الأربعاء 11 أكتوبر, 2017

    الحقيقة بين الإنصاف والاستهداف

    الحقيقة بين الإنصاف والاستهداف

    p-1ليس من السهل اليسير أن تكون ناقداً في بيئة ممنوع عليها سوى السمع والطاعة في شؤونها الدينية بخاصة، حتى ولو كان هذا الذي يقال لها خارج منطق العقل وخالٍ من الموضوعية التي يفرضها منطق الفكر السليم. وهذا السمع والطاعة تجاوز شؤون المعتقِد العقائدية ليسبر غور شؤونه الخاصة، وإن هو امتعض أو تجاوز ما أُسمع من قول أو توجيه، اعتبِر خارجاً عن منهج العقيدة.

    لقد برز في الآونة الأخيرة بعض الشباب من أهل العلوم الدينية في تصديهم لكثير من “أقرانهم” ممن أدمنوا ترويض الناس وأنصتوا الآذان لمقولهم بعدما منعوا الأفواه من السؤال منعاً لإعمال العقل في التفكير، فقالوا ـ هؤلاء الشباب ـ  أيها الناس انتبهوا ممن يشوهون حقيقة معتقدكم ويفسرون مبادىء العقيدة وفقاً لأهوائهم ومصالهم، ممعنين في تحميل العقيدة ما ليس فيها، واعتماد الخيال والأسطورة، مصدراً للوقوف عنده سنداً لأقوالهم، متجاوزين الحقاق الثابتة التي وضعها أهل العقيدة منهاجاً لأتباعها، وهي حقائق لا ينافيها العقل ولا تخالفها الموضوعية. ناهيك عن الحط بكرامة الإنسان الذي كرّمه الله سبحانه عن باقي المخلوقات، كذلك دأبهم في تمزيق أواصر الأمة عموماً بتوجيهات قاتلة، وأتباع العقيدة بتشتيتها إلى جماعات بخاصة.

    وأثبت هؤلاء المتصدين ـ من الشباب ـ بالنقد البناء، صواب نقدهم من خلال الشواهد العلمية والأسانيد المتصلة، والمنطق العقلي، من خلال تراكم المعرفة عندهم بعدما بنوها على إعمال العقل في كل ما تناهى إلى سمعهم واستشرفه نظرهم من مقروءات حفلت به بطون الكتب.

    فكان أن قامت قيامة المتزلفين والمنتفعين في وجه هؤلاء المخلصين للعقيدة والدين، ورميهم بتهم يبطلها منهجهم الغوغائي قبل أن يبطلها منطق العلم السليم والمنهج الصحيح.

    وقد وصلنا المقال المدرج أدناه عن طريق (لجنة جامع الإمام الحسين (ع) للإعلام)، فقرأنا فيه ما يجب أن يكون في متناول فهم كل عاقل، إيمانا منّا بأهمية النقد وضرورته لتصحيح المسار وإعادة تصويب البوصلة نحو المنهج الصحيح، كما وجدنا فيه كلمة حق يجب ان تقال تأييداً لمواقف من بُنيَ المقال على التنويه به وتنزيه مواقفه القائمة على النقد البناء من جهة والحفاظ على كرامة الإنسان من جهة ثانية.

    وهذا هو المقال:

    الحقيقة بين الإنصاف والاستهداف

    وأنا أتصفح موقع «المطيرفي» استوقفني مشهد دعاني للكثير من السأم والأسف على ما يراد لنا أن نصل إليه من مستويات في الحوار والتعاطي مع الآخر. وتمثل ذلك في مقال لأحد الشباب وهو (يتصدى) لسماحة السيد محمد رضا السلمان (أبو عدنان) يتصيد من إحدى خطبه أخطاءً (واشتباهات)، ناشراً مقاله تحت عنوان برّاق: قراءة نقدية في أطروحات السيد أبي عدنان.

    ولا يعنيني هنا الدفاع عن سماحة السيد أبي عدنان، فهو ليس في الموقف الضعيف، ولا بالمتهم، وله من اللسان والبيان والجنان والقلم ما لا يحتاج معها إلى أحد مثلي، بل صرّح مراراً وتكراراً أنه ليس بحاجة لمن يدافع عنه حتى ابنه عدنان. كما أنه لا يعبأ بمثل هذه الأمور، ولن تفتّ في عضده، وقد صارع وخبر ما هو أكبر منها وأشد. إلا أن الذي استوقفني ذلك المستوى من التعاطي مع الظواهر الفكرية المحيطة بنا، سواء كانت سلبية في نظرنا أم إيجابية، وأين وصل بنا الحد من اتباع الهوى في هذا الإطار، وكيف أن الهوى أصبح الصنم الخفي الذي نعبده ولا نشرك به شيئاً.

    كنت أتمنى أن أرى مقالاً ثائراً من هذا الشاب وأمثاله يتصدى فيه لتطاول أطفال صغار لبسوا العمائم في قناة (صوت العترة) على الشيخ الوائلي، الذي علّم الجميع كيف ينطقون، وكان ذلك في زمن الصمت، حيث أخرست الألسن التي نرى الكثير منها انطلق اليوم في أجواء الترف والدعة. أو تجاوزاتهم على رموز المذهب العظام من أمثال الشهيد الصدر، والإمام الخميني، والسيد حسن نصر الله وغيرهم، أو تطاولهم على المرجعية الدينية جهاراً نهاراً. بل تطاولهم على عموم الشيعة في العالم إلا من كان على نهجهم وطريقتهم العرجاء.

    كنت متشوقاً أن ينتفض هذا الشاب للتصدي لعبد الحليم الغزي في قناة القمر، الذي يتهم علماء الشيعة والمؤسسة الدينية برمتها في كل يوم أنهم تآمروا (مؤامرة إبليسية) على حديث أهل البيت (ع) وأنهم ينطلقون من الفكر الناصبي الشافعي حسب زعمه، وما يبثه من سموم بشكل دائم ومستمر وسط سكوت الجميع المطبق.

    كم كنت أتطلع أن يُكتب مثل هذا المقال لمناقشة أحمد الكاتب الذي يطعن بأقدس المقدسات عندنا، وينكر بشكل صارخ ولادة الإمام المهدي (عج)، بل ينكر الإمامة بالمطلق، ويبث سمومه في كل حين.

    كم أشعر بالحاجة أن تنشغل هذه الأقلام بحركات الانحراف الفكري التي تكتسح الساحة، كحركة اليمانيين في العراق وغيره، أو حركات الإلحاد وغيرها.

    بل كنت أتمنى أن يمتعضوا ولو بخجل مما يطرحه بعض الخطباء على المنابر من نسبة المهازل لأهل البيت (ع) فيتفسيرات ما أنزل الله بها من سلطان، كما في تفسير قول أمير المؤمنين (ع): ولا يرقى إليّ الطير، بأن الطير هو (وحدة قياس) لمقام المعصوم وليس الطير الحقيقي! كما يقول أحد الخطباء الذي كان وما يزال منذ سنوات لم يجد من يقف في طريقه ليقول له: صه، فقد أفسدت دين محمد!.

    أو ما يبثونه عبر وسائل التواصل من الروايات المصطنعة التي لم يحوها كتاب، ولم يخلق رواتها بعد، بل لا نشك أن الكثير منها يصنع في مخابرات بعض الدول للتلاعب بعقولنا.

    هل هذه وأمثالها أقل شأناً من (نسب الصفويين) مثلاً، أو وضع الضمة أو الفتحة على الحاء في لفظ (الحلي) أو أقل خطراً من خطأ أو وهم وهمه السيد في خطبته ـ على سبيل الفرض ـ لا يمس عقيدة ولا مفهوماً إسلامياً؟

    ومن العجيب أن صاحب المقال يستشهد بكلام السيد ودعوته لنقد ما يطرح على المنابر، فيبدو أن الكاتب لم يرُق له ذلك، بل يستفزه كثيراً، وبدل أن يساند السيد ويقف معه في هذه الدعوة الرائعة، فتح فوهة مجهره على كلامه فقط، وترك سيلاً من الخرافات والانحرافات التي ما انفكّ بعض الخطباء وغيرهم يبثونها بلا هوادة، حال أن السيد لم يدعُ لمتابعة (أنساب الأشخاص والدول) ولا اللحن اللغوي الذي لم يسلم منه مقال الكاتب المذكور أيضاً، فلسنا في مدرسة ابتدائية ولا مدرسة لمحو الأمية.

    إن سماحة السيد يدعو باستمرار أن يلتزم المتكلم والمحاضر والمتحدث جانب الدقة في نسبة ما يطرحه إلى الدين والشريعة، وبالخصوص ما يتعلق بالآيات أو الروايات وترتيب الأثر عليها، لا أن يلاحَق الخطيب في أخطاء نحوية أو لغوية ربما سبق إليها لسانه، أو ربما أخطأ فيها حقيقةً، وجلّ من لا يخطئ. وإلا فلا يكاد يخلو خطيب أو متحدث من ذلك على الإطلاق.

    وثمة أمر آخر لا بد من الإنصاف فيه، هو أن الخطيب المنبريّ يختلف عن الكاتب، ولا أظن هذا الشاب اعتلى منصات الخطابة ولا منابرها، ولا خبر هذا الجانب على الإطلاق، فالخطيب أو المحاضر يعتمد أسلوباً خطابياً يختلف عما هو عليه عند الكاتب، فهو يستطرد ويكرر ويحاول التأثير بصرياً وسمعياً بالحضور، ويورد الكثير من المعلومات الداعمة التي قد يصححها أو يحذف بعضها أو يعدّلها عند الكتابة، وهذا ما نراه في جميع الخطب المكتوبة لأعلام المنبر وخطباء الجمعة والمحاضرين والعلماء، ومنها خطب الجمعة لسماحة السيد نفسه، فالمكتوب هو النهاية التي يُعتمد عليها، وخلاصة الفكرة التي يريد طرحها. وهذا الأمر يجري حتى في تقريرات الدروس لمراجع التقليد والمجتهدين.

    ولكن ما رأي الشاب المذكور أنه أخطأ مراراً وهو يكتب، مع أن له المندوحة في المراجعة والتصحيح؟ وهل نهبط لما هبط إليه فنقول: إنه قال: مسجد الإمام الحسين عليه السلام، والصحيح: جامع الإمام الحسين؟ أو أنه كتب (الإسلوب) بالكسر وهي بالضم؟ أو أنه كتب (الإستفهام، والإشتباه، والإنتماء، وإسم، وإثنان، وإلتزم) بهمزة القطع، فهو لا يفرق بين الهمز والقطع؟  أو أنه قال: صفويا النسب، والصحيح: صفويّ النسب؟  أو أنه قال: فبين العلامة رضوان الله عليه وهذه الدولة مائتي سنة، والصحيح: مئتا (بالرفع)؟   وقال: سبع مجلدات، ثلاث مجلدات، والصحيح سبعة، ثلاثة؟ 

    هل هذا مبلغ ما عند هذا الكاتب الذي يفترض أنه كتب مقاله في أجواء هادئة وراجعه قبل نشره، ولم يلقه من فوق منبر أو منصة؟

    أما عن اعتراضاته التي حاول إيصالها إلى (عشرة كاملة) فهي لا تنمّ إلا عن استهداف واضح لشخص السيد، إذ كان يتتبع كل شاردة وواردة حتى الضمة في (الحلّي) فلو كان يبتغي بذلك وجه الله وتصحيح الخطأ، وتقويم الأود، لما نشرها على الملأ العام وهو يعتقد جازماً أنها أخطاء، فهذا ليس من الدين في شيء على الإطلاق، ولا من خلق أهل البيت (ع) بل إنه يدخل في باب تتبع العثرات. وقد ورد عن رسول الله (ص) أنه قال: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه: لا تذمّوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم،‏ فإنه من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله تعالى عورته يفضحه ولو في بيته»().

    وليسأل الكاتب نفسه بينه وبين الله تعالى: ما هي المصلحة التي تترتب على كشف ما اهتدى إليه من (اشتباهات) إن كانت كما يزعم؟ وهل هناك سوى إلزام السيد بدعوته لتنقية الخطاب الديني من السفاسف والتخريف والمنامات والأحلام وعدم فسح المجال للمخرفين والمتطفلين؟ وهل هذه دعوة باطلة؟

    أما عن المفردات العشر التي أوردها الكاتب فلا أدري هل أناقشها جميعاً أم لا؟ وما هي الجدوى من مناقشتها؟ هب جدلاً أن السيد أخطأ في تأريخ معين، أو خطر في ذهنه أحد الأعلام وهو يريد آخر، كما يحصل في توارد أسماء الأعلام في الذهن، ثم صحح ذلك في خطبته المكتوبة كما شاهدنا في النص المكتوب، فهل هذا يستحق أن يجهد القارئ نفسه كل هذا الجهد؟ وهل يحقق أكثر من أن يُثبت للقارئ أن السيد أخطأ في خطابه ثم صحح الخطأ؟

    مع أنني عندما استمعت للخطبة بعد قراءة المقال، وجدت في المقال الكثير من التعسف والظلم بحق السيد، وأن هناك دخائل في النفوس لم تجد لها متنفساً إلا في هذه السفاسف.

    ففي نسب الصفويين مثلاً أظهر الكاتب جهله بأن كون الصفويين من الأتراك هو أحد الآراء المعتمدة لدى الباحثين، وربما كان الرأي الأقرب للصحة()، والسيد أبو عدنان أخذ بهذا الرأي المطروح مسبقاً ولم يأت به من عنده، أما الكاتب فيعتقد أن نسب الصفويين من العرب (السادة) ويتصور أنه الرأي الوحيد.

    أما كتاب صفوة الصفا فقد ألفه أحد المناصرين لصفي الدين الأردبيلي، المريدين له، وهو ابن بزاز الأردبيلي، الذي ألفه في أحوال وأقوال وكرامات الشيخ الصوفي المذكور، وقد ملأه بالحكايات والأحلام والأساطير، حتى جعل النبي (ص) يبشر بهذا الشيخ ويخبر بظهوره وكذلك إخبار أولياء الله بذلك().  أما عن كراماته المزعومة فحدّث ولا حرج، ولا يخفى على كل منصف قرأ الكتاب أن مؤلفه لم يتجاوز في تأليفه الأحلام والحكايات والأساطير عن الجن والحيوانات وغيرها، ومثل هذه المصنفات لا قيمة لها في مساحة البحث العلمي التاريخي إطلاقاً، ولا يمكن الاعتماد عليها بحال من الأحوال. بل إنني عند قراءتي الكتاب حمدت الله كثيراً أن صفي الدين الأردبيلي لم يكن شيعياً، وإلا لأصبحنا موضع سخرية الآخرين إلى يوم الدين.

    ولسنا هنا بصدد الإثبات أو النفي، فهذا الرأي مطروح، ولكن عليه الكثير من الإشكالات، خصوصاً إذا عرفنا أن دعوى الانتساب لأهل البيت (ع) ادّعاها الكثير من الحكام والسلاطين لما فيها من الشرف الذي ينتفع به السلطان لتوسيع القاعدة الشعبية وجلب القدسية لنفسه، ولعل الكاتب يجهل أن صدام حسين التكريتي ـ وهو لقيط مجهول النسب ـ ادعى الانتساب لأهل البيت (ع) وكانت شجرة عائلته المزعومة تعلق في أضرحة أهل البيت (ع) في العراقّ!. بل أصدر السيد المرجع قبل أيام فتوى تحرم الانتساب لأهل البيت (ع) بعد انتشار ظاهرة ادّعاء النسب إليهم بشكل فاحش.

    فما هو الضير أن يحيد السيد أبو عدنان عن هذا الرأي ليتبنى رأياً آخر مطروحاً أيضاً وفيه الكثير من الوجاهة، سيما أنه ثابت لدى مؤرخي إيران أمثال رسول جعفريان وغيره؟ ولدى بعض الباحثين العرب أيضاً؟

    صحيح أن الأمر لا يستحق كل هذا البحث، إلا أن الكاتب المذكور كشف عن جهله بالرأي الآخر، أو تعمد إغفاله ليظهر السيد بمظهر المخطئ، وهذا كل همه.

    لا أريد أن أطيل كثيراً في هذا، ولا في سائر النقاط التي سوف أتناولها في مقال آخر إن رأيت ذلك ضرورياً ولازماً.لكنني أقول لهذا الكاتب: لقد ارتكبت عظيماً، وظلمت رجلاً لا يريد أن يجني من وراء تحركه سوى هدايتك وأمثالك، فإن أخطأ فنسأل الله له المغفرة، وإن أصاب فجزاه الله خيراً، ولا ندّعي لأحد العصمة لا له ولا لغيره، ولا يدعيها هو لنفسه، لا سيما أننا في زمان أحوج ما نكون فيه إلى من هو دونه بكثير، فكيف برجل مثله، له ما له من التاريخ العريق والعمق الأسري والرصيد العلمي؟!

    أتمنى أن تستغفر الله أولاً، وتنيب إليه، وأن تطلب الصفح ممن أسأت إليه قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة، ولا أظن أن السيد لم يصفح عنك إلى الآن، لأنه أكبر بكثير من هذه الحصيات الصغيرة التي يُرمى بها من هنا وهناك. وكلّي أملأن نسمو بمستوى الخطاب لما هو أرقى من ذلك بكثير، وأن لا تستهلكنا هذه الدوائر الصغيرة فالمسؤولية أثقل بكثير.

    وللحديث بقية إن شاء الله.

     

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *