الأحد 25 يونيو, 2017

    جين أوستن… الراديكالية الخفية

     كتاب يكشف الوجه الآخر للروائية الإنكليزية: جين أوستن… الراديكالية الخفية

    جمال حيدر

    p22_20161206_pic1p22_20161206_pic2لندن | رغم الصورة الشاعرية والنمطية الشائعة عن الروائية الإنكليزية جين أوستن (1775 ــــ 1817) التي ترسخت عميقاً في عقول أجيال عدة، بأنها الكاتبة الوقورة التي كتبت روائع أدبية تليق بأخلاقيات وسلوك العصر الفيكتوري، إلا أنّ كتاب «جين أوستن.. الراديكالية الخفية» (دار آيكون للكتب ــ لندن) لهيلينا كيلي، المتخصصة في أدب أوستن في «جامعة أكسفورد»، يكشف وجهاً آخر للروائية.

    يخترق العمل طبقات من أفكار ضبابية مسبقة تكاثفت في أذهان المتلقين على مدى عصور عدة متواصلة، مقدماً الروائية بأنها الثائرة التي أماطت اللثام عن تفاصيل حياة مجتمع احتل المال والمركز الاجتماعي أهمية قصوى في تحديد مسار البشر، في محاولة لنعيد قراءة نتاجاتها مجدداً وبعيون أخرى، ونكتشف تالياً وضع المرأة المأساوي وفقر الفلاحين ومصاعبهم الحياتية القاسية، وفساد رجال الدين، وما خلفته العبودية على مجمل حركة المجتمع.
    ورغم أنّ فكرة الكتاب تبدو متفردة للوهلة الأولى، إلا أنّ العديد من النقاد كشفوا عن هذا الجانب من كتابات أوستن. منذ منتصف القرن الماضي، اقترب النقاد ــ يحيط بهم الكثير من الريبة ـــ من أعمال أوستن، باعتبارها الساخرة من تقاليد مجتمعها وواجهت سلوكياته وعرّت صورته، منتقدة تماماً ما أحاط بالعلاقات المجتمعية من شوائب بغية تحقيق ثروات ومنزلة اجتماعية، من دون أي اعتبار لبعد أخلاقي أو وازع إنساني.
    لكن، هل يعني هذا أنّ القراءات السابقة لأعمال أوستن كانت خاطئة وأساءت فهمها، باعتبارها المرآة العاكسة لزمنها بكل تشعباته، بخاصة الجانب الآمن والمحافظ فيما يتوشج تحديداً بروابط العلاقات الاجتماعية؟
    تشير هيلينا كيلي في كتابها إلى أنّ أوستن مقتت الأرستقراطية، لا سيما مع فترة بروزها إثر انهيار الهياكل الاجتماعية والعلاقات الاقتصادية القديمة، رغم أنّ أوستن كانت محافظة ومرتبطة بالمسيحية عاطفياً، بتأثير من والدها رجل الدين. وعارضت المسار الليبرالي (التحرري) في الأدب الإنكليزي، غير أن كيلي بحثت بعمق في روايات أوستن التي تخفي تحت قشرة الرومانسية، نزعة الكوميديا التي تغلف رواياتها، فضلاً عن موضوعات أخلاقية عميقة وجادة للغاية.
    إنّها دروس أخلاقية تتنكر تحت قناع الترفيه، إذ قدمت هذه الأخلاقيات ليس باعتبارها مجرد تكيف ضروري للعمل الروائي، بل باعتبارها الوجه الآخر للغرور والكبرياء المقيتين اللذين اتصف بهما النبلاء والأغنياء الذين تسخر منهم عادة في صفحات رواياتها.

    تشير كيلي إلى أن أوستن دوّنت رواياتها في عصر اتسم بالاضطراب السياسي الحاد: الحرب مع فرنسا، الحرب في أميركا، اندلاع الثورة الفرنسية. لهذا كان ينظر لأي انتقاد بمثابة تهديد للسلم الأهلي، خاصة مع توسيع معنى الخيانة لتشمل أي فعل مرتبط بالتفكير والطباعة والقراءة والكتابة. وجاء ضمن السياق أنّ تحدي المعايير الاجتماعية يعتبر عملاً غير قانوني، لتنتشر الكتابة المحافظة، فيما نزع الراديكاليون نحو الطبيعة أو الغور في التراث، لتغدو أوستن في مناخ متشدد كهذا، متميزة في تشخيصها لآفات الواقع الاجتماعي.
    أنجزت جين أوستن ست روايات في حياتها لم تحقق لها الشهرة آنذاك، لكنها اكتسحت عالم الشهرة بعد وفاتها بـ 52 عاماً، بعدما نشر ابن شقيقتها سيرتها الذاتية. كانت أولى رواياتها «العقل والعاطفة» قد نشرت باسم مستعار (سيدة) عام 1811، ويعود السبب إلى أنّ الكتابة كانت حكراً على الرجال فقط. ثم توالت بعدها الروايات الأربع خلال ستة أعوام، ونشرت الرواية السادسة في العام الذي تلا رحليها.
    أثارت روايات جين أوستن قضايا اجتماعية ونسوية مبكرة في ذلك العصر، حيث مثلت طموحات النساء في الطبقة الثرية والمتوسطة في التطلع صوب حياة أقل ألماً للوصول إلى ما يحقق ذواتهن، لا سيما ما يتعلق بتعقيدات الزواج الطبقية والأحلام التي تخبو في ظل حياة غالباً ما يستحوذ على تفاصيلها الرجال. وفي عرضها العلاقة بين الجنسين، ركزت على أبعاد تلك العلاقة المادية، وعلى تبعية المرأة وخضوعها للرجل المتفوق اجتماعياً.

    تقودنا كيلي في كتابها ــ فصل تلو آخر ـ لسبر أغوار روايات أوستن، في محاولة جادة لتعزيز رؤيتها المتمحورة حول عداء أوستن لسلوكيات الطبقة الثرية المتحكمة بمصائر الملايين من الفلاحين. تكشف عن أهمية المال في إغواء الفتيات، وسيطرة الرجال على الميراث في رواية «العقل والعاطفة»، وصراع الطبقات وأهمية البيئة في تنشئة الشخصية بعيداً عن الطبقة الاجتماعية والثروة في «كبرياء وهوى». وفي «إيما»، تسلط أوستن الضوء على مشاكل ومخاوف نساء الطبقة الغنية في العهد الجورجي، حيث برعت في استخدام كوميديا الأخلاق بين الشخصيات عبر شخصية الفتاة إيما. وفي رواية «إقناع»، تتبلور عاطفة المرأة وفقاً لمركز الحبيب الاجتماعي. أما في «حديقة مانسفيلد»، فتصور تلك الحديقة بأنها كانت قائمة بفضل عمل العبيد، رغم قرار إلغاء العبودية، بسبب تواطؤ كنيسة إنكلترا مع تجارة العبيد. علماً أنّ الراحل إدوارد سعيد أشار في كتابه «الثقافة والإمبريالية» إلى الرواية قائلاً: «بأن كل ما نعرفه عن أوستن وقيمها، هو مناوئ لفظاظة الرق». وترسم في «دير نورثانجر» ــ خلافاً لمعتقدات القرن الثامن عشر ــ شخصية البطلة بأنها فتاة بسيطة بملامح عادية تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، وبأحلام متواضعة.
    وبخصوص قرار اعتماد صورة الروائية جين أوستن على ورقة الجنيهات العشرة قبل عامين، تشرح كيلي في عملها أنّ الكاتبة تبدو في صورتها غاضبة، رغم سخرية أعمالها، وخلفها منزل فخم لا يمت لها بصلة. وقد أنهى القرار المذكور بذلك غياباً طويل الأجل لتمثيل المرأة على الأوراق النقدية، وترافق صورة أوستن عبارة رددها كارولاين بنغلي أحد شخصيات رواية «كبرياء وهوى»: أعلن بعد كل شيء لا متعة تعادل متعة القراءة».
    مثّل اختيار جين أوستن نصراً نسوياً وأدبياً، لروائية يمكن اعتبارها ضمن أشهر كتّاب الرواية الذين ما زالوا يتمتعون بشعبية واسعة من قبل القراء والنقاد معاً، والرمز النسوي الأكثر شهرة في عالم الأدب الإنكليزي. في المقابل لا تزال روايات أوستن تحتل صدارة الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، وتحظى بنسب مشاهدة مرتفعة.

    حبّ واحد ولدت جين أوستن في مدينة ستيفنتن الصغيرة التابعة لمقاطعة هامبشير. كان والدها راعياً لأبرشية المدينة، انتقلت الأسرة إلى مدينة باث إثر تقاعد والدها. عاشت تجربة حب واحدة لم تتكلل بالزواج، لتهمس في أذن ابنة شقيقتها في صباح اليوم التالي من انهيار التجربة: «كل شيء يمكن أن يحدث، أي شيء يمكن أن يتحمله الإنسان، إلا أن يتزوج بغير حب».

    جريدة “الأخبار” اللبنانية العدد ٣٠٥١ الثلاثاء ٦ كانون الأول ٢٠١٦

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *