الأحد 25 يونيو, 2017

    ثامر سباعنة: الأسر جعلني أكتب بالدم

    صادر السجان الإسرائيلي روايته مع تعذيب واعتقال متكررين

    ثامر سباعنة: الأسر جعلني أكتب «بالدم» وهو خزان إبداع وثقافة حرية

    حاوره د. أنور عبد الحميد الموسى

    mousa-1

    saba3mah

    «كلما أقف على باب السجن لأودع إخوتي الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي… تنزف الدموع من عيني؛ لأني أرى في عيونهم الفرح الحقيقي لحريتي، بينما لا يزالون هم بالأسر، ومنهم من ينتظر سنوات طويلة…»

    عبارات مؤثرة ومؤلمة جدا، أطلقها الأسير الكاتب ثامر سباعنة عند الإفراج عنه مؤخرا من السجون الإسرائيلية، بعد رحلة عذاب واعتقال تتكرر فصولها في حياته، حيث بلغ عددها حتى الآن ست مرات، ضمن ما مجموعه سبع سنوات سجن على الأقل!

    سباعنة الذي لا يزال يذكر عذاب أصدقائه الأسرى، يروي أيضا فصول تعذيبه، يقول: بقيت خمسة أيام مكبل اليدين والقدمين وأنا أعذب، على كرسي التعذيب.. لم يسمح لي سوى بخمس دقائق لتناول الطعام!

    ومع ذلك، وجد في السجن وقتا وافرا للقراءة والتأمل والكتابة والإبداع، يقول: «ولدت إنسانا آخر في السجن الذي هو مدرسة وجامعة لمن أراد…»

    فهو إذ يأسف على التقصير الرسمي والدولي تجاه الأسرى العرب والفلسطينيين في سجون الاحتلال، يؤكد أن قلم الأسير سلاح.. ويقول: الاحتلال يعلن حربه على القلم والكتابة، فيصادر المواد المكتوبة للأسير..!

    يروي متحسرا: صادر السجان روايتي التي كتبت منها مئتي صفحة، وهدد بوضعي في الزنازين إن ألقى القبض على مادة جديدة!

    لكن ذلك، لم يحل دون تحديه السجان، فألف الكتب والمقالات..  وجلها للدفاع عن الأسرى وتسجيل ظروفهم.. فضلا عن توثيق سيرة نحو 60 معتقلا…

    ويربط سباعنة بين الإبداع والمعاناة… ويردد: إن المعتقلات مفعمة بالحياة الثقافية المناهضة للاحتلال… والسجن مادة ضخمة للقصص والروايات والأفلام..

    فمن هو ثامر سباعنة؟ ولم اعتقل؟ وكم مرة…؟ وكيف عذب وتحدى؟ وكيف حول الأسر إلى تحد وإبداع؟ وما موقفه من الأسر والكتابة؟ وما نتاجه؟

    أسئلة جمة أجاب عنها سباعنة برحابة صدر وصبر تعلمهما من أدب السجون والتحدي والعنفوان…

    مع كاتب ملتزم ثائر… يكتب بالأحمر… كان لنا هذا اللقاء التاريخي الهادف، تكريما لكل أسير حر ثائر مناضل..

    1-من هو ثامر سباعنة الطفل والإنسان والمثقف؟

    ثامر عبد الغني فايق سباعنه؛ هو ذلك الفلسطيني المولود في الكويت العام 1976، وتعرف إلى فلسطين من خلال حكايا والدته، وذكريات والده، فزرع فلسطين في قلبه وبات يحلم بيوم العودة، وبالفعل عدت إلى فلسطين العام 1996، حيث بدأت بدراستي الجامعية في جامعة النجاح الوطنية تخصص هندسة زراعية، وهناك بدأ نشاطي الطلابي، وانتخبت عضوا في مجلس الطلبة في الجامعة العام 1999، واعيد انتخابي من جديد العام 2000…

    وكانت بدايتي مع الكتاب من خلال والدي الذي كان يحرص على إحضار قصص الأطفال لي، وما زلت أذكر بداياتي مع مجلة ماجد، واستمر تعلقي بالقراءة والاهتمام بها حتى الآن.

    2-ما سر التزامك وتمردك في كتاباتك؟

    الكتابة بدأت معي منذ الصغر، حيث كنت أكتب القصص القصيرة التي تتحدث عن فلسطين والاحتلال، وعندما انتقلت من الكويت إلى فلسطين، أمضيت عامين وحيدا من دون وجود أهلي معي، ووقتئذ ٍ تطورت الكتابة عندي، وبدأت بكتابة سلسة من الرسائل، بعنوان: «إلى شيخي العزيز»؛ اذ إنه قد تردد على حلمي عدة مرات، وفيه شاهدت نفسي أصعد الى جبل عال، وأجد في قمة الجبل شيخا يلبس الأبيض، ويطلب مني هذا الشيخ أن أقفز، وبالفعل أقفز وأشعر بنفسي أحلق في السماء، ومنذ ذلك الوقت بدأت بالكتابه لهذا الشيخ، كنت أكتب له همومي وأحلامي وأوجاعي وحاجاتي، كنت أفرغ همي في هذه الأوراق والرسائل، وهكذا تطورت الكتابه عندي، خصوصا بعد الاعتقال، اذ إن السجن والأسر أثرا كثيرا في كتاباتي.

    كتبت في معظم الميادين، وكنت أنتظر التوجيه والمساعدة ممن هم أقدم مني في هذا المجال، وأصحاب الخبرة، لكن وللأسف، لم يقدم لي أحد التوجيه والنصيحة، وكان لهذا أثر في نفسي، لا أريد التشجيع فقط، بل أريد النقد البنّاء وتوجيهي لتصحيح الأخطاء…

    وجدت التشجيع من أصدقائي في مواقع التواصل الاجتماعي، وتلقّيت منهم الشكر والترحيب، وهذا شجعني أن أستمر بالكتابة، وأن أفتح ميادين جديدة، وبعد ذلك وجدت التشجيع من الشاعرة اللبنانية أسماء قلاوون التي قامت بطباعة أول كتاب مشترك لي ولها ولأخي محمد ونشره، وكان لهذا الكتاب أثر طيب في مسيرتي مع الكتابة، ثم كثرت المطالبات لي بجمع كل ما كتبته ونشره في كتاب، وبالفعل جمعت ذلك ونشرته في كتاب “خفقات قلب”.

    لا أبالغ إن قلت: إن كل مقال أو خاطرة أو كتاب أنشره أشعر أنه مولود وابن جديد لي، أفرح به وأسعد بانتشاره، ويهمني أن يصل إلى أكبر عدد من الناس.

    كتبت عن الأسرى لأني عشت جرحهم، وشاركتهم الألم، فوجدت أن من حقهم عليّ أن أنشر قضيتهم، وأن أحمل همّهم.

    كتبت عن فلسطين لأنها وطني الجريح الذي يسكنني…

    كتبت عن دعوتي، فهي رسالتي وطريقي في الحياة..

    كتبت عن الأمل والعطاء لأني أتمنى أن أغرسهما في قلب كل إنسان …

    كتبت عن الحب لأني عرفته وعشته مع شريكة عمري وشريكة جرحي زوجتي.

    3-متى اعتقلت أول مرة…؟ وما السبب؟ وكم مرة اعتقلت؟

    تعددت الاعتقالات لي، وكان أولها عند الاحتلال العام 1998 ، وكنت وقتها أعيش وحدي في فلسطين، اذ إني قدمت إلى فلسطين للعيش فيها تاركا أهلي بالاردن، وامضيت في هذا الاعتقال 3 شهور تعرضت فيها لتحقيق قاس جدا، حيث كان المحققون يلجؤون إلى منعي من النوم لخمسة أيام متواصلة، وأنا مكبل اليدين والقدمين، وأجلس على كرسي خاص بالتعذيب، وكان يُسمح لي فقط بخمس دقائق لتناول وجبات الطعام، ثم يتم إعادتي إلى هذا الحال على كرسي…

    تعرضت للاعتقال لدى الاحتلال 6 مرات، وأمضيت في المعتقلات ما مجموعه سبع سنوات…

    الاعتقال كان سببه بالبداية العمل الطلابي بالجامعه، وعضويتي بمجلس الطلبة هناك، ثم العمل الاجتماعي في منطقتي، ومؤخرا أصبح الاعتقال نتيجة كتاباتي ونشاطي الإعلامي ومناصرتي للأسرى.

    4-هل تؤثر السجون في اتجاهاتك الكتابية وتمردك؟ وكيف…؟

    إن السجن حالة شعورية خاصة، يصعب العيش فيها في خارج القيد.. امتزاج الألم بالحنين.. والشوق بالصبر والاحتساب… يولد لدى الكاتب أو الشاعر ملكة إضافية، بعيدا من التكلف المقصود في عموم الكتابات العادية.

    في السجن ساحة للعلم والفكر، على الرغم من محاولة السجان منع التطور.

    لقد وجدت في السجن وقتاً أوفر لقراءة كتب، ولولا السجن لما أتيحت لي الفرصة… فقد حلقت مع سيد قطب ومحمد أحمد الراشد، وجالست مصطفى صادق الرافعي، ونهلت من علم محمد الغزالي ما صقل فكري وأوضح طريقة تفكيري… لقد اكتسبت طول نفس في القراءة والتفكير، كنت أفقدهما في عالم السرعة الرقمي في الخارج…

    وأيضا أتيح لي المجال للالتقاء بتجارب علمية وفكرية تختصر المسافات، والبدء من الصفر، ولا ننسى الجلسات الثقافية والمساقات التعليمية والفكرية التي تساهم في صقل الأسير…

    لا أخجل إن قلت إني ولدت إنسانا آخر في السجن، وعرفت قيمة الأشياء والحرية، بعدما فقدتها. السجن مدرسة وجامعة لمن أراد…

    5-هل من اهتمام شعبي ورسمي بالمعتقلين؟

    الاهتمام الشعبي موسمي، فتجده أحيانا بقمة العطاء والتفاعل، وأحيانا لا تجد شيئا، أما الاهتمام الرسمي، فللاسف غائب، وهناك تقصير واضح وملموس، علما أن بإمكان الجانب الرسمي التخفيف كثيرا عن الأسرى، وتفعيل قضيتهم على كل المستويات والأصعدة ولا سيما الدولية.

    6-أيهما أقوى برأيك.. القلم أم السلاح.. في مواجهة المحتل؟

    لكل منهما دوره ووظيفته، بل كل طرف منهما يكمل الآخر ، والاحتلال يدرك ذلك، لذا فهو يعلن حربه على القلم والكتابة، بل إن سلطات الاحتلال تصادر المواد المكتوبه للأسير، وأنا مثلا جرت مصادرة رواية لي كنت قد كتبت منها أكثر من 200 صفحة، وكان هنالك تهديد بوضعي بالزنازين في حال تم القاء القبض على مادة جديدة…

    7-هل لك من نتاجات كتابية منشورة؟

    أجل، هناك عدة إصدارات لي، أولا في مجال المقالات، لي مئات المقالات التي تتناول الأسرى والأسر، وعلى مستوى الكتب فقد نشر لي ثلاثة كتب: الأول كان بعنوان: «قيود حرة» مع الشاعرة اللبنانية أسماء قلاوون، ورسام الكاريكاتير محمد سباعنه، ثم كتاب خفقات قلب، وكذلك كتاب «انهض بروحك»..

    وحاليا يتم طباعة كتاب بالأردن، بعنوان: كنت معهم بالأسر، ويتناول سيرة حياة 60 أسيرا، وكذلك كتاب (فسيفساء دعوية) وقد كتبت كل هذه الكتب خلال اعتقالي.

    8-هل أثر الانقسام الفلسطيني في وضع الأسرى ؟

    أضع الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني  وتبعاته، اهم سبب لضعف التفاعل مع قضية الأسرى، وقد يقول قائل: إننا أصبحنا نجعل من الانقسام شماعة نعلق عليها كل الأخطاء، لكن فعلا الانقسام أحد أهم أسباب تراجع وضعف التفاعل مع قضية الأسرى، بل مع كل قضايانا المهمة والمصيرية!

    9-هل يؤدي السجن إلى الإبداع الكتابي؟

    السجن يضغط على الاسير كي يستخرج منه كل ما يملك، وما يخفى، وما يخفى عليه، والظروف تجبره على ذلك أحيانا.. فخير جليس في السجن الكتاب، لكن أفضل وسيلة للتخفيف عن النفس، التعبير عما يجول في نفسك من خلال القلم والكتابة، وهناك مجال كي تناقش ما تكتب مع إخوانك، فالوقت متوافر لذلك، والحوار يثري الأفكار، والمراجعات تقوم الكتابة، والنقد يجعلها تتعمق وتتقدم على الرغم من القسوة والمعاناة التي يواجهها الأسير أو الأسيرة، إلا أن التعايش اليومي في ظل العزل والعلاقات الإنسانية التي تجمع المعتقلين، ومشاعر الابتعاد عن الأهل، هي ما تؤدي إلى إيجاد أو تطوير إبداعات مميزة، مثل الرسم والشعر وكتابة القصة…

    المعاناة تولّد الإبداع، لأن الإبداع لا ينتج عن شخص عادي يعيش في ظروف عادية، وإلا أنتج أدباً عادياً، أما الإبداع فإنه ثمرة مميزة يصدر عن شخص مميز يحيا ظروفاً خاصة، غالباً ما تكون معاناة وقهراً أو إحساساً بالظلم…

    إن عملية الإبداع في الواقع، هي تعبير عقلي قائم على مضمون وأحاسيس، تسمو بصاحبها إلى الروحانية والإبداع الفني وهي أيضاً صناعة إنسانية، تقدم للبشرية مادة جمالية بغرض إسعادها، ومن ناحية أخرى، فالفنون هي المثقف الأول للشعوب على آفاقها العريضة، لأنها ليست موجهة إلى فئة صغيرة من الصفوة خاصة، إذا كانت تقدم مضموناً واضحاً بعمق وبساطة.

    وعلى الرغم من القمع والاحتلال، تعددت أشكال الأنشطة الثقافية والتعليمية اليومية، سواء على المستوى الجماعي أو الفردي داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية، وأنتج الأسرى وسائلهم الخاصة، لتبقى هذه المعتقلات مفعمة بالحياة الثقافية المناهضة للاحتلال، لقد رفد الأسرى الفلسطينيون الأدب الفلسطيني بدوافع الإبداع وروافد التميّز،  لقد اكتسب ادب السجون خصوصية الثورة وعنف المقاومة، ورقة العشاق وطهارة الانتماء، ولكن الأدب الأسير لم يأخذ حقه في البحث والأضواء مع أن السجن ظلّ من أهم روافد الإبداع والتطور الفكري والثقافي والأدبي…

    10-هل عدد كتاب السجون كاف لتوثيق الانتهاكات بحق الانسان المسجون؟ وهل الكتابات بهذا السياق تعد وثيقة تاريخية وقانونية لمواجهة المحتل السجان؟

    في نظري عدد الكتاب قليل مقارنة بعدد الأسرى ومعاناتهم، بل إن المطلوب التنوع في الكتابات والمواضيع، فمثلا مطلوب كتابة الرواية والقصة القصيرة وكذلك المقالة والتقرير والرسم والصورة، بل ويتطور الأمر إلى الأنشودة والفيلم، وكل ذلك يساهم في رفد قضية الأسرى، ويسهم في نشر قضيتهم وخلق حالة من التضامن والتعاطف الدولي، وليس العربي فقط، مع الاسرى.

    وبالفعل تعد هذه الكتابات وثيقة تاريخية توثيقية لتاريخ الحركة الأسيرة.

    11-يقال إن قصص السجون مادة ضخمة للكاتب… هل توافق؟ وهل خضت الكتابة في قصص السجون؟

    فعلا الأسر والسجن مليء جدا بالقصص القابلة للنشر، بل والتحويل إلى أفلام وروايات، وهذه المواد غنية بالأحداث والعواطف التي تشد القارىء، وتضيف له شيئا جديدا، وقد بدأت أنا بإعداد رواية بعنوان: مولاتي، وهي تتحدث عن تجربة عدد من الأسرى في سجون الاحتلال.

    12-هل تلقى قضايا المعتقلين الاهتمام الكافي محليا وعربيا؟

    هناك تقصير تجاه هذا الملف المهم، أكثر من ستة آلاف أسير فلسطيني وعربي يقبعون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، بينهم عشرات النساء ومئات الأطفال، بالإضافة إلى أكثر من ألف وخمسمائة أسير مريض يحتاج إلى علاج فوري ومتواصل، ولا تقف الحكاية هنا فقط، فهؤلاء الأسرى هم جزء من آلاف العائلات التي باتت تعاني من الوضع النفسي، بالإضافة إلى الحال الاقتصادي الصعب بسبب غياب المعيل للأسرى خلف قضبان الاحتلال…

    للأسف، هنالك من يقزم ملف الأسرى إلى ملف إنساني فقط، وأنه ملف خاص بالفلسطينيين فقط، لا ننكر الجانب الإنساني في موضوع الأسرى، ومقدار ما يعانيه الأسير من حرمان وظلم وقسوة من سجانه، بالإضافة إلى معاناة الأهل، لكن ذلك لا يعني إغفال باقي الجوانب المهمة في موضوع الأسرى، فالجانب القانوني له دور مهم وحساس، ويمكن من خلاله الدخول بقوة إلى موضوع الأسرى والعمل الجاد على حمايتهم، وحفظ حقوقهم، من خلال تفعيل الجوانب القانونية، والعمل على تعريف الأسرى بحسب القانون الدولي، على أنهم أسرى حرب، ومن حقهم أن يعاملوا بناءً على هذا القانون، والسعي عبر المنابر الدولية من أجل فضح الممارسات الإسرائيلية بحق الأسرى، واستثمار المؤسسات الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان من أجل تفعيل الجانب القانوني والإنساني بحق الأسرى.

    13-ما دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في فضح الانتهاكات ودعم المعتقلين؟

    لعل للإعلام دورا مهما وحساسا… وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي… وساحدثكم عن حكاية جرت معي مع بداياتي على مواقع التواصل الاجتماعي… حيث انشأنا أول مجموعة تهتم بالأسرى، وأسميناها أخبار الأسرى، وبعد أشهر من إنشاء المجموعه راسلني أحد الإخوة العرب من الجزائر، وقال لي: لأول مرة أعرف ان هناك أسيرات فلسطينيات في سجون الاحتلال!

    وكان لهذه الرسالة وقع صعب جدا علي، ورأيت أن من واجبنا نحن أولا كشباب فلسطيني، أن ننشر قضيتنا بالشكل المطلوب، ثم مطلوب من الشباب العربي والمسلم تبني هذه القضايا ونشرها….

    ولمواقع التواصل الاجتماعي دور مهم وحساس وحيوي… فمن نشر الأخبار لنشر الصور لإقامة الفعاليات والأنشطة الداعمة للأسرى بكل الطرق المتاحة…، ولا بد من أن ندرك أننا قادرون على التغيير،… وأن لا نستهين بأنفسنا.

    14-لمن تكتب؟ ولم…؟

    سألني البعض : لماذا تكتب؟ بل وتمر عليّ لحظات أسأل فيها نفسي: لماذا أكتب؟ ما الفائدة مما أكتبه؟ هل أستمر في الكتابة أم أتوقف؟!

    أتردد أحياناً وأنا أمسك القلم، هل أكتب أم أتوقف؟ ولعل هذا الشعور أعيشه عندما أكتب أو أنشر ولا أجد تعليقاً أو متابعة لما أكتب!

    لكن عندما أعود إلى نفسي وأبحث في زوايا الروح، أجد أني لا أكتب ترفاً أو بحثاً عن مجد زائف زائل، ولا أكتب متصنعاً أني أكتشف أو أضع نظريات وقوانين جديدة، ولكني أسعى أن أوجه أنظار الناس إلى هذه الحقائق والبديهيات التي يمكن أنهم تاهوا عنها في ظل انشغالهم في معمعة الحياة وملهياتها ، أسعى بقلمي وأوراقي أن أبدّد الغيوم المخيمة على كثير من عقول شبابنا.

    في سورة الأنعام قال تعالى: ” فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون”، وفي السابق كان ميدان العمل متاحاً ومتوفراً، والساحة نشطة بالعمّال والأعمال، لكن بعد الانقسام والملاحقات ضعف ميدان العمل، وقلّ العمّال، ووجدت ميدان الإصلاح المتاح لي هو الكتابة، لذا عدت للقلم والأوراق لأحوّلها ساحة عمل وميدان إصلاح، خصوصا أن لي ماضيا مع القلم، فقد كنت ألجأ إليه دائماً عندما تضيق بي الدنيا، فأبثّ له همومي وأحزاني وأوجاعي، والآن أعود إليه لأحوّله ميدان إصلاح، وأذكر كلام صاحب الهمّة العالية عمر بن عبد العزيز رحمه الله _ إذ قال:  إن لي نفساً توّاقة وإنها لم تُعط شيئاً من الدنيا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، وأنا على يقين أن أكثر الناس يرضون أن يكونوا عاديين، ولا يبحثون عن النجاح والتميز، ولا أتردد عندما أقول إني أسعى دائماً للنجاح والتميز والعطاء، وقد تكون الكتابة ميداناً لهذا.

    أدرك أيضاً أن أمّتنا تعيش أزمات وآلاماً، وأسعى بقلمي أن أساهم في تخفيف هذه الآلام، خصوصا أن القلم قد يكون أقوى سلاح في يد من يحسن استخدامه، وقد يكون سلاحاً لا ينضب.

    كتبت في معظم الميادين، وكنت أنتظر التوجيه والمساعدة ممن هم أقدم مني في هذا المجال، وأصحاب الخبرة، لكن وللأسف لم يقدم لي أحد التوجيه والنصيحة، وكان لهذا أثر في نفسي، لا أريد التشجيع فقط، بل أريد النقد البنّاء وتوجيهي لتصحيح الأخطاء.

    وجدت التشجيع من أصدقائي في مواقع التواصل الاجتماعي، وتلقّيت منهم الشكر والترحيب، وهذا شجعني أن أستمر بالكتابة، وأن أفتح ميادين جديدة، وبعد ذلك وجدت التشجيع من الشاعرة اللبنانية أسماء قلاوون التي قامت بطباعة أول كتاب مشترك لي ولها ولأخي محمد ونشره، وكان لهذا الكتاب أثر طيب في مسيرتي مع الكتابة، ثم كثرت المطالبات لي بجمع كل ما كتبته ونشره في كتاب، وبالفعل جمعت ذلك ونشرته في كتاب “خفقات قلب” . لا أبالغ إن قلت إن كل مقال أو خاطرة أو كتاب أنشره أشعر أنه مولود وابن جديد لي، أفرح به وأسعد بانتشاره ويهمني أن يصل لأكبر عدد من الناس .

    كتبت عن الأسرى لأني عشت جرحهم، وشاركتهم الألم، فوجدت أن من حقهم عليّ أن أنشر قضيتهم وأن أحمل همّهم.

    كتبت عن فلسطين لأنها وطني الجريح الذي يسكنني..

    كتبت عن دعوتي فهي رسالتي وطريقي في الحياة..

    كتبت عن الأمل والعطاء لأني أتمنى أن أغرسهما في قلب كل إنسان…

    كتبت عن الحب لأني عرفته وعشته مع شريكة عمري وشريكة جرحي ومن كانت البلسم لجراحي، وأعانتني على إكمال دربي بثبات وابتسامة.. زوجتي..

    كتبت وكتبت وسأستمر بإذن الله بالكتابة، رغم أن هناك من حاولوا منعي وكسر قلمي أكثر من مرة.. فتمّ اعتقالي أكثر من مرة، ومنعت من النشر في أكثر من مكان، ولكن… رضعت من أمي الإصرار والعناد بالحق مهما كان ثمن ذلك.. لذا لا زلت أكتب وبإذن الله سأكتب…

    15-كيف تتعامل إدارة السجون مع المضربين…؟

    إدارة السجون تقوم بمصادره كل ممتلكات الاسير المضرب، وتتركه في زنزانة حقيره ، وتقوم بتفتيش الغرفه بشكل دوري وأحيانا مرتين باليوم، لإرهاق الاسير المضرب وكذلك تخويفه.

    16-ما كلمتك الأخيرة؟

    لعل من أصعب لحظات الاعتقال لحظة الإفراج…

    كلما وقفت على باب السجن لاودع إخوتي …كانت الدموع تنزف من عيني لأني أرى في عيونهم الفرح الحقيقي لحريتي، بينما ما زالوا هم بالأسر، ومنهم من ينتظر سنوات طويلة.

    ***

    قصة واقعية من كتابات ثامر…

    شروق دويات ..عندما تبكي القدس

    بقلم ثامر سباعنه

    الدموع لم تقتصر على البشر، بل باتت المدن أيضا تعرف الدموع، ولعل القدس قد بكت ابنتها وحبيبتها الأسيرة شروق دويات.

    الاسيرة شروق صلاح دويات من قرية صورباهر شرق القدس.. تاريخ الميلاد 13/8/19977، تفوقت في دراستها وأنهت الثانوية العامه بمعدل 90 ثم التحقت بالدراسه الجامعية بجامعه بيت لحم لتدرس التاريخ والجغرافيا، واليوم تغير حلمها لدراسة الحقوق، وتتمنى أن يتحقق حلمها قريبا.

    في صباح يوم 7/اكتوبر 2015 وفي أثناء توجه شروق للصلاة في المسجد الاقصى، ومن دون سابق إنذار قام أحد المستوطنين بالاعتداء على شروق، وحاول نزع حجابها عنها، لكن شروق سارعت للدفاع عن نفسها بضربه بحقيبتها الجامعية، ومحاولة التخلص من المستوطن المعتدي، لكن المستوطن أطلق عليها 3 رصاصات على جسد شروق، وبعد إطلاق النار عليها سارع اثنان من المستوطنين بضرب شروق باللاب توب على رأسها، و تركوها تنزف لساعات، ثم نقلوها للمشفى بحاله خطره، وأجريت لها عمليه زراعة شرايين، بل ان بعض المحطات أعلنت استشهاد شروق لخطورة حالتها الصحية.

    والدتها أم إبراهيم تقول: إن شروق كانت وستبقى ضحكة البيت.

    كانت أحلام شروق بسيطه ، فقد أرادت أن تعيش بكرامة، وتنهي حياتها التعليميه بتفوق ونجاح، أما حلمها اليوم فهو الحرية ثم الحرية ودراسة المحاماة، فقد وجدت في أسرها كيف يتعرض الأسرى للظلم وكيف تنتهك حقوقهم، فعزمت على أن تدرس القانون، وأن تبحث عن حقوق الأسرى المسلوبة والضائعة.

    كتبت إحدى صديقاتها كلمات لتعبر لها عن الشوق والألم ، فقد كتبت ميادة كيلاني:

    اسمك من شروق ونور…

    أنت أمل المستقبل…

    أنت الشمس التي ستشرق نورا على قبة الصخرة…

    أنت نور يتلألأ في سماء الأقصى…

    عصفورة ترفرف فوق سماء الأقصى…

    لا بد أن تشرق الشمس…

    ويأتي فجر جديد…..

    لا بد لليلي أن ينجلي…

    ونعود إلى الأقصى لنسجد ونصلي..

    مهما أبعدونا أو أسرونا….

    سنعود يوما إلى أقصانا…

    إلى الصلاه لتعلو أصوات التكبير….

    تهتف: الله أكبر

    تقول والدة شروق : إن حياة الأسر قاسية وصعبة، الأسير محروم من حريتة ومحروم من وجود الأهل بجانبه، ولعل حال شروق كحال بقيه الأسيرات اللواتي يعانين من التضييق عليهن وحرمانهن من التعليم وخنق حريتهم، وقد وجدت الفئران في قسم الأسيرات واتلفت ملابسهن، بالاضافة إلى تدفق المجاري من يوم لآخر على غرف الأسيرات.

    في الأسر كل الليالي ظلماء

    وكل أسير يفتقد الأب والأم والولد والأخ

    ويفتقد في السجن الحنين لصوت الأحبة

    ((يما ديرو بالكم على حالكم وما تفكروا فينا وضعنا كثير منيح داخل السجن يما انا هون قاعدة 16 سنة ما تضلي قلقانه علي أنا رح أواجه كثير مواقف منها المنيحه ومنها الصعبة ما تضلي تفكري في)) هذه الكلمات كانت من شروق لوالدتها يوم الزيارة، هذه الفتاه رغم كل ما تحمله من ألم ووجع، إلا أنها ترفع معنويات والدتها وتبث فيها الأمل والقوة : أنا راح أواجه كثير من المواقف.. لم تضعف شروق بل أصرت على أن تشرق رغم ظلام السجن والسجان.

    شروق الأسيرة الجريحة المظلومة عاشقة ومعشوقة للأقصى والقدس، تتحدى الاحتلال ممثلا بقاضي المحكمة… رفضت شروق الوقوف للقاضي وتحدته وتحدت كيانه ليوجه لها الحكم الظالم بـ16 عاما، إلا أن شروق لم تغرب شمس الأمل فيها بل ما زالت شعلة للعطاء والبذل والأمل.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *