الأربعاء 11 أكتوبر, 2017

    الاستقرار النفسي وبنية السلم المدني

    دور الانتماء في الاستقرار النفسي وبنية السلم المدني

    سبحانه وتعالى لم يحلّ في فردٍ من الناس، ومن يعتقد ذلك فهو كافر

    السيد محمد رضا السلمان

    alsaman-1

    ماذا يعني الانتماء؟:

    الانتماء واحد من المفاهيم المهمة التي ينبغي أن يكون لها حراك فاعل في عقولنا لينعكس ذلك على المجتمع من حولنا، وذلك لنضع اللبنات واحدة فوق الأخرى، لنصعد إلى مرتقى الأمم من حولنا.

    والانتماء لغةً هو الانتساب إلى شيءٍ ما. وفي هذا الحدّ اللغوي يتجلى ما لهذا المفهوم من أهمية وقيمة عالية. وأما في الاصطلاح فاختلفت كلمة القوم بين بسط وقبض، وليد ما هم عليه من مخزون فكري وثقافي، وآليةٍ على أساس منها يرصفون ما بين تلك المفردات. على أنني أشرت وفي أكثر من موطن إلى أن المصطلح مهما بذل الواضع فيه من جهود، تبقى الثغرات موجودة، وبمقدور الإنسان الخبير أن يضع يده على مكامنها.

    فالانتماء في الاصطلاح: هو الارتباط الحقيقي مع أمر معين، مع اختلاف الطبيعة. وبين التعريف الاصطلاحي والتعريف اللغوي فارق كبير، فمن عمد إلى الاصطلاح أعمل مجموعة من الآليات لم تكن متوفرة عند من وضع أو بيّن المعنى لغةً، لأن التعريف اللغوي يبقى للزمان فيه الحكم القوي، على العكس مما هو عليه تماماً في المصطلح.

    ففي التعريف اللغوي يكون عامل التثبيت هو الأساس، فيما يكون في الثاني عامل الحركة هو الفاعل. فالتعريف الاصطلاحي يضاف عليه وينقص منه بحسب ما يَطرأ من الأمور المكتنفة للمعرَّف. ومن هنا تتطور العلوم والمعارف وتسمو الأمم. أما التعريف اللغوي فهو منتزع من البيئة آنذاك، عندما كان الإنسان العربي يفترش الأرض ويلتحف السماء، ويلوذ بكنف بيت من شَعر، مع راحلة تُقلّه إذا ما أزمع الرحيل.

    إيجابيات الانتماء:

    وإذا ما اقتربنا من الانتماء وحاولنا أن نتفاعل معه ونسير معه في المسارب من حولنا، فإنه يعطينا صمام أمان، في جميع العناوين التي سوف أستعرضها واحداً تلو الآخر.

    1 ـ الاستقرار النفسي: 

    فالانتماء يمنحنا عامل الثبات النفسي في مقام الحركة، وهذا مكسب كبير جداً، فمن كان له ركن يأوي وينتمي إليه عن قناعة لا عن تقليد أعمى، فمما لا شك فيه أنه يتحرك حيث شاء، لأن المظلة التي ينتمي إليها موجودة، وللانتماء إسقاط عليه. فالنفس يتأصل فيها هذا البعد مع مرور الأيام، ويكون التفاعل بين الطرفين، بين حقيقة المصطلح وحالة الحركة التي يحدثها المنتمي.

    من هنا نجد أن الإنسان المنتمي يبقى ثابتاً في منطلقاته وحركاته ومشاريعه وتوجهاته وأفكاره وما إلى ذلك، إلا في ما يصب في خانة التقدم.

    2 ـ تعزيز بنية السلم المدني:

    كما أن الانتماء يشكل لَبِنة هامة في بناء المجتمع المدني، لأن المجتمع مجموعة من الأفراد يربطهم الزمان والمكان والمصير، تتعدد مشاربهم وأهواؤهم ورغباتهم، ولكن ثمة شيء يجمعهم، ألا وهو الهم الكبير الذي يشغل الكثير من مساحات العالم الإسلامي، بل يشغل الدنيا اليوم، وهو السلم، بأن يكون الإنسان في حالة من السلم والأمن والهدوء والسكينة. 

    إن الفرد الذي لا يعيش حالة السلم المدني، والدولة التي لا تعيش السلم المدني، والأمة التي لا تعيش السلم المدني أي منهم لا يستطيع أن يتقدم خطوة إلى الأمام، فالسلم المدني مطلب كبير، والانتماء يؤمّنه ويحققه في جميع المساحات التي نرغب أن نجنّح في أجوائها وأطرافها.

    3 ـ المساعدة في وأد الظواهر السلبية: 

    كما أن الانتماء يمنحنا واحدة من أهم القضايا التي ربما لا نلتفت إليها كثيراً، ألا وهي المساعدة في وأد الظواهر السلبية في الوسط الاجتماعي، فلا يوجد مجتمع فاضل ولا دولة ولا مدينة فاضلة، وإنما توجد نسبة من الفضيلة هنا وأخرى هناك، وهكذا الأمور بحساباتها ومقاييسها، إلا أن الإنسان كان وما يزال يبحث عن الفضيلة من يوم آدم إلى يومنا هذا، ولم يهتدِ إليها سبيلاً، وإذا ما حصلت الفضيلة في مكانٍ ما في الظاهر فإنما تأتي على أشلاء البشر وجماجمهم وعلى أنهر من الدم تسيل ليلاً نهاراً، ولا شيء وراء ذلك، وهنا تسقط الفضيلة، لأن الثمن الذي دفع في تحقيقها وفي تمظهرها الخارجي، لم يكن يتوازى مع تلك القيمة التي تمّ دفعها، واشترك في دفعها الضعفاء والبسطاء والطبقة المسحوقة من أبناء البشر على وجه هذا الكوكب.

    دور النُّخَب في التصحيح:

    إذن السلبيات موجودة، فمن الذي يتولى عملية ردمها في المجتمعات؟ هل نطالب الإنسان الكادح الذي يصبح ويمسي في طلب لقمة العيش، أن ينظّر لنا ويأخذ بأيدينا إلى مساحات الفضيلة قدر إمكانه ومستطاعه؟ أم هي النخبة التي نذرت نفسها لهذا الأمر من رجالات العلم؟ والعلم هنا أعمّ من أن يكون العلم علماً دينياً، فحتى رجال العلم الدنيوي لهم الفضل الكبير في دوران عجلة الحراك المدني والتطور الصناعي الذي بات الإنسان اليوم بفضله يعيش حياةً لم تكن تحلم بها الكثير من الأجيال التي تصرمت حتى في عوالم نومهم.

    فالسلبيات موجودة أينما اتجهت، في بيتي وبيتك، وفي العمل والمدرسة والشارع. حتى في أروقة الأمم المتحدة وما دونها من المؤسسات العامة والكبيرة، تجد السلبيات والفجوات في أكثر من ركن وركن، ولكن أولئك الذي نذروا أنفسهم لأكثر من قضية وهدف هم الذين يضعون أيديهم على تلك الثغرات، وأحياناً النتوءات، ليوجدوا لها حلاً، لأنهم سمحوا لأنفسهم بمراجعة الحسابات، وما أحوج الأمة اليوم بكل تشقيقاتها أن تندفع في هذا الاتجاه، فالأب في بيته عليه أن يفتش عن السلبيات، وإلا عليه أن ينتظر الأسوأ، ورب العمل كذلك، والمفكر والمثقف ورجل الدين، وهذ الأخير مطلب مهم جداً، وربما يشكل زاوية تتفرع عنها مجموعة من المسارات، فإذا كنا نرى أن رجل الدين هو ذلك الإنسان المقدس الذي يمثل الله تعالى على وجه الأرض بالولاية المطلقة، فعلينا أن نراجع الحسابات، لأن الله سبحانه وتعالى لم يحلّ في فردٍ من الناس، ومن يعتقد ذلك فهو كافر مارق من دين الإسلام، صحيح أن الله تعالى كرّم الإنسان ولا يجوز لأحدٍ أن يهتك ستر إنسان كائناً من كان، لكن هذا أمر وأن ننزل الإنسان منزلة الخالق أمر آخر مختلف.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *