الخميس 17 أغسطس, 2017

    معجزة أسماء السور القرآنية

    “معجزة أسماء السور القرآنية”

    إصدار جديد لـ علي راضي أبوزريق

    i3jaz-1ali radi-1صدر مؤخراً إصداراً جديداً للكاتب الأردني علي راضي أبوزريق  بعنوان “معجزة أسماء السور القرآنية” ، وقد بلغ هذا الكتاب الذي استغرق إنجازه أربع سنوات من التفرغ الكامل للكاتب نحو 750 صفحة اهتم فيها الكاتب على أن يمر على كل آية ليثبت انتماءها لعنوان السورة التي ترد فيها ، وتجدون أدناه نبذة عن الكاتب وعن سبب تأليف الكتاب ، وجزء كبير مما كتب موجود في مقدمة الكتاب ،  وقد مارس (أبوزريق) الكتابة الدرامية والحوارية للإذاعة، فكتبت حوالي 25 مسلسلاً إذاعياً ، أُنتِج معظمها من قبل إذاعة عمان وشركة الإتحاد الفني في بيروت ،  كما عمل رئيس تحرير مجلة الرؤية الشهرية اللندنية لمدة عام ونصف ، وكتب لمجلات عربية أخرى مثل الشهاب البيروتية التي كتب لها بانتظام لمدة أربع سنوات ،  ثم جريدة الرأي الأردنية التي حرر بها زاوية دينية أسبوعية لعدة سنوات وسواهما ، كل هذا على هامش حياته كباحث زراعي في المركز الوطني للبحوث الزراعية الأردني .

     نبذةعن أبوزريق :

    ولد وتربي في أسرة صوفية عرفانية، ولكونه ابن مطيع فقد أطلع على ما لا يطلع عليه من هم في مثل عمره من فكر الطريقة ، وعندما بلغ الثامنة عشرة ونتيجة تأثره بالمنهاج الديني الذي يُدرّس في المدارس، قرر أن الصوفية لا تصلح له كعقيدة لكنه أحبها كأسلوب تربية وفكر إنساني وتسامح مع الجميع ، وفي ذلك العمر انتظم كطالب في جماعة الإخوان المسلمين، ودفعه إلى ذلك قرب فكرها مما كان يتعلمه في المدرسة، وزاد حماسه قرب الزمن من ضياع فلسطين وقيام المزعومة إسرائيل، وعنصر ثالث كان سائداً في الوطن العربي عموماً وفي فلسطين خصوصاً، هو إتخاذ موقف معادٍ من الإسلام الذي كان يصل حد المجاهرة بالكفر، كل هذه الأمور دفعته للإنضمام إلى جماعة تتحرك بالدين وبالشأن العام ، ولكنه لم يتأثر كثيراً بفكر الإخوان العميق .

    بعد عام من الإنتظام التحق بالأزهر الشريف طالباً في كلية الزراعة، وحضر مساقات لكبار علماء الأزهر رحمهم الله كالشيخ “أحمد حسن الباقوري” (في التوحيد) والشيخ “عبد الحليم محمود”  (مساقين على الأقل في التصوف والفلسفة) والشيخ “سيد سابق”  (مساقين في العقيدة). وبالإضافة للمساقات الجامعية وضع لنفسه برنامجاً تثقيفياً يقوم على أساس ثلاثة محاور هي: أنه إنسان، فيجب أن يقرأ كل يوم شيئاً إنسانياً ،  وكانت دورية تراث الإنسانية مرجعه الأول في هذا. ثم فِكر المفكرين الغربيين المعاصرين يومها والقدامى. والمحور الثاني أنه عربي، فركز علي عروبته وأولها اللغة وما يلزمها من مطالعة الشعر الجاهلي والتراث العربي النقي، والتعرف على تاريخ الأمة وقضاياها الحية. والمحور الثالث هو الإسلام، فكان القرآن هو القاعدة بالإضافة لكتب مفكري الإخوان وعلماء الأزهر، ولم ينس أن عائلته أرسلته إلى مصر ليدرس العلوم الزراعية .

    بعد الثمانية عشر عاماً الثانية من عمره ، وبعد تفاعل كل عناصره الثقافية والتربوية، وتبيُّن وجود أخطاء بشرية كبيرة في تراثنا يتخذها أعداء الإسلام والمتفلتين من الدين، ذريعة لمهاجمة ديننا بدأ أبوزريق إظهار رأيه في أخطاء التراث الفاحشة في أوساط جماعة الإخوان ، فاصطدم بمعارضة كبيرة من قادة الجماعة في الأردن، خصوصاً المتخصصين بالدراسات الدينية ويتخذونها ذريعة للترؤس على الجماعة، فهي عندهم جماعة دينية وهم علماء الدين فهم أولى بالقيادة ، ولم يكن مهتماً بالقيادة لكن بإصلاح الفكر ، فخشية أن تتأثر هيبتهم بدأوا بمضايقته، ولأنه لا يهدف لأي مكسب دنيوي قرر الإنسحاب ، خصوصاً أن المتأثرين بأصحاب الشهادات الجامعية الدينية، واللحى، كثروا في الجماعة وعملوا تكتل خاص سري خاص بهم ، ولم يعد الإصلاح ممكنا من الداخل .

    قرر أبوزريق الإنسحاب ونفذه برسالة مباشرة موجهة لقيادة الجماعة عام 1983 م ، وركز اهتمامه على القرآن ودراسته فبدا له منذ ذلك الزمن المبكر، قاعدة الإصلاح ، إن أصلحنا تفسيره وفهمناه سهل علينا إصلاح تراثنا وتنقية سنة نبينا مما لحقها من خرافات وأحاديث مناقضة للقرآن؛ مروية على أنها أحاديث للنبي (صلى الله عليه وسلم).

    ومنذ كان أبوزريق طالباً في الأزهر أدرك تناقضات المفسرين ، وأول تناقض لاحظه كان في تفسير سيد قطب للآية 47 من سورة النحل ، إذ أخطأ بفهم كلمة “تخوف” في الآية المذكورة وكتب تعليقاً جذاباً بأسلوبه الأدبي الجميل في ظلال الآية ، ولكنه قائم على فهم خاطئ ، وتصور كم يكون الخطأ المقدم بطريقة جميلة مؤثراً خصوصاً في أناس لا يستعملون عقولهم في ما يسمعون ممن يثقون به ؟  وعلى مدى السنين صار يتابع تناقضات المفسرين وأولهم عنده سيد قطب ثم هم بوضع مؤلف حول ذلك لكنه وجد أن الأمر يحتاج كتاباً من آلاف الصفحات ، ولأسباب أخرى توقف عن تنفيذ المشروع بعد أن إنتهي من سورة النساء ونشر بعض نتائج عمله على مدونته ،  وكان يشير إليها على حسابه على الفيس، وهي التي جلبت له عدداً كبيراً من الأصدقاء المثقفين الذين يرحبون الآن بكتابه “معجزة أسماء السور القرآنية”..

    التكوين المهني والإنتاج الأدبي:

    بعد تخرج أبوزريق من الأزهر عمل باحثاً زراعياً في وزارة الزراعة الأردنية التي ابتعثته للحصول على درجة الماجستير من الجامعة الأميركية في بيروت ،  وكان بأهمية برنامج الماجستير ما تلقاه في الجامعة من مساقات باللغة الإنجليزية والنقد الأدبي الإنجليزي ، التي أنارت فكره بشأن مهارة فهم النصوص الأدبية وتحليلها، وكان لهذا أثره في قراءته للقرآن .

    من جهة أخرى وبعد عودته للعمل في وزارة الزراعة نضجت شخصيته كباحث علمي؛ وصقل العمل البحثي في مجال الزيتون، شخصيته العلمية ورسخت عنده خصائص الباحث وقدراته، فصار في ما يقول ويكتب لا يصدر إلاّ عن مصدر علمي موثوق بعد أن يحاكمه وفق قوانين العلم التجريبي، التي يلزم نفسه بها كباحث علمي تجريبي على مدى ثلاثين سنة أو يزيد .

    وبهذه المهارات والخبرات بدأ العمل بهذا الكتاب، وحرص في عمله به أن يستبعد كل ما يثير الشك أو يتعارض مع قاعدة لغوية أو قانون علمي في القضية التي يبحثها.

    السبب المباشر لتأليف الكتاب :

    ما دفع الكاتب لتأليف هذا الكتاب حسبما أشار، هو العالم اللاهوتي السويسري هانز كونغ الذي وضع كتاباً ضخماً وقيماً بعنوان “الإسلام : الماضي والحاضر والمستقبل” ،  صدر عام 2004 م باللغة الألمانية وظهرت ترجمته للإنجليزية عام 2007 م ، وكانت هي سبيله للتعرف عليه، فوجده قد لخص فيه كلّ ما وصله عن الإسلام وقَبِله، وفي الفصل الثَّاني منه “كلمة الله تصير كتاباً” (ص: 70) يقول عن عناوين السور ما ترجمته “إن كلّ السور أعطيت ترويساتٍ قصيرةٍ أضيفت لاحقاً ، وهذه ليست عناوين لكنها كلماتٌ مفتاحيةٌ تساعد على التذكر عند التلاوة ، والترويسةُ يمكن أن تؤخذ من اسم شخصيةٍ رئيسيةٍ في السُّورة أو ببساطةٍ كلمةً منها، غالباً من الآية الأولى”.

    أما بالنسبة لنا فإن كلمة ترويسة تعادل اسم السُّورة أو عنوانها ، ولكنه استعمل كلمة ترويسة لأنه لم يقتنع أن أسماء السور تلبّي شروط العنوان المتعارف عليها ، وما قاله (كُنج) صحيحٌ باعتبار طريقة تقديم علمائنا لسور القرآن ، فلم يُثبت أيُّ عالمٍ مسلمٍ أن عنوان السُّورة يُعبِّر عنها أو يقود موضوعها الواحد، بل على العكس قدم بعض المفسرين السُّورة كآيات لا علاقة بينها ، وأحياناً فكّكوا الآية إلى جمل لا رابط بينها؛ مما لا يجعل للعنوان دوراً في السُّورة فلا بد من حلٍّ للمشكلة .

    …… البداية :

     من هنا كانت البداية ، حيث بدأ أبوزريق البحث في تراثنا ليرى إن كان أحدٌ من علمائنا قد كتب شيئاً ذا قيمة عن عنوان السُّورة القرآنية ، فوجد الفيروزآبادي في كتابه “بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز” يعزو أسماء السور لكلمات وردت فيها أو أحداث ذَكَرتها ؛  كما أنه لا يفرق بين أسماء السور عند تعددها ، فكان كلامُه قاعدة لما يقوله هانز كُنج حول الموضوع .

    ثم انتقل إلى كلّ من السيوطي صاحب كتاب “الإتقان في علوم القرآن”، والزَّركشي في كتابه “البرهان في علوم القرآن”، “فلم أجد شيئاً يستحقّ الذِّكر حول الموضوع، ففي تعليل الأسماء ينقل السيوطي في”الإتقان” عن الزَّركشي في “البرهان” قوله : “ينبغي البحثُ عن تعداد الأسامي هل هو توقيفي أو بما يظهر من المناسبات، فإن كان الثَّاني فلم يعدم الفَطِن أن يستخرج من كلّ سورة معاني كثيرةً تقتضي اشتقاق أسماءٍ لها وهو بعيد، قال وينبغي النظر باختصاص كلّ سورةٍ بما سميت به ،  ولا شك أن العرب تراعي في كثيرٍ من المسميات أخذ أسمائها من نادرٍ أو مستغرب، يكون في الشيء من خلق أو صفة تخصه، أو تكون معه أحكم أو أكثر أو أسبق لإدراك الرائي للمسمى، ويسمون الجملة من الكلام والقصيدة الطويلة بما هو أشهر فيها؛ وعلى ذلك جرت سور القرآن كتسمية سورة البقرة بهذه الاسم لقرينة قصة البقرة المذكورة فيها وعجيب الحكمة فيها…” (الإتقان : ص55)، وبعد أن يسرد سوراً بأسماء أنبياء يتساءل عن سر عدم ظهور سورة باسم موسى أو آدم وكلاهما ذكر عدة مرات، مما يدل أنهما (الزَّركشي والسيوطي) لم يفهما سرّ أسماء السور” .

    بعد ذلك واصل البحث ومن أحدث ما وجد كتاباً بعنوان “نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم” صادرعام 1996م للمفكر الإسلامي محمدالغزالي (رحمه الله ) “وهو كما تعلم أحد كبار علماء الأمة في القرن العشرين ، ومن مقدمته أقتبس الفقرة التالية : “هذه دراسة جديدة للقرآن الكريم ٬ سبق أن قدم نماذج منها فى بعض ما كتب” ،  وقد لازمه شعور بالقصور وهو يمضى فيها ٬ فشأن القرآن أكبر من أن يتعرض له مثله ٬ ولكنه حرص على أن يزداد فقهاً في القرآن وتدبُّراً لمعانيه، وقال: “قد أرتدت طريقاً لم أُسبَق إليه أفتتح به باباً من أبواب الخير ٬ والقرآن لا تنقضي عجائبه ٬ ولن نبلغ مهما بذلنا مداه !!  والهدف الذى سعيت إليه أن أقدم تفسيراً موضوعياً لكلّ سورة من الكتاب العزيز”، ويتناول السُّورة كلّها يحاول رسم “صورة شمسية”  لها تتناول أولها وآخرها ٬ وتتعرف على الروابط الخفية التى تشدها كلّها ٬ وتجعل أولها تمهيداً لآخرها ٬ وآخرها تصديقاً لأولها،  لقد عنيت عناية شديدة بوحدة الموضوع فى السُّورة “(ص:2) ، وبهذا نفهم من كلام “الغزالي” أنه يحاول أمراً لم يسبقه إليه سواه .

    ونجح الغزالي [والكلام هنا لأبي زريق]  برسم صور شمسية لسور القرآن الكريم ملخصاً ما بها من مواضيع من وجهة نظره، لكنه لم ينجح في إبراز وحدة موضوع السُّورة، بل لقد تجاهل الغزالي العنوان واصفاً إياه بطريقةٍ قريبةٍ مما ذكره هانز كنغ، فقال مثلاً عن سورة المائدة : “سورة المائدة وتسمى كذلك سورة العقود ، والتسمية الأخيرة أدل على موضوع السُّورة الواسع! أما الأولى فهى تشير إلى اقتراح الحواريين على عيسى (عليه السلام ) أن ينزل عليهم مائدة من السماء يأكلون منها ويستبشرون بها، وهو اقتراح مثير للدهشة ٬ ولكن الله سبحانه قبله تأييداً لنبيه وتصديقاً لرسالته..! وقصة المائدة لا تستغرق من السُّورة سوى أربع آيات أما قضايا العقود فتشمل أغلب السُّورة”(ص:64).

    أي أن الغزالي  لم ير اسم سورة المائدة معبراً عنها، وحسب هذا الكتاب فإن كلمة المائدة تحتضن السورة وتقودها تماماً وتحكم كل آية فيها  [انتهى كلام ابو زريق].

    و كان يمكن أن يكتفي أبوزريق بما قال  الغزالي (رحمه الله) من أنه يحاول للمرة الأولى في تاريخ علوم القرآن تنظير السُّورة القرآنية، واكتشاف موضوعها الواحد أو الوحيد، وحسبما يقول  أبوزريق “فهو عالِم جاد لا يلقي القول جزافاً وأنا أعرفه شخصياً وطالما استمعت لخطبه ومحاضراته وصليت وراءه ، ولكني بحثت في إنتاج الجامعات الإسلامية فوجدت بحثاً بعنوان: “أسماء السور القرآنية” للباحثة منيرة محمد ناصر الدوسري حصلت به على درجة الماجستير من كلّية البنات بالدمام، ونُشِرت الرسالة كتاباً صدر عام 1426 هجرية الموافق 2005 م ، وقد راجعَتِ الباحثةُ وهي تعد رسالتها هذه 281 مرجعاً كما جاء في ثبت مراجعها، ولا يبدو أن أحداً من أصحاب مراجعها قد ذكر علاقة اسم السُّورة بموضوعها، بل استنتجتْ من دراستها الواسعة لتلك المراجع ما يلي (ص 76) : “لا يمنع أن تكون للسورة ذاتها أسماء أخرى تعرف بها مشتقة من كلمة فيها أو صفة لها، فبعض هذه الأسماء إن ثبت عنه (صلى الله عليه وسلم)، فهي توقيفية وبعضها يكون من وضع  واجتهاد بعض الصحابة والتابعين، أو من استنباط بعض العلماء (لموضوع) السُّورة ، ومن هذه الأسماء ما له مستند صحيح ، وجملة منها لا مستند له ، ولم يرد فيها نص ، ولا تصلح أن تكون اسماً، إنما هي اجتهاد واستنباط من بعض العلماء”.

    هذا ما توصلت إليه الباحثة بناءً على دراستها لكتب التراث بأمانة.  وبذلك لا نلوم الغربين على ما قالوا ما دام علماؤنا لم يدركوا سر أسماء السور” .

    عنوان السُّورة هو محورها :

    [يتابع ابو زريق]… إن عنوان السُّورة هو محورها الذي تدور حوله ، كما سيتضح ذلك في كلّ فصلٍ من هذا الكتاب ، وعليه يلزم أن يكون للسورة مهما كان حجمها محورٌ واحدٌ وموضوعٌ واحد ، وقد سمعنا كثيراً عبارة  (الوحدة الموضوعية) للسورة ، ولكن لم يثبت أحد هذه العبارة بطريقة مُقنعة ، فإذا أثبتنا أن العنوان هو محور السُّورة كلّها فقد نجحنا في إثبات الوحدة الموضوعيّة للسورة بطريقةٍ علميَّةٍ”.

    [يتابع]… ونظراً للترابط القويّ والتكامل بين عنوان السُّورة والوحدة الموضوعية لها أعدتُ قراءة كتاب “النبأ العظيم”  لـ محمد عبد الله دراز (1896- 1958)، وهو بحث  في إعجاز القرآن اطلعت عليه أول مرة عام 1964 م وقد أُعجبت به إعجاباً شديداً يومهاً ، فقد بدا مقنعاً للكاتب وهو في التاسعة عشرة من عمره ، ولقي الكتاب إعجاب كبار علماء الأزهر يوم ظهوره ، وما زال يحظى بتقدير العلماء والمثقفين في الوطن العربيّ”.

    عاود أبوزريق مراجعته وهو يستعد لهذا العمل ، خصوصاً أنه جرب توقيع منهجه في تحليل القرآن على سورة البقرة ، واستغرق منه ذلك ربع مساحة الكتاب تقريباً ، وظن المؤلف أنه أثبت الوحدة الموضوعية للسورة القرآنية ، ولكنه لم يقل لنا ما هو موضوعها ، بل وزعها بين مقدمة وأربعة مقاصد وخاتمة ، ولم يربط بين هذه الأجزاء ولا ربط بين أي منها وبين العنوان ، ومع هذا يمكن وصف الكتاب بأنه كتاب جيد في إثبات إعجاز القرآن، دون أن يكون له علاقة بالوحدة الموضوعيّة للسورة .

    كيف نفذ أبو زريق دراسته :

    … “وللقيام بهذه المهمة يلزم التأكد من معنى العنوان ومدى انطباقه على مضمون السُّورة ، وبذلك تكون البداية مراجعة معاني العنوان كما ترد في المعاجم، والبحث عن المعنى الذي يُحتمل أن ينطبق على آيات السُّورة ، وبعد تحديد موضوعها مبدأياً يجري تحليل السُّورة تحليلاً يشمل كلّ آيةٍ فيها على ضوء العنوان بالمعنى المحتمل ، فإن استوعبها جميعاً كان هو المعنى السليم ؛ وإلا تحوَّلنا إلى سواه من المعاني الموجودة في المعاجم “.

    … “وبهذا العمل نثبت أمرين معاً الأول: صدق نظريتنا بشأن قيادة العنوان للسورة ، والثَّاني: الوحدة الموضوعية للسورة القرآنية التي تتحقّق هنا بطريقة علمية، والتي لا يمكن إثباتها بطريقة أخرى ، وكان هذا هو السبب في  كِبَر حجم هذا السفر فهو حوالي 750 صفحة ، وكان هذا هو الأسلوب الوحيد للردِّ سلفاً على ما يمكن أن يثيره المتضررون من ظهور هذا الكتاب وهم كثير “.

    ومما سيتبين في نهاية الكتاب أن عنوان السُّورة يشبه تماماً كلمةً واردةً فيها من حيث الحروف وترتيبها، لكنه في أغلب السور مستعمل بمعنىً آخر غير معنى الكلمة التي تشبهه، كما أنه كعنوانٍ قد يختلف بلفظه محركاً بصيغةٍ غير صيغة اللفظة التي يشبهها، فعنوان سورة آل عمران التي عرضت بعض تاريخ أسرة عمران جد مريم، حملت عنواناً مماثلاً لاسمهم، إلا أنه كعنوان للسورة مَعنِيٌّ بالعمران بمعنى نشوء الحضارة والمدنية للأمة المخاطبة وشروطه، وسورة القلم التي يشبه اسمها كلمة القلم في آيتها الأولى، إنما يأتي موضوعها القلْم بسكون اللام، ليصف إحدى سنن الله تعالى في استعادة من يستحقّ الاستعادة من عباده قبل أن يبتعد في الضلال، وسورة البلد التي يتصدرها شِبْهَ قَسَمٍ بالبلد بمعنى مكّة، يدور موضوعها حول البلادة أو التبلد وهو تراجع مستوى الإنسان وانخفاضه بعد ارتفاع .

    ودليلٌ على صدق هذه الرؤية للعنوان وطريقة استعماله ورود سُوَرٍ بعناوين غير عربيَّة كإبراهيم والرّوم، ولكن في العربيَّة كلماتٍ لها نفس الألفاظ ، فكانت السور تدور حول معاني الألفاظ العربيَّة المماثلة للأسماء الأعجمية، فتأتي هذه الحالة لتؤيد منهج الكتاب في الربط بين العنوان وبين موضوع السُّورة .

    من جهةٍ أخرى، كان معظم السور يتبع عنوانه بمعنىً واحدٍ من معانيه كالأعراف والأنفال وسواهما ، ولكن سورة المائدة كانت مائدة باثنين من معانيها يلتقيان على مائدة اللقاء ، المائدة الأولى هي مائدة الطعام؛ والثَّانية بمعنى مائدة الحوار ، وجاء عنوان سورة النحل بمعانٍ ثلاثةٍ للنحل تخدم هدفاً واحداً .

    وكي لا يشعر القارئ بالخداع عُرِضت كلّ آيةٍ من السورة لنثبت صدق ترؤس العنوان للسورة ، ولإثبات أن لا أحدَ غيرُ الله تعالى يستطيع أن يضع هذه العناوين للسور .

    ولكن كيف عرفنا هذا ؟ وكيف سندفع به شكوك الشاكين التي ستواجهنا؟

    القصة القرآنية تقوم بهذا الدور ، فهي تُوجِّه معنى السُّورة ، أي أن القصة مثلٌ تطبيقي على موضوع السُّورة ، ولو أخذنا سورة القلْم مثلاً، وتأملنا قصة أصحاب الجنّة، سنجد أن الله تعالى أدَّبهم بحرق ثمار جنتهم لأنهم هموا بالبخل على الفقراء؛ ففهموا الدَّرس وعادوا إلى الله وأعلنوا ندمهم ، فكأنَّ الله تعالى قلَّمهم ليحررهم من بخلهم ونجاهم من تزيين الشيطان لهم بتلك المصيبة .

    ووصلت القصة القرآنية قمةَ إعجازها وجمالها  في سورة سبأٍ، إذ واصلت الجنُّ خدمة سليمان بعد موته وهم لا يعلمون ، فكأنَّ الله مدَّد مفعول نعمته على عبده بعد حياته؛ لأنه قام بحقّها وكان لله شكوراً عليها ، بينما كان موضوع السُّورة نزعَ النعمة عن قبائل سبأ لأنها لم تصن نعمة الله ولم تؤد حقّها ، وكلمة سبأ كعنوانٍ للسورة تعني كشط النعمة ، فهل بلغ أحدٌ هذا المبلغ في الإعجاز وهل قدر عليه بشر ؟

    وكما خدمت قصتا سليمان وسبأ موضوع السُّورة بحالتيه : المرغوب بها والمنهي عنها ، فكذلك الأمر في كلّ سورة عندما ننظر إليها من زاوية عنوانها ، فالعنوان هو رسالة السُّورة ، ثم تقوم السُّورة بمناقشة العنوان كموضوعٍ للسورة من كلّ جوانبه المحتملة ترغيباً وترهيباً وأمراً ونهياً وتخاطب كلّ ما يمكن مخاطبته في الإنسان من عقلٍ وقلبٍ وسواهما ،  ولو أخذنا سورة “المؤمنون” مثلاً لوجدناها، كما جاء عنها في متن هذا الكتاب، تبدو كبيانٍ عامٍ يفصل في أمري الإيمان والكفر بطريقة حاسمة ، وكعادة القرآن في عرض موضوعه  تعرض أسباب الإيمان وأسباب نقيضه وهو الكفر، ونتائج كلّ منهما في نهاية الحياة الدنيا التي لا تزيد عن كونها قاعة امتحان ، وتتعمق السُّورة في النفس البشرية لنرى من خلالها الكفر انحرافاً نفسياً واضطراباً في العقل والقلب يحول بين صاحبه وبين الإيمان ،  ويبدو الإيمان احتراماً للذات واعتزازاً بقيمة الإنسان وموقفاً عادلاً في العلاقة بين الإنسان وبين ربّه الخالق المنعم ، وبمثل هذا العرض المحيط قدم القرآن سوره .

    من نتائج هذه الدراسة:

    وكان لدراسة موضوع العنوان نتائج تجاوزت إثبات الإعجاز فيه إلى أمرٍ آخر لا يقل أهميةً ، فعند اعتبار العنوان محوراً للسورة، والتحقّق من أنه عنوانها بالمعنى الحقيقي المتعارف عليه في أصول الكتابة، واستعماله كأحد ضوابط التفسير، لا تبقى حاجةٌ لأحاديث أسباب النزول؛ التي يفتقر معظمها إلى المصداقية. وكذلك يُستغنى عن فكرة مكِّية الآية أو مدنيتها في التفسير لأنها الأخرى غير مؤكدةٍ إلا  في بعض الحالات، كما يُستغنى عن أخطر بل أسوأ جزءٍ في تراث الأمة، وهو معظم الأقوال المنسوبة لصحابةٍ أجلاء كابن عباس، والجيل الثَّاني من المفسرين ، حيث تتناقض الروايات المنسوبة لشخصٍ واحدٍ حول نفس الآية، ووصفناها بالسوء لأنها قَيَّدَت عقولَ علماء التفسير، وحرمت الأمة من معرفة المعنى الحقيقي لآياتٍ كثيرةٍ؛ خصوصاً عندما رفع معظم علماء الأمة شعار أولوِّية النقل على العقل؛ وفعلاً تعطل العقل .

    ومن النتائج العرضية لدراسة العلاقة بين عنوان السُّورة وموضوعها فائدةٌ أخرى، إذ صار القرآن مُعجِزاً لغير العرب ، فإثبات معجزة العنوان وإمامته للسورة لزمه تفكيك السُّورة وتحليلها، ودراسة طريقة صياغتها وترتيب المعاني الواردة فيها، وعلاقة أجزائها بعضها ببعض ، فظهر ضربٌ آخر من إعجازها وهو إعجاز ترتيب الأفكار فيها، وتفوقها من زاوية فن كتابة النثر بأنواعه، وليس إعجاز الآية أو الجملة فقط ، وبالنسبة للعرب ففي الكتاب ما ينشىء عند القارئ مهارة الفهم ومهارة كتابة النثر بأنواعها جميعاً وخصوصا المقال والقصة القصيرة والرواية، فهذه النماذج موجودة في القرآن بأبهى صورها .

    أدوات البحث:

    وكما تحدث الكاتب عن نشوء فكرة هذا الكتاب؛ يحقّ لقرائه أن يعلموا ما كان في فترة حمله وميلاده ،  “فبزاد يسير بدأت هذا العمل الشاق لم يكن لي من مراجع حول الموضوع الدقيق سوى النَصِّ القرآني الكريم ومعاجم اللغة، وأول المعاجم عندي “كتاب العين” للخليل بن أحمد لأن العين هو الأقدم فكان الأقل تأثراً بما طرأ على معاني المفردات بعد نزول القرآن. وحيثما وردت الإشارة إليه فالمقصود به “مختصر كتاب العين” للخطيب الإسكافي ، ثم “معجم مقاييس اللغة” لأحمد بن فارس الرازي . وهو  تنظير للعين لا أكثر ، وإذا عجزا عن تقديم المعنى المناسب للكلمة كنت ألجأ إلى “لسان العرب” لابن منظور ثم “القاموس المحيط” للفيروزآبادي ولسفره الآخر “بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز”  ونادراً ما اضطررت إلى “صحاح اللغة” للجواهري وإلى “مختار الصحاح” للرازي ،  وفي كلّ الحالات لم أُسلِم قيادي لأي من هؤلاء، فلا أقبل معنى يحتمل شبهة خلافٍ إلاّ بشاهد من الشعر الجاهلي لا اختلاف على معناه ، وبذا ضمنت الدقة في فهم معاني المفردات خصوصاً عناوين السور” .

    وواجهتُ سورَ القرآن والمهمةَ الصعبة بما اجتمع لدى الكاتب من خبرة في معالجة النصوص، وما اختزنت ذاكرته مما درس في كتب النقد الفني ومدارسه العربيَّة والغربية ، وكانت أساليب كتابة المقال في الأدب الغربي من أهم مراجعته ، فقد رجع  إليها مع معظم السور لمقارنة بناء السُّورة بمكونات نوع المقال الذي يشبهها ، ولم يكن المقال هو الأسلوب البنائي الوحيد لسور القرآن ، بل شاركه البيان السياسي كما في سورة التَّوية، والخطبة في سورٍ كثيرةٍ، والروايةُ التي تجلت بأبهى صورها وأحكم شروطها في سورة يوسف، والقصة القصيرة في آيات سورة البقرة (243- 252).

    وعندما نقول إن سورة تنزلت بأسلوب المقال أو الرواية، فهذا لا يختلف عن قناعة كلّ علماء الأمة أن القرآن يلتزم بقواعد النحو والصرف العربيَّة. فكلاهما، القواعد وفنون النثر، مما ألهم الله للبشر. أقول هذا كي لا يجدها المُتَمَحِّلون فرصةً للطَّعن بالكتاب حسبما قال أبوزريق .

    واصطحب الكاتب في البداية خمسة مراجع من التفاسير وعلوم القرآن لأن أصحابها قاموا بمحاولات لتنظير السور وهم سيد قطب في تفسيره “في ظلال القرآن”، ومحمد حسين الطباطبائي في تفسيره “الميزان”، ومحمد رشيد رضا صاحب “تفسير المنار” الذي أجازه الإمام محمد عبده ، ومحمد الغزالي  صاحب كتاب “نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم” ، وقبلها جميعاً كتاب “بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز”  للفيروزآبادي  الذي كان يلخص سور القرآن كما فهمها.  ووضعت ما نقلته عنهم بزاوية سميتها مطالعات من التراث .

    وفي مواطن قليلة نجده مضطراً للاقتباس من مراجع في فلسفة التاريخ أو مراجع علمية لتوضيح فكرة السُّورة أو فكرة منها ، كلّ هذا من أجل تنظير السُّورة، كطريق لاكتشاف موضوعها وليس لتفسير آياتها ، وفي عمله كان  يكتفي بفهم السُّورة فليس التفسير موضوعه ، إنما يفهم لنفسه كي يصل لهدفه .

    وكان أول اختبار للكاتب لمنهجه في العمل دراسة سورة الكهف، ونشر ما توصل إليه بشان سورة الكهف على مدونته ( إحياء) ، عندما كانت ضمن مدونات مكتوب ، في شهر نوفمبر 2011 ثم نقله على مدونته الحالية التي حملت نفس العنوان “إحياء” على بلوغ سبوت Blog Spot .

    نقلا عن “عرب نيو” http://arabnews-egy.com

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *