الخميس 17 أغسطس, 2017

    بين حسين العلي وحماره

    بين حسين العلي وحماره

    علي .أ. دهيني

    houssain al-aliإلى مَا يحتاج العقل كي يوسم نتاجه بأنه فلسفة؟ وما هو الفرق بين الفلسفة والسفسطة؟ وكيف تتحول السفسطة إلى فلسفة وبالعكس؟

    خَبَلني صاحبي الفهيم وصاحبه الحمار، حتى أنني بين فينة وبرهة، وكلما تحرك لساني في قول أو حديث، هرعت إلى المرآة أتأكد من حال أذناي.!

    إلاّ أنني انتبهت بعد حين أن “الأذنان” إنما هي من دلالات شكل الحمار وليس من خلاصات تفكيره وأفعاله، ولأن صفة الحمار أنه غنيٌّ عن إعمال العقل رغم أنه لا يحتاج أكثر من مرة أن يسلك طريقاً حتى يحفظها بإتقان، مطيع بخضوع، غنيٌّ عن التفكير ويسير بحسب أهواء صاحبه، صامت لا يشكو مهما كانت طريقة استعماله من قبل صاحبه أو تصرفه معه.

    الصمت والانقياد وتنفيذ المطلوب بخضوع، حتى وإن جاع، حتى لو أنزف السوط جلده.. هذا هو الحمار.

     حينها، حرت في نفسي، وصرت أبحث عن آلية أفحص بها تفكيري وأرقب من خلالها أفعالي.

    إذن حمرنة الشكل مجازاً، إنما هي إسقاط على العقل.

    الحمدلله..

    أخذت زفيراً دون شهيق، وابتعلت ريقاً دون نهيق، وأرخيت أعصابي المشدودة خشية أن يكون شكلي إنسان وعقلي حمار.

    حمدت الله أن عقلي لا بأس به، على الأقل بما يعتبره الناس أنه عقل عاقل، لأنني قدرت أن أعي ماهية حمار حسين العلي.

    أوصلني إلى هذه القناعة صاحبي حسين العلي القاص السعودي، الذي دأب ينطق على لسان حماره، وكاد أن يقنعني أن حماره أكثر فهماً منه.

    إذن، الحمار “الفهيم” هو النافذة المفتوحة على الحرية التي يتسنم حسين العلي هواءها ولا يجرؤ أحد أن يحاسبه على رفقته للحمار الذي آخاه.. واستطاب مؤاخاته. لأنه حمار الشكل وليس العقل، وهو حمار مبدع في نتاجه. حمار فيلسوف. أليس إسُّ الفلسفة تحرير العلل وسكون العقل.؟

    himar houssain-1هذا الحمار تراه ينتقد كل ما تنقله عين حسين العلي وعقله وتفكيره، فيحيله إلى مادة إبداعية ساخرة، كوميديا سوداء، تنقل حقائق الواقع المغلفة بصمت نمطية الاستسلام للإملاء، على كل صعيد بدءاً من داخل الأسرة وصولاً إلى الإذعان وتنفيذ كل توجيهات قيادة المجتمع، مروراً بالعلاقة البينية في أفراد المجتمع، والأخذ بظاهر الأمور وليس بحقائقها المعرفية أو الإنسانية، أو حتى طويتها، ويسلط الضوء عليها ليظهر عوراتها، أو شيطنتها، أو تسلطها، أو جبروتها.. وظلمها.

    يؤكد حمار حسين العلي، أن الانغماس والتشبث بالعادات الاجتماعية والتقاليد الموروثة ليست بالضرورة كلها تصلح لكل زمان ومكان، وأن العقل الذي أوجدها كانت حاجة له في حينه، وأنه يجب مع تطور الإنسان وحاجاته وطريقة معاشة التي تتراكم فيها معطيات جديدة وفقا للحاجة الآنية، أن تتطور هذه العادات والتقاليد بما يتوافق مع تطور حاجة الإنسان. وما ينطبق على ضرورة تطور العادات والتقاليد، ينطبق على كل شيء في المجتمع، وبالدرجة الأولى على إدارته لأنها هي المسؤولة عن تهيئة الأرضية لهذا التطور.

    رفسني الحمار أن أسكت كي لا يُفهم من كلامي أنني أتحدث بالسياسة، وهذا محظور.

    himarفقد قرأت أكثر من أربع عشرة حوار بين حسين العلي وحماره تناولت قضايا أساسية في حياتنا الاجتماعية ، بإسلوبه الساخر على طريقة النقاد الاجتماعيين في المجتمعين الغربي والشرقي، بعد اطلاعه على بعضها، وفلسفات بعض الفلاسفة، مما جعله ينهج في حواراته بث ألمه وقهره من كل ما يحيط به، دون استثناء أو ممالأة أو محاباة، حتى ولو كان نقده يطال مفاهيم قدسية.

    متفرّد في جرأته رغم أنه يلبسها عباءة الفكاهة والغمز المبطن بقالب كوميدي يتضمن السخرية الجارحة، وهو أسلوب اعتمده أشهر الكتّاب المسرحيين في أوروبا عموماً وأبرعوا فيه أمثال :  وليم شكسبير الانكليزي، وموليير الفرنسي، وأريستوفان اليوناني ومواطنه ميناندر، والقائمة تطول.

    ولا يفوتنا أنّ أوان دراسة ما يقدمة حسين العلي لجهة الأدب المسرحي الساخر، مبكر جدا لما نلمسه من متابعة حثيثة منه لتطوير هذا النوع الأدبي، رغم أنه دون أدنى شك يوجب قراءة ما يقدمه بكثير من التأمل لجهة براعته في الرسم الكاريكاتوري بالحرف، حيث لا بد أن تحضر الصورة أمام الذاكرة لحظة القراءة.

    ببساطة، حسين العلي بواسطة حماره، قدر أن يحوّل السفسطة الكاريكاتورية إلى فلسفة اجتماعية. ويبيّن أن حماره “شكلا” هو حمار و”عقلاً” هو فيلسوف.

    قد يؤاخذني البعض على استعمال كلمة فلسفة، إلاّ أنني أعتبر كل سلوك الإنسان فلسفة.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *