الأحد 25 يونيو, 2017

    وفيم أنت تفكر / محمد الدسوقي

    هكذا .. ثنائية قصصية من مجموعتي “وفيم أنت تفكر”

    محمد الدسوقي

    dasoki

    14717153_1363681167057180_2769564893234287146_n1- الحكاية

    ———–

    لا أحد يجروء من أهل البلدة إلا أن يقف صامتا .. لحظة أن يخرج عليهم كبيرهم شاهرا سيفه الذي ورثه أبا عن جد – يلوّح به يمينا ويسارا وكأنه يحن إلي معركته الأخيرة ؛ الشمس الحمراء تتكسّر أشعتها اللاهبة بفعل تقلبات سيفه ؛ تستحيل الي ومضات تخطف الأبصار … فجأة ينادي في الناس :- هلّموا اليّ…

    توافد الناس متزاحمين ، تنتفخ أعينهم فزعا ، فيصرخ هائجا :

    – هذا السيف سيفي ، والقوة في قبضة يدي ، وأنتم جميعا عبيدي !

    أومأ الناس برؤوسهم ؛ تربكهم ومضات السيف الغاضبة .. أما هو ، فكان يتلمظ ، يمصمص شفتيه كثعبان يتربص بفريسته.

    – تعلمون أيها الناس ” أني لأحتمل الشر بحمله . وأحذوه بنعله . وأجزيه بمثله .. واني لأري رؤوسا قد أينعت وحان قطافها واني لصاحبها ، واني لأنظر الي الدماء تترقرق بين العمائم واللحي “

    اكتنزت الأعناق المشرئبة .. فجلس كبيرهم علي مقعده العتيق .. وأخذ يخط بسيفه علي الأرض …رسم حصانا فوقه فارس همام .. يصرخ وسط بحر متلاطم من الأعداء . بدأت السيوف يضرب بعضها ضربا ؛ غمز الفرس بسيفه ، فقفز قفزة هائلة ؛ الخيول تفر .. والتيجان تتساقط .. والرؤوس تتطاير ، والفارس الهمام لا يني يتسّمع استغاثة أو يلمح ثيابا أو عمامة الا ويشقها بسيفه شقا .. حتي خلت الساحة إلا منه ؛ فينظر الي الجثث المجندلة لا هثا ؛ ثم يخلع عمامته مدمدما ..

    – ” أنا ابن جلا وطلاع الثنايا…متي اضع العمامة تعرفوني “

    يكررها حتي يشعر بأن سيفه قد تعب من كثرة الطعن والقتل ، فيحملق في السماء ؛ يغلق عينا ويفتح الأخري .. وحالما تنسحب الشمس إلا قليلا .. يهز رأسه أسفا..

    – ها أنا قد غزوت مدنا لم أرها ؛ وقتلت أعداء لم يهاجموني !

    وقبل ان ينفّض الناس من حوله ، سمع كبكبة في بيته .. فوقف مواجها للباب ، رافعا سيفه ، وهو ينظر في الوجوه الجافلة ويصيح..

    – أيها الناس لقد تسلل العدو الي بيتي ، أيها اللص ” هذا لعاب المنّية ، وقاطع الرقاب ، ولا مهرب لمخلوق من شفرته .؛ أيها اللص المغتر بنا .، المجتريء علينا ، بئس ما اخترت لنفسك – خير قليل ، وسيف صقيل ، ومصير مجهول ؛ اخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك “

    كانت الألسنة ناتئة بين أسنانها ؛ والملامح تتلمس أمرا جلالا ؛ الجلبة تزداد ؛ والكبكبة لا تنتهي .. الوقت يمر بطيئا .. وكبيرهم الذي كان يصرخ بدا يحدّق في سيفه الذي شحب لونه ، ويده التي ترتجف وهي ترتخي رويدا رويدا .. والصمت المندفع ينسال كالطّل يهبط فوق الرؤوس ؛ فيما كبيرهم ترتعد فرائصه ويكبو كجواد أنهكته الجراح .. فوجيء الجميع باندفاع كلب بفعل المباغتة يخرج من البيت ، انقذف هاربا بين الأرجل والسيقان المتشابكة ، هرع الناس فزعا يتقافزون كالهرر الخائفة ويولون الأدبار ؛ أما كبيرهم الذي يتنهد كالخائف الذي أدركه الأمان ؛ فقد أخذ يهذي ضاحكا .. وهو يطوّح بسيفه في الهواء ، حامدا ربه الذي مسخ اللص كلبا وكفاه شر القتال !!

    ——————-

    2- وما أدراك

    ————

    لا أحد يعرف مقدار ما يعانيه من فراغ ينبش في أعماقه ؛ إذ كانوا يظنونه مسرفا – فحسب- في اصطياد الطيور .. لا فرق بين بوم ، وبين عصفور؛ فماذا إذا استيقظ ذات صباح ؛ ولمّا يجد طائرا يرف فوق أشجاره .. هكذا كان يتساءل .. بعد أن تحوّلت الأشجار إلي شراك يورد من يقربها موّرد الهلاك…

    لم ينس أبدا سالف الأيام حين كان ينتهي من أداء صلاته – في أوقاتها- ويستغفر ربه استغفارا ؛ ثم يجلس بجسده الفارع علي أريكة تمنحه نعمة الاسترخاء والرحرحة ، وسط أشجار قطوفها دانية ، وظلالها ناعمة ، فيم يبدو قصره المنيف تجري من تحته الأنهار .. بعدها يحمل بندقيته ؛ ثم يصوبها باتجاه أي طائر يحط ، وفي لحظات يسقط الطائر مغدورا في دمه ؛ فينفجر ضاحكا منتشيا حتى أعتاب الجنون . ..وهكذا أصبحت الأشجار بلا طيور تعشقها ، تسّاقط ثمارها قبل الأوان ، حتى بدت وكأنها لا تثمر سوي الظلال

    ماذا سيفعل إذن ؟

    كان كل من بالقصر – من مواليه – يمالئونه بعواطفهم اللزجة ، وهو يتظاهر أمامهم .. ينهض من جلسته بهمّة ونشاط ؛ يستدير منتصبا موّليا ظهره ؛ ثم يضرب في الهواء فتتناهي إلي آذانهم طلقات بندقيته الطائشة .. غير أن رصاصة استقرت في رأس أحدهم أردته صريعا ؛ فشعر بنشوة تغزوه ، وراحة تستبد به .ز الجمرة المتقدة بداخله قد انطفأت ؛ وربما اشتعلت بعد انطفاء دام طويلا .. وهكذا بدأ يسأل نفسه

    – لماذا غفل عنهم طيلة هذه المدة – إنهم كثر – لا يفعلون شيئا في حياتهم سوي أنهم يتناسلون – ألهذا السبب يحبون الحياة ؟!

    لقد وجد ما يملأ حياته بعد أن كاد يتردي في فراغ يتأرجح فيه كبندول ساعة رتيب . الآن هناك ما يستحثه ويغريه ..

    وهكذا تتدحرج الأيام .. يلحق بعضها بعضا كما يتدحرج أحدهم ، يتوقف فجأة حيث يصوّب بندقيته .. يطلق ضحكة جهمة ؛ ثم يهرول طالبا سجادة الصلاة ؛ فيصلي ُ؛ ثم يستغفر ربه استغفارا بعدد حبات مسبحته السوداء !!!

    —————-

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *