الأربعاء 19 ديسمبر, 2018

    ما رأيت إلا جميلاً

    19
    views

    ما رأيت إلا جميلاً

    محمد علي شمس الدين

    shams-1

    * إيلان الذي وُلد من البحر

    حين لفظ الموج « إيلان» على الشاطئ، وأخرجه من رغوة الزبد، كان قد رتب له سريرا على الرمل، ثم كبه على وجهه مثل دمية كبيرة هناك. رماه ومضى إلى حال سبيله. أنت تنتظر مني أن أحدثك عن ولادة «إيلان» الذي ولد من البحر. ولكني سأحدثك عن موت إيلان. كان ذلك في شهر ايلول…

    من بعيد، ظهر لأول مرة وكأنه نائم.. حتى أن الشرطي التركي الذي عثر عليه بينما كان يقوم بدورة الحرس الصباحية تقدم منه بحذر، وخلع ثوبه الكاكي وغطاه به. خاف عليه من البرد. أو لعله خاف أن يوقظه فانسحب على أطراف أصابعه.

    لكن «إيلان» (ابن ايل) كان ميتا على ذاك الشاطئ التركي البعيد، وكان جميلا وبضا ونائما على وجهه كدمية، وكان كأنه ولد للتو من رحم الاوقيانوس. وقلت لك سوف يصيبك الدوار إذا كنت معي في ذاك المركب وتتلاشى كالثوب أو ترتمي كورقة. وأنا حين دعوتك للسفر، كان قد أقلع «عبد الله شنو» بابنه ايلان (ابن السنتين) في ذاك المركب الواهي، منطلقا من جزيرة بدروم التركية إلى جزيرة كوس اليونانية وحمل معه ابنه غالب وأمهما ريحانة.

    قد تظن أن هؤلاء نفر من عائلة مقدسة أو من آل الكساء. وأن ما حصل حصل من ألفي عام خلت أو من ألف عام ونيف. لكن الذي حدث يا بني، ليس في الصحراء ولا في البر ولا في الكتب. كل شيء حصل اليوم، هنا، وفي هذا البحر بالذات.. وعلى هذه الشواطئ والحدود الحزينة من البحر الابيض المتوسط. وتحت سماء صافية. وفي تمام الساعة العاشرة من الثاني من شهر ايلول من العام الخامس عشر بعد الالفين، لفوا إيلان بكفن أبيض وحملوه ودفنوه في مسقط رأسه ( كوباني) … «ورقو الاصفر شهر أيلول، تحت الشبابيك، ذكّرني فيك…» أنت لا تقصدين ايلان يا سيدتي الذي مات في شهر ايلول… أنحني أمام حزنك المعلق تحت الشبابيك يا سيدتي، لكنني لا أدخر حزني لأيام الخريف، مثلما تدخر النمال حبوب الحنطة لشهر كانون، ويدخر العصارون الخمرة المعتقة لبرد الشتاء… وما تحسبينه ذهبا معلقا على الأغصان تحركه ذكريات الحب القديم، ليس سوى صدأ أصفر تركته حوافر الخيول على الجسد الهش للعاشق… وكان عبد الله قد فر بعائلته إلى حي ركن الدين بدمشق، ثم إلى اسطنبول. ثم إلى أرضروم. كانت الحرب قد أجبرتهم على الرحيل. ومما جاء في رواية موتهم أنه عندما انقلب المركب وبدأت الامواج تدفعهم إلى أسفل كان عبد الله يقبض على الطفلين بيديه يحاول بكل قوته رفعهما إلى أعلى، وكانا يصرخان: بابا لا تمت…

    (شهر ايلول تحت الشبابيك ذكّرني فيك)…

    ما رأيت إلا جميلا

    وتقولين لي: «ما رأيت إلا جميلاً»… وإنه، عليه السلام، حين أخذ بين يديه دم ابنه الصغير عبد الله، المشكوك عنقه بسهم حرملة، ورماه نحو السماء، ما وقعت منه قطرة واحدة على الارض… ولو وقعت قطرة لنزل العذاب (رواه الطبري).

    ولكن، ها هو العذاب يا سيدتي، يهطل من أفواه القرب، وأنا حملت معي منه في البحر قارورة صغيرة، وحين أرقتها في عباب الأبيض المتوسط، اصطبغ البحر بالأحمر القاني من حدود أرضروم إلى طرطوس فشواطئ صيدا وصور.

    هل تصدقين أن دماً غير دم عبد الله، قادر على مثل هذه المعجزة؟ أن دم كبش عظيم مثلا، قادر على أن يصبغ مياه المتوسط بكل هذا الاحمر الارجواني المتموج؟ وذلك فيما لو رسمه الرسام كان سيكون أمراً جميلا.

    * على المسرح…

    «سوف تدخل الميتافيزيقا إلى العقول عبر الجلد…» (أنطونان اَرتو، المسرح وقرينه).. وعلى المسرح انظري معي لما جرى:

    يمد اسماعيل الوديع كحمل، عنقه الطرية أمام والده ابراهيم ويقول له اذبحني. اربط وثاقي ولا تقترب بثوبك حتى لا يتلطخ بالدم فتراه أمي فتحزن… بعد ثلاث ضربات (كلاكيت) على المسرح تدخل الملائكة بخطى وئيدة على رؤوس أصابعها، تأتي من مكان مظلم من جهة اليمين، متدثرة بجلد خروف، وتجلس في مقاعدها المهيأة لها تماما بين الكومبارس ومقاعد الجمهور. يغيب اسماعيل عن المسرح، تمط الخراف أعناقها وكأنها مهيأة للذبح ثم تسدل الستارة. وكان ثمة من يضحك بين الجمهور وثمة من يبكي ومن يخرج من الصالة خائفا وهو يولول.

    * نبوية

    حذرتك من أن تتبعني، سواء في بحر كان أو في بر. في سيرة أو كتاب. وقلت لك إني حين كسرت ذراع العقل، فلكي أصل إلى أبعد مما وصلت إليه (نبوية) حين كسرت ذراع الفعل وأنفه، وتركته في علته حتى يلقى حتفه.

    وأنت لا تعرف من هي (نبوية). سأروي لك سيرتها. إنها منسوبة إلى «موسى» وتقول:

    «فإن تكسروا للفعل عينا فإنني

    كسرت ذراع الفعل عمدا وأنفه

    وإن كان معتلا فلست طبيبه

    دعوه دعوه عله يلق حتفه»

    نبوية هذه، تمشي على أنف «سيبويه» كما ترى. كسرت عين الفعل وذراعه وتركته يعتل حتى يموت. لكن أنا كسرت عين العقل يا صاحبي.. ولن تطيق معي صبراً. أنا تبعت طريق جلال الدين… «دخلت النار سكرانا / حسبت النار أوطانا /ألفت النار أحيانا/ فمنذا يألف النيران؟» (جلال الدين الرومي في شمس تبريز).

    وأنت الحزين وأنت المظلوم ومن الحيف أن يخافك الحزين والمظلوم مثلك. وأمام ما يتكوم ما بين جبل اللكام وبوابة القصير، وما بين حلب ومكة والكوفة، أنصحك بالصمت. لأنه وأنت المقتول، من المخيف أن يزغرد القاتل كالذباب فوق جثمانك الهزيل ولا ترد إلا بالصمت. لا شيء أقوى من الصمت. Moyan: لا تتكلم.

    * السوداء

    «قال ربي اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلّم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً» (اَل عمران 40)

    وقد جيء بالسوداء إلى رسول الله (ص) قال لها: أين الله؟ فلم تتكلم، بل أشارت بإصبعها إلى السماء. قال: هي تعرف أين الله. إذا كان ثمة من كواكب فلا بد من مكوكبها. وأنت تسألني أين الله. وأجيبك تماما هو هنا في هذه النقطة الغامضة من الزمن. وهي المنطقة الدغلية الاولى حيث يلتف فيها الانسان على ذاته يرتعد من الخوف ويرتقص من الغبطة وتختلط نداءات الطيور وصيحات الكهنة.. زغاريد الجذلى وحشرجات العبيد في الشوارع وفي إشارات الرعد والمطر وكلام المرسلين، هنا حيث يومئ الإنسان كلماته البكر التي كأنها خطوات أولى على خد القمر. وتقهقه القرود وتجعر الفيلة ويصدح البوم الاصمع.

    وهنا حيث يستيقظ أبناء الطين وكأنهم أفاقوا من سبات عميق. يستيقظ اَدم من نومه القديم ويفتح عينيه ويقول: أين الله؟ ولعل الامر يحدث على الصورة التالية: «يمكن أن يكون الوقت في منتصف الليل، والمكان الذي يحدث فيه هذا هو كنيسة في مقبرة. وبعد أن نزل المسيح إلى وسط الظلال قال لقد استكشفت العوالم، طرت إلى الشموس وذهبت إلى أطراف الكون القصوى، بحثت في الهاوية وصرخت أين أنت يا أبي. لكنني لم أسمع سوى المطر يتساقط إلى الأعماق والعاصفة الأبدية التي لا يحكمها أي نظام. وحين اجتمع الاطفال حول المسيح سألوه شيئا فقال لهم نحن يتامى جميعاً. وأضاف: «ليس هناك أب على المذبح الذي أنا عليه الضحية» (بتصرف/ «أطفال الطين» أوكتافيو باث عن جيرار دي نرفال. «الينابيع» دمشق 2001 ت: أسامة أسبر)

    كيف أقتل من لا أعرف

    «تشير الإصبع إلى القمر فينظر الأحمق إلى الإصبع» (موسى وهبة)

    «إمامكم هذا كيف أقتله وأنا لا أعرفه… قل لي: كيف أقتل من لا أعرف؟»

    (من حديث القذافي لطلال سلمان. «السفير» 2016 ـ 8 ـ 31)

    لكنك تعرفه جيدا وتعرف سلالته ومن أي فج عميق انحدر وفي أي شعب نزل، ولطالما نظرت إليه من طرف الصحراء وهو يجلس في كنيسته الجنوبية، خلفه المسيح مصلوب، وعلى رأسه عمامة سوداء كنصف قمر. ولطالما نظرت بحسد، إلى عينيه الخضراوين، ولحيته الغيفارية وإلى يديه المبسوطتين بين نهرين وثلاثة جبال. وإلى عباءته المنشورة على وجع الفقراء والمحرومين. وأنت قتلته لأنه أجمل منك.

    «غاب الذي غاب لكن الردى قدر

    ما تأخذ الريح يأتينا به المطر

    موسى على الطور لم يبرح يكلمه

    صوت الإله فلا خوف ولا كدر

    بل غبطة حرّة بيضاء يحملها

    من الجنوب إلينا الشمس والقمر»

    المستحيل المقنّع

    سينظر لك المحجوب دائما من وراء حجاب. ويراك وأنت لا تراه. وسيكون ذلك أشد وقعا عليك وسطوة مما لو رأيت. وستخرج أمام لحظة الهلع الكبيرة كجبل مصعوق، أو كطفل خرج للتو من أوقيانسه الدافئ من رحم أمه واستلقى على الرمل عاريا بلا غطاء. مد يدا إلى الموج ويدا إلى اليابسة. وكانت فوقه الطيور تحلق، ونوارس البحر تزعق بأصواتها الحادة الخرقاء.

    «وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي. وغيض الماء وقُضي الأمر واستوت على الجودي….» (هود 44)

    نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-09-30 على الصفحة رقم 7 – السفير الثقافي

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *