السبت 24 يونيو, 2017

    قطّر زهر القصائد لتصير عطرا

    لقاء الأربعاء الأدبي

    قطّر زهر القصائد لتصير عطرا في ساحاتنا الثقافية

    donaكتب يوسف رقة

    fadelبدعوة من “الملتقى الثقافي اللبناني” أحيا “ليل الاربعاء الأدبي ـ بيروت” أمسية شعرية استضاف فيها الشاعر السوري عبد القادر الحصني وقدمتها الإعلامية الشاعرة دينا خياط، بحضور شخصيات أدبية وثقافية وشعرية وإعلامية، وذلك ليل الأربعاء 2/11 /2016 في قرية الساحة التراثية، استهلتها الشاعرة دينا خياط بكلمة قدمت فيها الشاعر وعرضت لنبذة عن حياته وتحليلا لمنهجه الشعري، مؤكدة تميٌُّز قصائده لما تتسم به من سمات حدثاوية.. ثم تحدث رئيس الملتقى الثقافي اللبناني الشيخ فضل مخدر فرحب بالحضور موضحا بأن الشاعر الحصني هو أحد الأركان المؤسسين للقاء الأربعاء الأدبي، لافتاً لمكانته الشعرية في هذا الجنس الأدبي، الذي حمله إلى أن يكون من أوائل الشعراء العرب الذين اعتلوا المنبر الشعري.

    ثم تقدم الشاعر عبد القادر الحصني إلى المنبر فألقى قصائد غير منشورة من ديوانه المقبل الذي يحمل عنوان ” الإنسان ونصوص أخرى ” فأخذنا إلى عالم متنوع بين القصائد الصوفية والوطنية والانسانية .

    eskandv-1بعد ذلك جرت مداخلات قيّمية تكلم خلالها الشاعر الدكتور محمد علي شمس الدين معتبرا أننا في لحظة تشظي ولحظة الصرخة الشعرية داعيا إلى إعادة الشعر إلى ينابيعه ومؤكدا على ضرورة الشعر كحاجة إنسانية وإجتماعية …ثم تحدث الوزير السابق الشاعر طراد حمادة فاعتبر بأن قصائد الحصني هي بمثابة قضية ذات أبعاد فكرية وعاطفية مشيرا إلى المنحى الصوفي في قصائده مؤكدا بأن ما سمعه يدل ويكشف عن تجربة مختلفة ..ثم تحدثت أيضا الدكتورة أميرة مولى التي أشادت بقصائد الشاعر الحصني معتبرة بانها قصائد موجعة .

    وفي ختام الأمسية، فتحت السهرة الأدبية، فكانت ضيفة الأمسية الشاعرة يسرى بيطار التي ألقت إحدى قصائدها الجديدة وأعربت عن فرحتها لمشاركتها في أمسية الأربعاء الأدبي للمرة الأولى ، ثم ألقى الشعراء الشباب أعضاء الملتقى الثقافي اللبناني قصائد لافتة لاقت إستحسان الحضور ، وهم الشعراء : علي الرفاعي ، موسى حمادة ، حسن المقداد .. وكالعادة كان مسك الختام مع الشاعر أحمد منصور .

    فيما يلي نص الكلمة التي قدمت فيها الإعلامية الشاعرة دينا خياط، للشاعر عبد القادر حصني على أن تنشر “مدارك ثقافية” بعض قصائد الشاعر من الأمسية في وقت لاحق:

    “من بقايا جمرٍ، من رعشةٍ وغناء.. تُولد القصيدة عند الشاعر عبد القادر الحُصني، والتي ينحازُ إليها، لأنها معنى وجوده، مثلما هي حضوره الجمالي الخالد بين “البقاء والنقاء”، شعرًا يتفرَّد بأصالتِه المميزة، شأنُ كلِّ حالةٍ إبداعية.

    وأنَّى تجولنا في رحاب عالمه الشعري ، نجد أنفسنا دائماً أمام هذه الأركان: النَفَس التصوفي؛ الرهبة الكونية؛ الوطن الممزَّق؛ و الأنا الضائعة بحثًا عن الذات والشعر والتسامي معًا.

    ويمكن لنا أن نضيفَ إلى معالمِ الركن الأخير – “الأنا” – .. أنها إذا عانقت الحزنَ .. فهي أبعدُ ما تكونُ عن الكآبة؛ بل إن فيها حضوراً حسيًّا دافقًا، خاصةً في حالة الحب، فالحبُّ طقسُ عبادةٍ وخَلق، يترافق مع وجودِ النزعةِ التصوفية المتسامية.

    حتى في غمرةِ الألم ، هناك حضورٌ كثيفٌ لجميع الحواس: السمع، والنظر، والشم، والذوق، واللمس.. وهو حضور حسِّي جميل بكلماته الموحية المنتقاة، ؛ وهذا ما يؤكد تفرُّد الحُصني في هذا المجال، بما أعاد إلى الكلمة الشعرية، بالإضافة إلى التعبير والإيحاء، شكلَها الجميل، وجهَها الصافي، دون ديباجة إنشائية مطنطنة، وبعيدًا عن جميع أركان البلاغة المستحاثة.

    mdaعلى أن القصيدة الحُصنية تعتمدُ في معماريتها، بالإضافة إلى فيضِ الأحاسيس المتجسدة في كلمات جميلة، على أركانٍ رديفة يمكن لنا تبويبُها على التوالي: وحدة الصورة الشعرية على امتداد القصيدة؛ المنحى الأسطوري أحيانًا؛ التضمينات أو التناص باستمرار؛ و تأرجح الوجدان الشعري بين التراث والحداثة … فقصيدته لوحةٌ متكاملة، دون الضياع في متاهة “التعبيرات المصورة”، لأنه يركّز على نضارة التعبيرات الحسية.

    ولا ينتهي الحُصني في قصائده من التضمين والتناص، إلا في خَلقٍ جديد، ومن بعدِ تمثُّلٍ شديدِ الخصوصية. فيمكن لنا قراءة هذه الحالة من خلال التأرجُح الإبداعي بين المدَّخر التراثي الكامن في أعماق اللاوعي وبين النزوع الواعي؛ وهو لدى شاعرنا.. نزوعٌ راسخٌ إلى الحداثة بفعلِ موقفٍ فكري وجمالي اختياري، بالإضافة إلى القراءات الكثيرة في هذا الميدان .. هذا التأرجُح في عفوية وصدق مع النفس ميلاً إلى القديم حينًا، وإلى الحديث حينًا، وإلى الإبداع الأصيل دائمًا، هو ما يجعل الحُصني، دون أدنى تناقُض، يُنتج القصيدتين: العمودية والمرسَلة، على حدٍّ سواء.

    أما عن نشأة الشاعرعبد القادر محمد الحصني وحياتِه … هو شاعر سوري معاصر ولد عام 1953 في مدينة حمص … لم تكن طفولته تُشبه طفولةَ الأطفالِ الآخرين، من خلال علاقته بالطبيعة وتأمله الطويل لها، فبينما الأطفال يلعبون ويمرحون، كانت تدور في ذهنه الكثير من الأسئلة حول موجوداتِها كالنهر والأشجار والأحجار التي لم يعرف إجاباتٍ عنها … هذه الهواجس جميعُها جعلتهُ يحتفظُ في داخله بالكثير من الشعر غير المكتوب، فتمتلئ أعماقُه بعوالمَ يمتزجُ فيها الواقعُ بالخيال … فأخذ يصوغ العالمَ على النحوِ الذي يريد ويتخيل … لكن أهله في البيت لم يفهموا حالتَه باستثناء والدته التي كانت تعرفُه بعُمق، وكانت تعرف أنه شاعر فتقول له لتخففَ من غضبه منهم: هناك فرقٌ بين الشاعر ومن يكتبون الشعر … فهؤلاء الذين حولك يكتبون الشعر، أما أنت فيمكن أن تكون شاعراً … وهكذا شكلت هذه المرحلة من الطفولة الينبوع الأول من ينابيع الشعرعندَه … والينبوع الثاني الذي رفدَ شعرَه فهو علاقتُه بجده .. ذلك الشيخ الصوفي، وكما هو معروفٌ عن الصوفيين علاقتُهم مع المطلق، تلك العلاقة الملونة التي تدخل فيها الموسيقى والغزل والشعر والحب، وهذه الحالة الروحانية المزينة بالقصص الخيالية كقصص الكرامات والأنبياء والأولياء والعواطف الوجدانية، لأن الصوفيين يعبّرون عن عواطفهم ووجدناهم بأشياء حسّية جمالية.

    وخلال رحلة العمر، التقى برجالٍ على درجةٍ عاليةٍ من الروحانية والنقاء والبصيرة، هؤلاء بالإضافة إلى ثقافته الصوفية حاضرون في حياته وفي تجربته الشعرية، مما جعلَه تلميذاً نجيباً يستطيع أن يخفي إلى حدّ كبير آثارَ تأثيرهم .. لثقته ب ال ” أنا “.. وبأنه كائنٌ جديد ويرى الأشياءَ برؤية جديدة … فالإنسان لا يستطيع أن ينفكَّ مما عرف أو مما سبقَه .. فما حدث حدث .. وما كان كان .. ولكن المأثَرة العظيمة والكبيرة لكلِّ إنسان .. ماذا يقولُ هوَ .. بعد أن رأى وعرف كل ذلك.

    والشاعر الحصني يعتبر أنه لم يكن في يوم من الأيام من مهمة الشعر أن يغير وجه التاريخ، أو أن يقلب أوضاعاً سياسية أو اقتصادية، لكن هماً كبيراً من هموم الفن هو استقلاب الإنسان، الفن دائماً يريد أن يوقظ الإنسان على إنسانيته الأعمق، لنقل على الصورة الأولى لوجوده في هذا العالم ..لإعتقاده أن الشعر يذكّر الإنسانَ بأنه كان في يوم من الأيام شجرة أو ليلاً ونجوماً وقمراً .. أنه كان هذا العالم .. أنه كان في بدائيته يُغني فيعود الصدى إليه فيظن أن العالم يغني معه، ولكن كيف فقد هذا … هنا يأتي دور الشعر في أن يوقظ الإنسان على إنسانيته.

    اما الموت فهو لا يشعر بأية فجائعية تجاه الموت، سواء موت من يحب، أو موت شخص يعرفه .. ولا يعتقد أن الحياة تنتهي بتوقف هذه الجثة عن الحركة .. بل يظن أن هناك حيوات كثيرة ستتعاقب ولكن لا يعرف كيف .. ويشعر أن الموت قاربٌ جميل يأخذنا إلى المحطة التالية ولابد من متابعة الرحلة، وفي بعض الأحيان يشعر بسعادة أن يصل إلى هذه اللحظة ليتعرف إلى بقية المشوار .. وفي رؤيةٍ يتخيلُ فيها الكيفية التي سيغادر بها هذه المرحلة من الحياة.

    ويرى الحصني أن سوريا سوف تعود أجمل مما كانت، في مستقبل بلا أحقاد، وحياة مفعمة بالأمل والحب وازدهار الفن.

    نشر الحصني عدداً من الدراسات المتفرقة، إلى جانب ما نشره من شعر في مختلف الصحف والمجلات. وحصل الحصني على جائزة الشعر الأولى لثانويات حمص 1970، ولجامعة دمشق 1974، وتناولَ شعرَه بالنقد والدراسة أكثر من ثلاثينَ ناقداً وشاعراً .

    في الختام نقول … هذا الرجل الذي كتب فكانت كتاباتُه تكاد تنفردُ عن غيره من أبناء جيله .. لما تتسمُّ به أشعارُه من سماتٍ فنية حَداثوية قد تختلفُ عن غيره … وهذا ما جعله – ربما – من المُقلّين الذين يتورَّعونَ قبل نشرِ ديوانٍ شعري، واضعين نُصب أعينِهم ذاك القارىء المثقف الذي ينتظرُ دائماً الأفضل والأجمل…

    إنه الشاعرالسوري الآتي من حمص عبد القادر الحصني .. الذي سنتعطرُ بأريج ياسمينه الدمشقي ونطرب بجميلِ شعرهِ وإحساسه .”.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *