الإثنين 21 أغسطس, 2017

    أَحَبَّها … ولكن

    أَحَبَّها … ولكن

    رواية مها خير بك ناصر

    بقلم عاصم المصري

    mha-1

    قرأتُ الكتاب «من الجِلْدةِ إلى الجِلْدةِ» شكلاً ومحتوىً؛ كما لو انِّي أتقدَّم لامتحانٍ على المنهج الفرنسي القديم، في كليّةٍ من كليات الجامعة اللبنانية مطلع ستينات القرن الماضي، حيث كان النجاح متوقفاً عند الإجابة عن سؤال يُختار من إثنين فقط.

    جِلدةُ الكتاب، بلون الرَّبيع، وجهه عارٍ من العنوان وتوابعه، وخلفيَّته لا تفصح عن إشارات إلى المضمون.. وقد أُلبس قميص اختباءٍ مُشكَّلٍ من لوحةٍ خريفيَةٍ تحيط معالمها بشخص يُدير ظهره لِامرأة. شدّني إليها ثلاثة عناصر : العنوان «أحبّها.. ولكن»، واسم المؤلِّفة «مها خير بك ناصر»، أُستاذة ودكتورة مادة اللغة العربية في الجامعة اللبنانية، وكذلك «دار الفرات للنشر» وكلها بواعث اهتمام لملاحقة «….ولكن»، فضمير الغائب/ة، في «أَحبَّها»، دفعني إلى التقصِّي، هو ضمير مُضلِّل حيث تراءت لي في الصورة أنّ الرواية تتناول قصّة حب خائبة.كما لفتني تأجيل النشر إلى هذا العام، بينما كان تاريخ كتابة النص في 22/12/2013. تساءلت: هل بواعث التردُّد هي عدم الجدوى الاقتصادية لندرة القرّاء، أم عوامل أخرى ربّما أجدها في  مضمون ومحتوى الرواية. 

    أمّا الإهداء فيختزن وجَع رثاءٍ وندب قِيَمٍ. حجم الكتاب استوقفني بعدد الصفحات الخمسمائة، فالعبور عندي يرفضني «كعابر سبيل»، لأنّي اعتبر القراءة تحدٍّ وتقفٍّ بفتح مغاليق أبواب وتشريع نوافذ، وعندما أقرأ أسافر وأرحل وأعيش وأتنفس الكلمات مُعايشاً السياق بِمُرِّه وحُلوه. هِبتُ الإقدام لفتح باب الفصل الأوّل: «حبٌّ.. وجعٌ.. وسؤال»، ما هذا التحدّي؟ هل هو تحدٍّ للمعرفة أم تحدٍّ للوجع، أمّا الحبّ فلا من يتحدّاه، ومع ذلك جازفت.

    ماذا وكيف قرأت التحدّي؟

    تنسل الجُمل والعبارات المهذَّبة الملتزمة الموزونة بعناية إلى دخيلة النَّفس لا لتقول لك، بل لتفرض عليك محاسبة نفسك، ومقارنة وجعك، وإخضاع تجاربك لهذا المستوى من الرِّفعة والسُّموِّ. فما يطرحه السِّياق يدفع للتبصر بما يعتريك من دهشة وتساؤل وأنت تعبر معها دهاليز المواقف والمحاور والمسالك الوعرة وصولاً إلى ضفاف الرَّجاء، وتجهد أن تسبقها بفتح المغلق فيستعصي، فينفرض عليك الاعتصام بالصبر والحكمة.. إذن هي هيبة القِيم  تقابلها طلاسم البحث والرجاء، وقد تسنّى لها التحكُّم بأنفاس القارئ كي يتابع ليس حكاية لا نمطيّة وإنّما قضيّة مركزية بدأت فصولها في الحرب العبثية اللبنانية ولم تنته بالمصالحات الشكلية، ولا بتمليك البلاد والرقاب لأولي الأمر، بل توالدت على نسقها وللأهداف عينها حروب أُطلق عليها (الرَّبيع العربيِّ) بخلاف ما تضمر من وباء الفتن  والافتتان.

    تمكّنت في الفصول الأربعة الأولى: «حبٌّ.. وجعٌ..وسؤال»، و«تغريدة على فوهة الوجع»، و«مرايا مُقعَّرة للحب والخوف»، و«أبجدية للحب والشوق»، أن أتلافى الغرق في بحر متلاطم الاحتمالات، لأنّ ما زخرت به شابهه بوحٌ متبادل بين زوجين، غلب عليه المثالية، بعبارات منمَّقة وبوح مقرون بالتهذيب وبرقابة دينية وحزبية وأبوية، ما جعل شكّي يميل إلى أنّ ضمير الغائب في «..ولكن» يعود إلى الزوج لا للمتطفل «ميشيل».

    بعد هذه الفصول بدت الرُّواية محبوكة بإتقان مهنيّ وبدأب يكاد يقطع الأنفاس لولا استراحات اقتضتها عواطف البوح واستعاراته التي تكرّرت حتى كادت تثقل على أنفاسٍ متلهفةٍ لمتابعة العبور. لا أنكر أنها تمكّنت الإمساك بعنان اهتمامي؛ لا كملحاح للبحث عن المغلق، بل للسفر مع حقائبها وأبطالها ومفاجآتها، ولم ترحمني حين كانت تُبكيني مع المفاصل والمنعطفات الإنسانية الزاخرة بالمعاني. ولقد أدهشني مدى التزامها المسؤول بالسياق الأدبي والأخلاقي الذي انعكس على تصرّفات وسلوك الأبطال. فإن كان يحق لي كقارئ أن أبدي بعض الملاحظات لا لتقييم ما تركته في نفسي المشدودة إلى خلجات جوع أصحاب الآمال الخائبة في مقارعتهم أصحاب الأموال المتراكمة؛ ذلك لأنّ «الرُّواية»، في نظري، ليست إلَّا استعارة تنبيه وبسط المُثل المفترض أن نتحلّى بها كي تندمل الجراح، وأن لا يصبح التمتّع في اجترار الخيبات مخدّراً يؤاكل ما بقي من أمّة كانت، على مرّ الدهور، مستعصية على الإنكسار. لذا أسمح لنفسي التعليق على بعض ما قرأته في هذه «الرواية»:

    • الحبكة آسرة ومؤثّرة وآخذة للبال في تلهف يقطع الأنفاس أحياناً.
    • اللُّغة أكثر من راقية فهي ملتزمة لا تسفّه ولا تنبذ.
    • الأسلوب لا يصادر ذكاء قارئ وإن كان يحتضن معايير فكرية مغايرة.
    • الموضوع مهم وبخاصة في هذه المرحلة، والمواقف مسؤولة ووطنية بامتياز.
    • المنظور برجوازي ومن مرتقب النُّخبة، غيّب المؤثرات السِّلبية التي سبَّبت الانزلاق إلى الفتنة، وتلك التي تحمَّلت أعباءها الطبقات الفقيرة وتلك المتوسطة، فيما أصبح سياسة «الدَّمار للشِّراء».
    • غياب الجغرافيا، بما تضفيه من ذاكرة على الحدث، وأظنه سلوك متعمّد لأن الأحداث تنطبق وتطابق مع ما يجري في سوريا وفي باقي دول «الخريف العربيِّ الإسلامويِّ».
    • الأشخاص في الرواية ليس لهم ملامح، وما يميّزهم أسماء للعبور من خلالها إلى الوحدة الوطنية ونبذ الطائفية والمذهبية. وتكرار الجمل الوصفية لمزاياهم تغلّبت على معظم المقارابات، وكان الوفاء والإخلاص والالتزام سماتهم المشتركة.
    • هي أكثر من رواية بما تضمنته من وجهات نظر نقدية بنّاءة، عالجت الأحداث والخلافات المذهبية السابقة والقائمة ومؤثّراتها وآثارها. فهي تستنطق الماضي مع أنها تشير إلى الحاضر وتستلهم المستقبل.
    • التوفيق لا التلفيق هو ما استبطنته المقدّمات والنتائج، أمّا التفاصيل فهي حوادث تخضع للمساءلة.
    • الدمج بين ما جرى في لبنان أثناء الحرب وما يجري في سورية حاليّاً من خلال المضمون واستحضار الأشخاص والحوادث.
    • الدمج بين المذاهب والطوائف وتجاوز الفتن، مضمون الرُّواية، لا تنفك تؤكّده الكاتبة في كل المواقع والمواقف.
    • إن كان الموضوع الذي تمحورت حوله حبكة الرُّواية حادثاً واقعيّاً أم نسج خيال، فهو في محتواه يتماثل مع كل فتنة وفي كل مجتمع، ويستخدم لإزكائها. ومع ذلك تمكّنت الأستاذة مها من تحويل السلبيات إلى إيجابيات من خلال حركة الوعي الملازمة لما ساقته من معطيات.
    • قوّة «الرُّواية» تكمن في مقارباتها التناقضات وتجاوزها من خلال استحضار القيم الوطنية والدينية، وتبنّي الأخلاق السامية، ما أضفى عليها تماسكاً في الشكل والمضمون.
    • تقول بشكل واضح: المطلوب الخروج من عبء الماضي ومن التأثر برياح «السموم العربيِّ»، لذا انفلت الشكل من أسر التخفِّي والاختباء كتقليد متعارف عليه للرِّواية، واعتُمد صياغة لا تصادر ذكاء القارئ بل تكاشفه بحقيقة مواقفه وثوابته.
    • تعليقاً على أخلاق بطل الرواية- رجل الأعمال «جاد»- الزَّوج المخلص الوفيّ ذو الأخلاق والطباع السامية التي لا نجدها في عالم أصحاب الشركات متعدّدة الجنسيّة، وكذلك الوفاء المنقطع النظير بينه وبين العاملين معه، يخفي آمالاً تطمح إليها، يصنف الرُّواية في عِداد مدرسة اللّا عنف «الفابيّة» التي من روّادها برنارد شو، والتي طبّقها غاندي في مقارعة الاستعمار البريطانيِّ، وتبنّاها عبد الناصر في الدَّعوة إلى «ذوبان الفوارق الطبقية».
    • وختاماً في الشكل: إن كانت ميشلين وأخوها هاني قد فقدا اسميهما عندما مزّق الدَّمار قميصيهما، وأُلبسا قميصا نور وعثمان، فماذا سيحدث لهذه الرواية إذا تمزّق قميصُها؟.

    عاصم المصري

    بيروت في: 22/9/2016             

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *