الثلاثاء 10 أكتوبر, 2017

    التّمرّد في شعر الشّاعرات البحرينيّات

    درّيّةُ تُبحر باحثة عن دررِ التّمرّد في شعر الشّاعرات البحرينيّات 

     الدّكتور حسن جعفر نور الدّين

    dryah-1كم كنتُ متشوّقًا إلى دراسة تاريخ البحرين الشّعريّ، قديمه وحديثه، فجلّ ما كنت أعرفه قراءات عن هذا الشّعر في الإصدارات والمجلات العربيّة، علْمًا أنّ البحرين مقلع شعراء وبحار قصائد، وقد جذبني هذا الكتاب بسمته وعنوانه (التّمرّد في شعر الشّاعرات البحرينيّات للدّكتورة درّيّة كمال فرحات)، وذلك لاتّفاق عنوانه مع عناوين كثيرة تصدّرت مجموعاتي النّثريّة، منها شعراء الصّعاليك وشعر التّمرّد ومسيرة أرنون وعاشوراء في الأدب العامليّ. والتّمرّد في شعر الشّاعرات البحرينيّات ليس كتاب جمع وتوضيب وتنسيق فقط، إنّما هو دراسة موثّقة وسفر أدبيّ بجدّته وموضوعاته ومراميه،  بل هو نتاج قيم من ضفتّه إلى ضفتّه، مشفوع بحسن التّقسيم والتّبويب والعرض والتّحليل، في لغة طيّعة واضحة وانسياب محمود شائق، ولعلّ أكثر المستفيدين منه المكتبة الأدبيّة وطلّابنا في مراحل الثّانويّ والجامعيّ وكلّ مهتمّ عاشق للشّعر العربيّ. وهو كتاب في كتب، يبرز لنا وجه البحرين الثّقافيّ والأدبيّ وتقاليد الحياة فيه، وطبيعة المجتمع البحرينيّ وموقع الشّعر والشّعراء.

     ويوم وقع في يدي الكتاب ارتعت لضخامته، وقدرتُ ما لاقت مؤلّفته في السّهر والجمع والتّقميش والكتابة والتّعب لسنين ربما حتّى استقام لها هذا السّفر القيّم، غرسة مثمرة في جنائن الأدب المعلّقة، فاتّكلت على الله وقمت بسياحة متأنيّة عبر فصوله وأجزائه، وقلت في صمت، هذه هي البحرين هنا بفاتناتها الشّاعرات، لؤلؤات الخليج المزنرات بالحروف الغيد المذهبة، يكتبنَ تاريخ البحرين في الشّعر، وشعر البحرين في التّاريخ، وهما نسيج واحد، فلم يقصرنَ في مدحه والتّعبير عن حقوقهنّ، وعما يشعرنَ به من تقصير ونقص في الواجبات، كانت البحرين في عيونهنّ نخلة عاشقة وهنّ العاشقات، جريئات لسِنات يقظات، حملنَ سيف الشّعر ليجلدْن به التّقليد والعبثيّة والتّقوقع ويفتحنَ نوافذ على أمتهنَّ العربيّة وتاريخها المشرق والمظلم.

            وهكذا … فالكتاب عقود لؤلؤ ومرجان، قطفتْها الباحثة من محار الشّواطئ البحرينيّة وأظنّ أنّ أحدًا في هذا الميدان لم يسبقها ولم يماثلها في كثافة المعلومات وسعة فضائها ومصادرها، وكمثل هذا الحديث الشّافي الوافي، تساق المعاني على قدر الألفاظ وكأنّ الكاتبة كانت في المقدمة والمحتوى مع البحرن على موعد، فدخلت إليه كأنّها منه وفيه، وكأنّ البحرينيّات عرائس أحلام على شواطئ لبنان، برزنَ بشعرهنّ الهادف يرفلنَ به ويتركنَ بصماتهنّ الرائعة على تاريخ هذا البلد الصّغير الذي كان ذات يوم جزءًا من مساحة مترامية الأطراف أولدت أعظم الشّعراء والشّاعرات، حسبه أن كان منه أبو التّمرّد الشّعريّ طرفة بن العبد المتمرّد بكلّ المقايسس، وكان كذلك منفى للشعراء الثّائرين ومنهم صعصعة بن صوحان.

            وقضية التّمرّد التي تناولتها الكاتبة، انسحبت على قضايا حياة البحرينيّات كلّها، وغطّت مناحي الحياة المختلفة ، فبدوْنَ يقظات حالمات شاعرات ناقدات مهاجمات مهاونات، في عصر ما زالت المرأة تشعر فيه بالغبن والإجحاف والدّونيّة والاستهتار، خصوصًا في قضايا الزّواج والطّلاق والعمل والملبس والاختلاط والمشاركة الميدانيّة وفي التّعليم والتّوظيف والعمل الدّبلوماسي، فكنّ بما قدمنَ من قصائد مدافعات بجرأة ووعي عن حقوق المرأة وحريّتها وكرامتها، ناقمات لما يلحقها من غبن وظلم ونقص في مجالات كثيرة فدافعنَ بقوة وصراحة ووضوح وكان شعرهنّ السلاح الفعال الذي شهرنَه في الميادين كلّها.

            ويا شاعرات اللؤلؤ والمرجان، اسمعنني الآن، وإن كنتنّ بعيدات فأنتنّ قريبات، فصوت الشّعر يخترق الأفاق، كنتنّ عربيات من الصّميم، واجهتنّ العدو الصّهيونيّ في الجنوب وغزة وفلسطين، ومزّقتنّ مع المقاتلين قضبان سجن الخيام، وأفسدتنّ عناقيد الغضب بنار الشّعر المجيد، وكمنتنّ للعملاء بكمائن الشّعر الذي لا يخيب، وبكيتنّ في قانا بكاء القويّ لا بكاء الضّعيف، واحتفلتنّ مع الجنوبيين واللبنانيين عامة بيوم التّحرير، وضمّدتنّ جراح الغزاويين ودافعتنّ عن الأقصى الشّريف وأنجدتنّ الكويت والعراق.

            مع هذا الكتاب أحببتُ شعر البحرينيّات المتوضئ بالماء العربيّ والمرصوف كحبّات اللؤلؤ في المواويل، دعنى أقول: كتب في كتاب لكنّها كتب موصولة العرى ومحكمة النسيج، مدجّجة بالحنين والجرأة والقسوة واللّين والحبّ والحرص، حتّى بدت الكاتبة وكأنّها تحوّلت إلى شاعرة تريق عسل حبرها على الصفحات بحنكة العارف المجيد االذي يُدرك كيف يبدأ وإلى أين يصل، ثمّ إنّ الكتاب سفر قيّم مترابط الأجزاء غنيّ بالمعارف سجل حافل لشعر توزّع بين الإبداعيّ والحداثيّ والتّقليديّ فيما ندر، فيه حسّ الوطنيّة العميق ونبض العروبة علاوة على الإيقاع الذي توزّع بين الخارجيّ والدّاخليّ مع غلبة الدّاخليّ، وتنوّعت فيه أحاسيس الشّاعرات ومواقفهنّ النّفسيّة، فيها الرّقة والحِدّة، والجِدّة والإشمئزاز وليس الكراهية والتّقريع واللّوم والعتب والنّقد الجارح، هذا معظم ما رمزت إليه أشعارهنّ وحاكته قلوبهنّ، وما ذكرنَه يمسّنا في الصّميم نحن العرب، إذ نتشابه في المعاناة والظّلم وضياع الأحلام، حتّى جعلنا الشّعر خبزنا وبنادقنا ودفتر ذكرياتنا في أمّة لا تنام إلاّ على قصيدة، ولا تستيقظ إلّا على فصل من ليالي ألف ليلة وليلة.

            نعماك يا ( دريّة ) الشّعر والأمل، والدّريّة تلك التي تنجب الدّراري والمذهبات، نعماك يا وردة لبنان والجنوب وسفينة البحر المعبأة بالدّرّ واليواقيت، فكان هذا السفر القيّم لنا وللبحرين وللأمّة وللشّعر وللحريّة والحياة، وما بين المنامة وبيروت تقع التّفاصيل، ويختم الكتاب بإمضاء الشّاعرات جميعهنّ، صور الغائب في الحاضر، حسب  هذا الكتاب أنّه يتحف بشوارد ذهبت تبرأ في حبر ولؤلؤ في دواة، تسيل على الصّفحات في فصل ربيعها الزّاهر.

            فما أجمل بوح الشّاعرات الشّفّاف وانسياب معانيهنّ المتوثّبة الصّادقة، في مناجاة عربيّة حميميّة. تقول فوزية السندي عن فلسطين  : ” أنصار يا إنشطار اللّهب في استدارة الحصار، لك اغتراب الذّبيحة في صولجان الجسد “. وتنشد حمدة خميس :” قانا وحدها ستبقى في التّضاريس وتبقى كالشّهادة ناصعة”. وتطلب منى غزال من الفدائي متابعة النّضال : ” تحدّ ، قاوم ولو صفعتك الخيانة ، لا تتوسّل قاوم وامض ” . أمّا ثريا العريضي فتخاطب الأمّة العربيّة لائمة مستغربة : ” هم خائفون خانعون شبعنا بكاء على طفل، كأنّ العروبة حمل كفن” . وفاطمة التيتون تطلق صرخة غضب: “سَدّوا الطّريق إلى القدس”. إلّا أنّ الحبّ رغم المرارات يُعبّر عن ذاته ولابدّ للصّبح من ميعاد، تقول إيمان أسيري: ” طعنت وفائي لكنّي أحبّك وطني قيود تحزّ أوردتي تلسعني يا وطني أدرك أنت أنا” .

            وأنا أدرك كم جميل هذا الكتاب وكم جميلات شاعرات البحرين. يا دريّة الخير والشّعر ، مرّة أخرى وكأنّك والبحرين على موعد، ودخلت إليه من نوافذ مختلفة ، ووقفت إلى جانب نسائه تفتشين في أحلامهنّ الغافية واليقظة، وتكتبين تاريخهنّ الشّعريّ بأصابع من محار الشطآن، قدّمتهنّ بحرفة ومهارة وتركتهنّ  يتحدّثنَ عما يعانين من أحوالهنّ في اليسر والعسر فبرزنَ بشعرهنّ بحرينيّات من الصّميم عربيات السحنة واللّغة والهوية شاعرات كأحداق المسك يطفنَ بشعرهنّ طواف النّسيم على الأوراق ويكتبنَ لهنّ وللأجيال القادمة كيف يجب أن تكون البحرين.

    يا مرحبًا بحرين في بلدِي

    ترتاحُ بين  الابنِ  والولدِ

    ينسابُ بحرُك مثل  أغنيةٍ                      

    من مثلها  الألحانُ  لم تلدِ

    يلقيه   مرفأهُ  على  كتفٍ              

    من رملِهِ  المسكوكِ كالزردِ

    إيه منامةُ   والقريضُ  دم                      

    يمتدّ من  طنجةَ إلى  صفدِ

    هذا الذي جنوبيّة  صنعتْ              

    صنعت دوالي ألماس والرّغدِ

    نعماكِ   يا دريّةُ     فلكمْ                      

    قرّبتِ   من  زندٍ  إلى   زندِ

    ويداكِ في البحرين  قافيةٌ                       

    قد صافحتْ  بالمبسمِ  الغردِ

    ماذا فعلتِ وقد أضأتِ لنا                       

    ونشرت  طيبَ النسوة الخرْدِ

    وكتبت تاريخ َالخليجِ  كما             

    تختطّ  ناي    غنوة   الغردِ

    وعرائس  زيّنتها   خطرتْ            

    تختالُ    بالوسميّ   والبرُدِ

    ماذا تقولُ  الشّاعراتُ  لنا                      

    عن ثوبها  المشغولِ  بالجلدِ

    ألقيت منهن الذي  غزلت                      

    ألحاظهنّ  السّمر  من  بُرُدِ

    نعماكِ  ما قدّمتِ   لؤلؤةً                       

    وجنيت    تفاحًا  بلا  حسدِ

    ونقلتِ وسال الهوى وهدى             

    لشطوطنا   مسكية   العمد

    يا حبّذا  لو أمّتي  جمعت              

    شطآنها    بالحبّ   والرّشد

    وتعانقت   وتجمّعت   لغدٍ             

    ما فيه  من حقد   ولا  نكد

    ما عدت تعرفها وقد سفرت            

    عن وجهها بالحزن  والكمدِ

    فالأرضُ  منا  جيفة  نزفت            

    تبكي على التّاريخ  من أُحُدِ

    وغدونا  من عار  نخوتنا              

    قد ضاع بين الكيد  والحسدِ

    حتّى   غدونا   لا  نميّزه                      

    وكأنّنا      أبلينا     بالرّمدِ

    نعماك يا بحرين   ساقية                       

    من بحرنا ولجت إلى  الطّودِ

    حذّاقة من أرضِ  عاملةٍ                

    نسجتْ عقود  اللؤلؤ  الفردِ

    بحرين  يا أنشودة عزفت                      

    درّيّة      ألحانها      لغدِ

    والشّاعراتُ  قصيدها  لمع             

    يجلبن قرص الشّمس من كمدِ

    سيظلّ فيها  الشّعرُ  أغنية             

    ألحانها  في  العمر  لن  تؤدِ

    وقد قيلت هذه الكلمة في ندوة ثقافيّة حول كتاب ” التّمرّد في شعر الشاعرات البحرينيات ” للدّكتورة دريّة كمال فرحات، وقد أٌقيمت هذه الندوة الثقافيّة برعاية المدير العام لوزارة الثّقافة الأستاذ فيصل طالب،  وبدعوة من من هيئة التّكريم العطاء المميّز في النّبطيّة وبحضور رئيسها الدكتور مصطفى بدر الدين والأستاذ علي توبة وهيئتيها الإداريّة والعامة . والحركة الثّقافيّة  في لبنان وبحضور رئيسها الأستاذ بلال شرارة، وذلك في قاعة انطوان حرب في قصر الأنيسكو بتاريخ السادس من آيار 2015. وقد حضر النّدوة الكثير من الفعاليّات الثقافيّة والجمعيات الأدبيّة والمفتشيين التربويين ومديري فروع الجامعات اللبّنانيّة وأساتذة الجامعة وحشد من الشّخصيات الثّقافيّة والجامعيّة والتربويّة والاجتماعيّة.

            وقد بدأ الاحتفال بكلمة تعريف من الأديب عماد شرارة، تحدّث فيها عن المحاضرين، وكان للشّاعرتين إيمان أسيري ونعيمة السّماك وقفة مع مقاطع من شعرهما، وقدّم الأستاذ فيصل طالب مداخلة أشار فيها إلى مفهوم التّمرّد، وقد عرض نماذج من الشعراء الذين تمرّدوا على مرّ العصور الأدبيّة العربيّة فهذا هو الشعر المتمرّد الذي هو أشبه بشجرة حفيف أوراقها يصدح مع الرّيح، ويغني الكلّمة بألحان الحريّة ويرسم عالمه الافتراضي بألوان الضمير وخطوط الذّات المنفلتة من العادات ولو كلّفه الرّفض عقابًا والدّفع به إلى الاغتراب النّفسيّ والذّاتيّ. وأشار إلى أنّه في معرض الحديث عن ظواهر التّمرّد في الشّعر العربيّ فلا يمكن أن ننسى ما قدّمته المرأة العربيّة عموما والشّاعرة العربيّة خصوصًا من قوة دفع إضافة غير مسبوقة في تاريخ الثّقافة العربيّة إلى مسار التّقدّم.

    وكان للكاتبة درية فرحات كلمة أشارت فيها إلى أنّ المرأة في تاريخنا العربيِّ لها دورُها المشهود في مجالاتٍ عديدة، فقد كانت أديبة تستسيغ الشّعر وتنظمه، وتلذّ بالنثر وتنسجه، و كان بين العربياتِ شاعرات وأديبات مُجيدات ، نقلت لنا الكتب أسماء كثيرات منهنّ. فعلاقة المرأة بالأدبِ وخصوصًا الشّعر علاقة حميمة وعريقة، فهي تؤدّي دورًا مؤثّرًا فيه كقارئة وكملهمة وناقدة للنّصّ ، وقد تكون في داخل النّصّ، أو قد تكون المرأة منتجة لهذا النّصّ أي كاتبة له . وتجاذبت المرأةَ المبدعة نظريات وآراء متباينة، ما بينَ وصفِه بالأدبِ الملتزم ، وبين أدب خارج عن الإجماع، أو قد يُتهم بأنّه أدب خارج عن القيمِ الاجتماعيّة. وقد يتهمها البعض أنّها لن تصل قمةَ الإبداع ، بل يرون أنّ عدد النّساء العاملات في حقلِ الأدبِ والشّعر قليل جداً بالمقارنة بعددِ الرّجال ، فالمرأة دخلَتْ إلى مجال العلمِ والتّعلّم متأخرة عن الرّجل، وغياب المرأة قرونًا طويلة عن الفعلِ الثّقافي لا يمكنُ أن يدفعها إلى قمةِ الإبداع . والمرأة البحرينيّة لم تكن بعيدة عن هذه الاتّهامات التي دفعتها إلى التّمرّد والتّعبير عن واقعها النّفسي والاجتماعيّ والوطني.

    وكان للأستاذ الجامعي في كلية الآداب في الجامعة اللّبنانيّة الشاعر الدّكتور حسن جعفر نور الدّين مداخلة تحدّث فيها عن الكتاب ومضمونه وقيمته الفكرية والاجتماعيّة والحضاريّة نعرضها مفصّلة.

    ـــــــــــــــــــــ

    *نشرت هذه المداخلة في مجلة المنافذ الثقافية العدد الحادي عشر 2015

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *