الأربعاء 11 أكتوبر, 2017

    القدس في الذاكرة الإسلامية

    القدس في الذاكرة الإسلامية

    السيد محمد رضا السلمان

    p-1للقدس أهميتها وقدسيتها، وهي واحدة من المدن التي تربعت بقلب الإنسان بما هو إنسان، ثم باتت تأخذ خصوصيتها من خلال أولئك الأعلام الذين طرقوا أبوابها وثبّتوا فيها مجموعة من المبادئ والقيم والمفاهيم، من الأنبياء والرسل والأولياء ومن فُتح على يده.

    فللقدس رمزيتها وتعني الكثير للإنسان، كما تعنيه بالضرورة لمن ينتمي لدين الإسلام الحق، خاتم الرسالات. وقد اقتطعت القدس من واقع الأمة وتاريخها الكثير، وشغلت مساحة من القرآن الكريم، واعتنت بها السماء اعتناءً ملحوظاً من خلال آيات تنوعت تراكيبها، لكن المشار إليه واحد وهي القدس.

    كما أن السنة المطهرة مشبعة بالنصوص التي تعنى بهذه المدينة، لذلك حظيت هذه المدينة بالمكانة الخاصة في قلوب المسلمين عامة دون استثناء إلا من لا يحمل شعوراً بالمسؤولية تجاهها، ولا يحمل ارتباطاً خاصاً بالإسلام.

    فرمزية القدس إسلامياً يقدمها لنا القرآن الكريم والسنة المطهرة والأدبيات العامة والسلوكيات التي تسهم في تقديم هذه المدينة لنا.

    هي أولى القبلتين وثالث الحرمين كما في الكثير من الروايات التي اعتنى بتوثيقها حملة الحديث، وهي منتشرة في كتب الفريقين الخاص منهم والعام. كما أن القرآن الكريم قد أصل لهذه المدينة وأعطاها بعداً دينياً واضحاً.

    ففي سورة المائدة مثلاً: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوْا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إْذْ جَعَلَ فِيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوْكَاً وَآتَاكُمْ مَا لَم يُؤْتِ أحداً مِنَ العَالَمِيْنَ~ يَا قَوْمِ ادْخُلُوْا الأَرْضَ المقَدَّسَةَ الَّتي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوْا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِيْنَ﴾([4]).

    إذن للمدينة أهميتها في الدستور الأول، ولولا الأهمية التي تحظى بها، ولولا ما تعنيه لواقع الأمة يومها وما هو المستقبل، لإيماننا أن الغيب واحدة من المفردات التي اتكأت عليها الرسالة المحمدية في عبورها الزمن، لما كان لها هذه العناية في أقدس ما لدى المسلمين وهو الكتاب الكريم. والشواهد على ذلك كثيرة.

    و هي مسرى النبي الأعظم محمد (ص) وبذلك تشكل وتمثل محطة من محطات الإسلام الخالدة الكبرى، حيث ملازمة علم الغيب للكثير من آناتها، لأن مسألة الإسراء والمعراج تحسب بالآنة الواحدة. فالنبي (ص) في إسرائه ومعراجه قطع الكثير من العوالم المثقلة بحكم المادة والمشبعة بالبعد المعنوي.

    ومسألة الإسراء والمعراج من المسائل التي أولاها العلماء والفلاسفة أهمية خاصة لأنها تمثل لهم منفذاً لمعالجة إشكالية فهم الروح، وما الذي تعنيه الروح. وسبق لي في بعض السنين أن تعرضت لهذا الحقيقة، وأصّلت لها من الكتاب والسنة وأقوال العلماء، بما هو المتفق أو المفترق عليه.

    إن للإسراء والمعراج قيمته وانعكاسه والواضح على بناء وتفريع هذه الأحكام اليت تؤمن العلقة بين المسلم ومبدئه.

    إن هذه المدينة تكتسب خصوصية من خلال صلاة الكثير من الأنبياء والرسل والأولياء والعباد الكُمَّل بل العبّاد بالمطلق. ولا شك أن تكرر العبادة في مكان تضفي عليه قدسية، لذلك أعطى الإسلام في التقسم الفقهي أساساً من هذا النحو، فهنالك المسجد الحرام ومسجد النبي (ص) والمسجد الجامع، ومسجد السوق، ومسجد الكوفة، والمسجد الأقصى، ومسجد الحي، ومسجد العشيرة، وهكذا. فلكل من هذه المساجد خصوصيته، ففي المسجد الأقصى خصوصية، وهي أن الأنبياء ترددوا على هذا المكان بوجودهم المادي، أي أثناء حياتهم، وتقلبوا بين جنباته، وأدوا طقوس العبادة من تبتل وانقطاع وخشوع وخضوع أمام عظمة جبار السماوات والأرض. وهذا يمنح المكان الذي دخله الأنبياء وتعبدوا فيه وكتب له أن يسرى بسيد الأنبياء والرسل إلى السماء خصوصية خاصة.

    فتوحات القدس:

    لقد فتح المسلمون بيت المقدس على مرحلتين، إذ دخلوه أيام الخليفة الثاني فاتحين، وبعد الفتح شرعوا في عمارته، وكشف النقاب عن مجموعة من الروايات التي كانت مكتنزة. وهذا ما نراه اليوم في حياتنا عندما يحدث حادث ونريد أن نربطه بحياتنا، إذ نستحضر ما لدينا من روايات، بينما تكون قبل ذلك غائبة أو مغيبة.

    فبعد فتح بيت المقدس انبرى من هنا وهناك من يقول: سمعت رسول الله، وقال رسول الله، وهكذا.

      أما الفتح الثاني للقدس فكان أيام صلاح الدين الأيوبي التكريتي، وهو من الكرد، وذلك سنة 583 هـ . فقد طرد الصليبيين من القدس.وعندما نذكر الصليبية فلا نعني بها المسيحية، ولا بد من التفريق وعدم الخلط. ففي الدراسات التاريخية يفرقون بين الصليبية والمسيحية، إذ إن المسيحية ديانة سمحة، وهي دين النبي إسماعيل (ع) أما الصليبية فهي تكتّل وتحزب وعنصرية، وقد أريقت بسببها الكثير من الدماء، بل لم ترق دماء على وجه الأرض أكثر مما أريق على يد الصليبية، وهم الذين غرسوا بذرة الصهيونية العالمية، وأداروا حركة الماسونية. فالمسيحية غير الصليبية، وهي دين محترم، وفي الدين الإسلامي روايات كثيرة تعنى بنظم الحياة مع هؤلاء في كافة المجالات العبادية والمالية، ولكن عندما يرفع شعار الصليب ويسيَّس ذلك، تجد النكبات التي نراها اليوم في العالم. فجميع النقلات التي حصلت في العالم المستضعف بأسره كانت للصليبية يد فيها، وهؤلاء يستدلون بالنصوص المحرفة والمتقولة والمنسوجة على لسان النبي عيسى (ع).

    كان صلاح الدين الأيوبي قائداً عسكرياً ممتازاً من الناحية العسكرية، وقد حاصرها في أول رجب ودخلها ليلة الإسراء والمعراج، وأخرج منها الصليبيين وطردهم، وكان انتصاراً كاسحاً، لكنه أخفق في القراءة السياسية للمشهد، إذ بنى على أن عدو عدوه صديقه، وفشل في ذلك. فقد قرّب اليهود، ومكنهم من بعض المواطن، وهذه واحدة من المآخذ على حركة صلاح الدين الأيوبي الفاتح آنذاك.

    أما رمزية القدس عربياً فتتمثل بكونها أرضاً عربية كنعانية تضرب في تخوم التاريخ. فهي عربية بثقافتها وآدابها، فلو استنطقت حَجرها لقال: أنا عربي، ولو ناجيت سماءها لقالت: أنا عربية، ولو شربت من مائها لكان في كل قطرة منه ما يدلل على أنها عربية، وهذا ما يحمّل العروبة الكثير من المسؤولية تجاه هذه المدينة التي تستصرخهم.

    ورمزيتها العربية تتلخص في خصائص كثيرة:

    1 ـ وجود لغة مشتركة بين أهل هذه المدينة وعموم المحيط من حولها، فجميع الدول المحيطة بها عربية، وهي بنت العرب. واللغة العربية سيدة اللغات وأشرف اللغات بتشريف القرآن الكريم لها، فاللغات من حيث الأصل لغات إنسانية ولا خصوصية لإحداها على الأخرى، ولكن حيث خاطب الله تعالى نبيه الخاتم بلسان العرب، فهذا يعطي للغة العربية قدسية قيمة وقدسية خاصة. كيف لا؟ والثقل الأول والثاني عربي في جوهره، فمحمد (ص) عربي، والقرآن عربي، وآل محمد عرب.

    2 ـ الثقافة المشتركة بين أبناء القدس وسائر المحيط من حولها، من المحيط إلى الخليج، فالمسارات الثقافية كلها تمثل ظاهرة واضحة تعني في ما تعنيه أن القواسم التي يتم الاتفاق والالتقاء والانطلاق بناء على وجودها، هي الوحدة في المنطلق والهدف، ما لم تنحرف البوصلة، فإشكالية الأمة، وما استوجب الإخفاقة في أكثر من موطن زماناً ومكاناً وحدثاً هو انحراف البوصلة، إما بسبب القادة أحياناً، أو بسبب الأمة والشعوب، وأحياناً تشترك الأمة مع الشعوب في حرف البوصلة، ولك أن تقرأ تاريخ هذه المدينة لتدرك ذلك بوضوح.

    إن الثقافة تعني الأدب، من الشعر والنقد والنثر والتاريخ والسير والقصص، كما تعني الفن، من السينما والدراما والفلكلور الشعبي وغيرها. كل ذلك يحكي قيماً يحملها ذلك المجتمع فيعبر عنها بقوالب متعددة. وهذا حتى في زمن الرسول الأكرم (ص).

    فلما هاجر النبي (ص) ووصل إلى المدينة المنورة كان للفن الشعبي دور في لفت النظر العام لما يحصل من وصول النبي (ص)  المدينة المنورة وتشريفه إياها.  فقد استقبلوه وهم ينشدون:

    طلع البدر علينا   من ثنيات الوداع

    وهي أنشودة خالدة عبرت الزمن، لأن للفن فيها إسهاماً، وهذه رسالة لمن يحارب الفن ويقتله في صدور حامليه، فالنبي (ص)  لم يصادر هذه القيمة في ذوات الناس، فلماذا نحاربها ونصادرها نحن في ذوات الناس ونقاتل أفرادها الذي يحملونها؟

    3 ـ كونها تمثل قطعة من جسم الوطن العربي الكبير: وهذه واضحة بينة يؤكدها التاريخ العربي والإسلامي والإنساني.

    أما واقع المدينة بعد الاحتلال في النكبة عام 1948 فكان خلاصة ما أراد أن يصل إليه أرباب الصليب والذي على أساس منه نزا الصهاينة من اليهود على أكتافهم، وكان الضحية هو الإسلام والمسلمون والمدينة الموؤودة (القدس).

    ونسأل هذا السؤال: هل كان ذلك لضعف عند العرب والمسلمين؟ الجواب: كلا، فاليهود لم يكونوا يتجاوزون ثلاثة إلى أربعة آلاف شخص في أقصى حد، نعم، كان لهم احتضان ماسوني صليبي عالمي، أما المسلمون فهم متهالكون يتناحرون فيما بينهم، والدولة العثمانية تحتضر وتريد أن تتخلص من أبنائها، ومن هؤلاء الأبناء الذين وئدوا القدس.

    لقد شغلت القدس مساحة من ذهنية علماء الإمامية، فعلماء الإمامية ما انفكوا في يوم من الأيام، منذ أن حصل ما حصل، عن الاهتمام بهذه القضية وإعطائها الكثير من أولوياتهم، وهذا واضح، بل لا يستطيع أحد أن يزايد على هذا المربع، غاية ما في الأمر أنه يحتاج إلى قراءة.

    إن الصفحات البيض في تاريخ علمائنا التي تؤسس للأخوة والمحبة والسلام والتعاون والرحمة والألفة لا نسلط الضوء عليها، إنما نسلط الأضواء على فلان ماذا قال في حق فلان؟ ونجعل منها (قضية فلسطين) ونسلط الضوء على فتوى فلان أو فلان، ونشغل أذهاننا وأوقاتنا وجهودنا وأفكارنا والآخرين بهذه القضايا. حتى بلغت بنا النوبة اليوم أن بات الواحد منا يقتل الآخر فكرياً وثقافياً وحضارياً على أساس من الاستعانة بالفتوى، وهذا واضح. وإلا ففي تاريخ علمائنا من النورانية والإشراق والالتفات إلى أهمية المسؤولية وخطورة الواقع الشيء الكثير.

    الجمعة 1438/9/28هـ 23/6/2017 م

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *