبيعة الجدلية في أعماله الفنية، نلاحظ أنه توجه نحو تشكيل الأفكار على اللوحة، من خلال مبادئ الحداثة. وكانت الحداثة هذه ترافق الفنان التشكيلي دائماً من ضمن القوالب الشرقية، وحبه لمكونات اللوحة، وأسلوبها، بميل واضح نحو  تقوية التصميم. ولهذا نجح هذا الفنان التشكيلي بخلق حوار بين نظامين مختلفين في الفنون التشكيلية غربي وشرقي، ولم يتناقض هذا الأسلوب في لوحات جولان عمربيكوف، لأنه كان يؤدي دائماً إلى اكتشاف أنواعاُ فنية تشكيلية جديدة، من خلال فكرة “الحداثة” الملازمة للفنانين التشكيليين ذوي التوجه الحداثي، وهكذا جدد هذا الفنان التشكيلي الملهم نداءه للفنانين التشكيليين المعاصرين ليلتزموا بقوانين الفنون التشكيلية الشرقية، التي إعتبرها مصدراً لتشكيل أي نمط فردي في الفنون التشكيلية المعاصرة.

    ولهذا كانت لوحات الفنان التشكيلي جولان عمربيكوف تجمع وببراعة ما وصلت إليه الأصوات الثقافية المختلفة، ولو أنها كانت أحياناً أصواتاً غائبة، وأحياناً أصواتاً مندمجة. ومن خلال موهبته، المتمثلة بالقدرة على الحفاظ على فكرة وحدة العمل من هذا القبيل ضمن عالم متناقض، نعيشه اليوم.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    المراجع:

    الدكتورة نيغورة أحميدوفا: جولان يوسوبوفيتش عمربيكوف فنان الشعب الأوزبكستاني، عضو أكاديمية الفنون الجميلة بجمهورية أوزبكستان. صفحة أكاديمية الفنون الجميلة بجمهورية أوزبكستان. 17/6/2016.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    * دكتوراه في العلوم السياسية (DC) تخصص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة، ودكتوراه فلسفة في الأدب (PhD)، تخصص صحافة. بروفيسور متقاعد.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *