الخميس 17 أغسطس, 2017

    ابتسامة

    ابتسامة

    حسين حسن حجيج

    pnp-1

    كان يصحح الأوراق، وقد صدمه ما رآه من طالبٍ، مطالَب بكتابة نص أدبي عن معجزات الكون وأسراره…

    اعتراه غضبٌ جنوني ، غضبٌ ازداد بفعل التعب الذي يتملّكه من أعمال يوم تعليمي شاق ، يُضاف إليه تصحيح الامتحانات في المنزل..

    يصول ويجول في إحدى غرف منزله الفخم الواقع على أحد مداخل المدينة، ويذرعها بخطوات صاخبة ثائرة، وبجبين مقطب يكاد يوهمك أن ثورة عالمية ستنطلق بعد لحظات، ويروح يكلّم نفسه بصوت عال، وما يلبث أن يركل هذا الباب،….. و يكسرتلك الآنية،…….. حتى علامة الصفر التي وضعها ما كانت لتشفي غليله وتسكِّنه.

    إنَّ كلمات ذاك الشّاب قد أوقدت حطبًا في تنور البركان الهادئ، حولته حميمًا يغلي ، يثور معه كل راكد في أعماق ذلك الأستاذ الجامعي العريق…

    حسبه يسخر منه ، ينال من هيبته ووقاره، يخاله ساخرًا من خبرته الطويلة التي أمضاها في ربوع الجامعات العريقة، وبين طلاب الدّراسات العليا للأدب العربي وعلومه…

    لم ينم تلك الليلة ، كانت قد استفزته كلمات ذلك الشّاب التي لم تكمل حتى السّطر الواحد في أوراق تتطّلب على أقل تقدير الثلاثين منها…… ينتظر بشغف محْمر العينين، قابض الكفِّ على سيفه الحديدي المرصع بالكلام الجارح، يستلّه في وجه الزَّمن، عله يهابه، فيسدل ستائر ليلته ويعجل بصباح أراد منه الانتقام ولا شيء غيره…

    غفت عيناه بعد طول عناء ، وما أفاقت إلا على ذلك النّور الذي شعّ من نوافذ البيت المطل على الشواطئ الذّهبيّة للمدينة الساحلية الساحرة. لملم بعضه عن سريره الذي عج بأوراق امتلأت بأحرف تنسج إبداعات أدبية ، وراح يلبس ثيابه على عجل وكأن أبواق الحرب قد أذَّنت في مسامعه أناشيدها الثورية، فأرادت لكرامته دكَّ حصون المتطاولين، ومعاقبة كل متمردٍ أراد غزو ساحاته بأسلحة وضيعة، لا تفقه الحرب الضروس…

    دخل مكتبه المزين بأدرعته التَّكريمية الأنيقة، جلس على كرسيه الجلدي الكبير، خلف طاولته البنيّة التي تكاد لا تظهر من كثرة الأوراق التي تعتليها، ينتظر بفارغ الصبر السّاعة التاسعة ، موعد صفّه ، إذ سيلتقي ذلك الشاب فيوبخه، ويؤنبه على قلة حيائه…

    ذهل الطلاب عندما دخلوا صفهم وهم في أشد حالات الترقب والتوتر، فوجدوه مزينًا بالورود الحمراء ، وكأنه غرفة عاشق نثرعشقه في جماد، فأزهر قصائد من زهور آذارية، تنثر من عبق الأبجدية أغانٍ خالدة …

    كلٌّ في مقعده ، والأستاذ الفاضل يتوسط مسرحه المهيب ، وتجاعيد وجهه تحكي من القصص روايات الانتظار المغلف بالانتقام الذي لا بد منه ، حتى اللوحة الزهرية ما كانت لتضفي على موقفه بعضًا من الأُنس اللطيف الذي يدغدغ القلوب، بل زادته ضراوة وشراسة…

    إلاّ ذلك الشاب لم يكن في مجلسه، تأخر حتى عن صفه الأهم في مسيرته التعليمية، الأمر الذي زاد من يقين الأستاذ المبجل أنَّ ثمّة مهزلة بحقه قد نُسِجت خيوطها…

    الوقت يمر والجميع في حالة ترقب ، لا الاستاذ تفوه بحرف ، وهو يعدو خطوات متسارعة نحو الباب ومنه الى مكتبه ناظرًا في ساعته الفخمة التي يرتديها في يده اليسرى، ولا الطلاب قادرين حتى على السؤال عما يحصل…

    إنَّها التاسعة والنصف ، دُق الباب أخيرًا ، إنه ذلك الشاب ، معتذرًا عن التأخير ، وبيده باقة من الزهور الحمراء… متبسمًا لا يأبه التأخير، خطا بضع خطوات متوجهًا إلى مقعده، تعتريه ثقة لاحت أعلامها البيضاء من سكون ناظريه…

    ومن دون مقدمات ، راح الأستاذ يذيع علامات الطلاب.

    كان قد وضع ورقة الشاب آخر الأوراق إفساحًا في المجال للتمادي في توبيخه وتأنيبه…

    لم يتبق إلاّ ورقة الشاب ، ممسكًا بها، ونيران الغضب تعتريه، ينظر إليه بعين المنتقم، ينعته بأقبح الألقاب والأوصاف، والذُّهول يخيم على المكان، ومع ارتفاع صوته أكثر كان يشتد الذُّهول على محيّا الحاضرين، والطالب ينقِّل نظره في عيونهم، ويبتسم ببراءة طفل يتوسد حضن أمه، غير آبه للخطر المحدق بتعب سنوات مضت… دقائق قليلة كانت كافية ليستنفد الأستاذ كل كلماته.

    هدأ البركان الثائر في أعماقه، خيم السكون في أنحاء المكان……

    حينها بادره الطالب: وممَ شكواك؟

    –  حقا إنَّك وقحٌ ، أتسخر مني؟ أتستهزىء بتاريخ من التدريس والعطاء؟ أجابه الأستاذ…

    – وكيف…؟! لطالما كنتَ من المبجَّلين في عالمي، وأنت تعلم أنِّي أُكِنُ لك كل الاحترام أردف قائلاً .

    –  كيف ذلك، وأنت أجبت على سؤالي بكلمات قليلة ، لا تمت إلى الموضوع بصلة.

    عندها ترك مقعده حاملاً باقة الورود. تقدم نحو زميلته التي كان قد عشقها سرًا، وقدمها لها، وسط استغراب شديد من الجميع… ذُهلت الفتاة ، ارتبكت بكل ما أُوتيت من قوة، كساها أحمر الخجل بكل وقار، راسمًا على وجهها ابتسامة بعرض الكون وجماله.

    أدار وجهه نحو الأستاذ:

    –  ألم تطلب تعريفًا للمعجزات؟

    –  قال: بلى.

    إذاً، ألا ترى في ابتسامتها معجزة جميلة من فعل الأقدار.؟ ألم تخبرنا سابقًا أنَّ حواء هي أجمل معجزات الله على مر العصور؟ ألم تقل إنّ السّحر الذي تمارسه ابتسامة أنثى على قلب الرجل، أشبه بالخيال الذي يتكون في عقولنا؟

    تلعثم الأستاذ، ما عاد يدري أية كلمات يقول، يقلِّب ناظريه بسكون ملؤه الدهشة والغرابة .

    تابع الطالب قائلاً : وأما أسرارها هي أنها ملائكية الصنع، بقلم قدير مقتدر، قد أوجد في ابتسامتها صفات المعجزات ، تُثمل العقول التي ترتشف من خمر شفتيها كأسا ، تزرع فيها من الزهور حدائق أقحوانٍ أحمر، لوَّن أيامها بألوان العشق الزَّاهي في مختلف الفصول.

    تعجب الأستاذ لبلاغته الشديدة، ولكلماته التي حلت أنسًا على مسامع الحاضرين ، والجميع يحدّق في تلك الابتسامة الساحرة، يصفقون لروعة ما سمعوا وما رأوا …

    تقدم منه معتذرًا، قد أسأْتُ الظن بك، إنَّك طالب متميز، وإنَّك عاشق في عالم العشق قدير…

    حقا ، ابتسامتها … خُلقت من طين لم يُخلق منه بشر.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *