الإثنين 21 أغسطس, 2017

    البدائية

    البدائية

    علي راضي ابو زريق

    ali rady-1

    achliالبدائية  أو(The concept of the primitive)عنوان كتاب أكاديمي ظهر عام 1968م، حرره بالإنجليزية آشلي مونتاغيو*، وجمع به بحوثا ودراسات لعدد من كبار المختصين بموضوع الأنثروبولوجيا؛ مما يجعله كتابا قيما ومرجعا مفيدا في موضوعه. ويركز المحرر على موضوع المصطلحات خصوصاً كلمة “البدائية”؛ فهو وعدد كبير من أهل الاختصاص يرونها وصفا غير عادل للشعوب التي توصم بها. ومن جهتي فإني مهتم بالفرق بين المجتمع المتطور المدني جوهراً ومظهراً وبين المجتمع البطيء في نموِّه. وموقف أمتنا العربي بين الحالين، وأسباب ما هي فيه، وهل لما هي فيه من علاج؟

    وكي لا تثار شبهة في غير مكانها، فالكتاب لا يعتبر العرب أمة بدائية؛ فتراثهم عند علماء الأنثروبولوجيا يعتبر عادلاً وافضل كثيراً من تراث الغرب بشقيه الأوربي والأميركي. ففي أحد الفصول مدح لموقف التراث العربي من الشعوب الإفريقية مقارنة بما سجلته المراجع الأوربية. فقد كان تنافس على إفريقيا بين مجموعتي الشعوب الإسلامية من جهة والأوربية من جهة أخرى. ولآن العرب خصوصاً في شمال إفريقيا، أقرب إلى الأفارقة السود، فقد كانوا لمدة من الزمن مرجعاً لعلماء أوربا بالشأن الإفريقي.

    فعن موقف  العرب من الأفارقة تقول كاتبة أحد الفصول: ” لن نتناول هنا الروايات التي ترجع إلى القرون الوسطى، سواء منها العربية أو المسيحية، نظرا لضيق المجال. ومن الملاحظ أن غالبية الروايات العربية الخاصة بمناطق شمال إفريقية وبالشعوب التي تعيش فيما وراء حدود مراكز المدنية القديمة والمعروفة، تعتمد على المعرفة المباشرة. ولذلك، فهي افضل بكثير من الروايات الكلاسيكية والمسيحية التي كتبت في زمانها. لكن هذه الروايات نتاج ثقافة نضالية النزعة في أوج توسعها.  ويعيب حتى افضل هذه الروايات (رحلات ابن بطوطة مثلاً) الاستطراد واهتمامات كتابها السياسية وأحكامهم الدينية”.

    ومقابل ذلك نقتبس ما نقلته الباحثة عن هيرودوتس الملقب بأبي التاريخ، ما كتبه عن الأفارقة في سياق حديثه عن الإثيوبيين: ” لأكثرهم.. لون أسود وأنوف مفلطحة وشعر يشبه الصوف، أما طبيعتهم فمتوحشة تمام التوحش، تشبه طبيعة الحيوانات الضارية؛ وهم أبعد ما يكونون عن الرأفة الإنسانية فيما بينهم. وبما أنهم يتكلمون بأصوات حادة، ولا يتخذون عادات الحياة المتمدنة كما هي عند بقية الجنس البشري، فإنهم يتناقضون تمام التناقض مع ما نحن عليه.”

    ونقتصر الحديث في بقية هذا المقال على المقارنة بين خصائص الأمم المتمدنة وبين خصائص الأمم التي توصف بالبدائية، وتوقيع نتائجهم على ما يقابلها من خصائص العرب. ويكاد مؤلفوا الكتاب يجمعون على محاربة مصطلح “بدائية” واستعمال مصطلح “لا كتابية” بدلاً منه. ولا أدري لماذا اختار المترجم هذه الكلمة مع أن المعنى العربي لكلمة   illitterate)) هو ” أمي”.

    وأول ما لفت انتباهي من أفكار الأنثروبولوجيين قول أحدهم: “الناس عموما، والبدائيون بشكل خاص لا يفكرون بثقافتهم ولا يحللونها بل يعيشونها، ولا يخطر ببالهم مطلقاً أن يُركِّبوا ما يعيشون او يُبَسِّطوه إلى أبسط أشكاله، إن جاز التعبير.”

    وقد وقعت مني هذه النظرية موقعا حسناً بل شَفَتْ غليلي. لأنني دائماً أُلاحظ أن الأقل حظاً من الوعي والتعليم هم أكثر الناس تمسكاً بالتقاليد فيما يخص العلاقات بين الأقارب وفي المناسبات الاجتماعية. وهنا أشعر أن عليَّ بيان معنى كلمة “ثقافة” فهي عندي وفي الكتاب الذي أتحدث حوله، تعني السلوك والمعرفة. فالعادات والتقاليد هي أقوى وأرسخ مظاهر ثقافة أي مجتمع. 

    وعلي صعيد تَديُّن البدائيين تسجل إحدى الباحثات “أن التفكير والشعور البدائيين يتصفان بالتجسيدية المطلقة، فهما مرتبطان بالإحساس دائماً، إذ أن فكر الإنسان البدائي لا يوجد مستقلاً منفصلاً ، بل هو لصيقٌ بالظواهر المادية. وأقصى ما يستطيعه هو أن يرفع تفكيرَه إلى مستوى التشبيه…. إن البدائي لا يمر بتجربة فكرة الألوهية بوصفها محتوىً ذاتياً لأن الشجرة المقدسة هي سكنها، لا بل إنها هي الإله ذاته”.

    وتوقيعا لهذه النظرية على أمتنا عبر التاريخ نتذكر أن الإسلام جاء بالتوحيد المطلق؛ ولم ترتفع عقيدة أرضية أو سماوية أخرى إلى مستوى فكرة التوحيد الإسلامي نقاء وخلوصاً من كل شائبة. ومع هذا تسلل إلى بعض الفئات المسلمة شرك تجسيدي بدرجات لم تصل مستوى شرك الأديان الأخرى. لكنها تشوب صفاء التوحيد الإسلامي . ويستطيع المتأمل أن يرى بسهولة ان انتشار ظِلال الشرك تلك، تشتد حيث يتركز الجهل، وتخف حيث ينتشر التعليم والوعي باعتبار أتباع المذهب الواحد. كما أن حِدَّتها وسيطرتها تشتد على النفوس البسيطة وغير المتعلمة. والحمد لله ان درجة التجسيد عندنا لم تتجاوز هذا المستوى!!

    ومن أعمق أعماق الحياة البكر التي لم تدخلها آلة، ولا وصل إلى ناظريها حرف مكتوب، ينقل أحد المشاركين بتأليف الكتاب، كلماتٍ قالها رجل من قبيلة البومو. وهي من قبائل ما سمي لاحقاً أميركا. ولكلمات ذلك الرجل دلالاتٌ عميقةٌ على فهم مراحل تطور الشعوب من حيث علاقاتها الداخلية. يقول رجل البومو مُقارِناً حالهم بالبيض سكان أميركا الجدد: “ليست العائلة مهمةً حسب نظرة البيض إلى الأمور. فالشرطة والجنود يقومون بحمايتك، والمحاكم توفر لك العدالة، والبريد ينقل لك رسائلك، والمدارس تعلمك. كل الأمور مرتبةٌ، حتى لأطفالك من بعدك إذا مت. أما عندنا فالعائلة تقوم بكل ذلك، وبدون العائلة لا تكون شيئاً وقد كانت العائلة في الأيام الخالية، قبل أن يصلنا البيض، هي صاحبة الاعتبار الأول عند كل من يودُّ أن يفعل أيَّ شيء. لذلك تمكنا من البقاء.”

    وبعيداً عن أجواء الكتاب تذكرني حال قبيلة البومو بحالنا في الأقطار الناطقة بالعربية بعد أربعة عشر قرناً ونيف من ظهور الإسلام  ودعوته الشاملة للتمدن. لم نتحول بعد إلى مواطنين في دولة ترعى مواطنيها، ولم نسلم أمورنا تماماً للدولة مهما كانت متطورة وعادلة وحريصة على مواطنيها . وما زالت روابط القبيلة والعشيرة معتبرة في معظم مجالات حياتنا. ولولا حزم تظهره حكومات عربية بين الحين والآخر لكان للعشيرة دور مؤثر في العلامات المدرسية في الامتحانات العامة كالثانوية. وذكرتها لأنها حسب علمي من الإمارات القليلة على التمدن والعدل في حياتنا.

    والعشيرة هي التي تحمي كرامة أبنائها وتُعينهم على ظلم سواهم إن كانت كبيرة، ولها مشاركة واضحة في السلطة. ومما ألح على ذاكرتي وأنا اقرأ كلام البومي، مشاجرات أبناء العشائر في الجامعات الرسمية التي تضم غالباً أفضل مستوى من الناجحين في الثانوية. وتحدث المشاجرات عادة نتيجة خلاف بين شخصين من عشيرتين . وسرعان ما يتلقى كل منهما نصرة من أبناء عشيرته في الجامعة. وقد يتطور الشجار وينضم للمتشاجرين أنصار من خارج أسوار الجامعة. ثم يتدخل كبار القوم لإنهاء النزاع بما يتناسب مع نتائجه. التي قد يكون منها فقد أرواح وجروح أجساد. وكل ما ذكره حكيم البومو من خصائص البدائية موجودٌ في بلادنا مع وجود هياكل حكم تقوم بواجبها جزئياً؛ لأن جماهيرها تعيق قدرتها على القيام بما هو مطلوب منها، إذا توفرت النية لها بممارسة دور دولة كامل؛ على غرار ما تقدمه الدول الغربية لمواطنيها . فما زلنا أميين كيوم بعث الله لنا رسوله الكريم محمداً عليه السلام.

    ولكن لماذا نتذكر الأمية ونلقي عليها باللوم في بطؤ نمونا أو إعاقته أحياناً؟ ومرة أخرى لا علاقة لهذا السؤال بمعلومات الكتاب لكنه يتفق مع أجوائه. فالأمية عند مؤلفي الكتاب هي سر البدائية. وأضرب مثلاً بعجز الأميين عن التطور. ولنا في موضوع الرق دليل واضح. كان الإسلام هو الدين الوحيد الذي حارب الرق حسب علمي. وبآيات وأحكام عديدة شجع على تحرير الرقيق. وكان المفروض أن يكون العرب أول من يحرر العبيد ويرفع شعار تحرير العبيد في العالم كله. لكن الذي حدث غير ذلك. فلم يتحدث المثقفون والأدباء والشعراء في الموضوع . ولم يوجد مصدر واحد ينهى عن الرق سوى القرآن . الذي اعتُبرت أحكامه في أضيق الحدود. وأوجدت الأمة بالظلم مصادر ثرية للرق . بل عاملوا العبيد أسوأ معاملة تخطر ببال بشر. حقاً إن الغربيين في اوربا وأميركا عاملوا الرقيق معاملة قاسية وغير إنسانية . لكنهم لم يحرموهم متعة التكاثر وما يقود إليها. بينما بقي العرب إلى عهد قريب يُخصُون مَنْ يَسْتَرِقُّون فيَحرِمون العبد نعمة التكاثر ويحرمونه متعة وسيلة التكاثر، ولم ينحدروا إلى ذلك المستوى في زمن الجاهلية. فعلوا ذلك في القرون الأخيرة خشية أن يمارس العبد الجنس مع نساء سيده!!

    واستمر الرق عندنا حتى حرمته قوانين الأمم المتحدة. ولكن فضل تحرير العبيد يعود لشعب الولايات المتحدة الأميركية وعلى يد الرئيس الإنساني الفقير أبراهام لنكولن. فلماذا تمكن الغرب من تحريم الرق ولم نستطع؟ إنها قضية التطور جميعاً. فالشعوب التي تقرأ وتكتب يظهر فيها مثقفون. والشعب الذي يقرأ ليزداد علماً ويتثقف ينمو ويحترم مصادر نموه ومعرفته، ويتطور مع فكر المثقفين والأدباء في مجتمعه. ونضجت فكرة الإنسانية في الغرب حتى شعرت غالبية مؤثرة بضرورة تحرير العبيد وتحريم الرق. وكان نضجاً طبيعياً. وكنا به أولى لو لم نكن أمة أمية؛ لا تهتم بالفكر الجديد ولا تتفاعل مع نتاج مثقفيها إن وُجِدوا.

    وأُمِّيتنا لا تعني أننا لا نقرأ ولا نعرف الكتابة. فقد كان في كل جيل مئات المتعلمين والفقهاء. لكن كنا وما زلنا محاطين بحوائط تمنع تطورنا الفكري والثقافي أو تُبَطِّؤه. فالفقهاء وهم أكثر من تحتاجه الأمة للحلال والحرام حصروا أنفسهم بالأحكام القرآنية بعد أن حصروها بمناسبتها ولم يلتقطوا رسائلها التطورية. والمثقفون من غير الفقهاء كان همهم عطايا السلطان فإن لم تمكنهم موهبتهم من الوصول إلى السلطان تقربوا لمن هم دونه وكل وطاقته. ومثل هؤلاء لا يهتمون عادة بمعاناة الناس ولا يمتلكون رؤية إنسانية ناضجة. بل بقينا فرديين كل مشغول بهمه الشخصي.

    وبذلك لم تتطور جماهير الأمة ولم تتخل عن عيوبها ما دام القرآن والفقهاء لم ينهوا عن تلك العيوب  مباشرة. وبقي تنفيذ آيات كَفَّارة عتق العبد مجرد عمل فردي. ولم يكن مانع عند الثري أو صاحب السلطة أن يعتق أول النهار عبده تنفيذاً لكفارة ذنب ارتكبه، ويشتري مساء نفس النهار عشرعبيد بدلاً منه. وبقي في الأمة من يقول: لَم يحرم الله الرق تحريما صريحاً قاطعاً، فلماذا أحرمه على نفسي؟ وكل هذا من خصائص الشعوب الأمية التي حتى لو عرفت القراءة وأتقنت الكتابة فإنا لا تتأثر غالباً بما قرأت ولا حتى بما تكتب بايديها. ومثل موضوع الرق أمور كثيرة في حياتنا.

    وأكتفي بهذا القدر مما الهمني كتاب البدائية. وهو من إصدارات عالم المعرفة الكويتية. وحسب رقم صدوره (53) يمكن تنزيله مجاناً عن صفحة سلسلة عالم المعرفة. فأنصح بقراءته. فإن مقالتي هذه لم تغط إلا القليل من أفكار الكتاب ومعلوماته القيمة لكل من يهتم بالإنسان والإنسانية.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    [مدارك ثقافية].: أشلي مونتاغيو (1905 ـ 1999) عالم أمريكي/ بريطاني متخصص في الأنتروبولوجيا والإنسانيات، له دور في انتشار موضوعات تتعلق بالعرق والجنس وعلاقتهم بالسياسة والتطور. نشر أكثر من 60 كتاب. 

    الترجمة العربية للكتاب نشرت في أحد أعداد مجلة عالم المعرفة العدد 53

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *