الإثنين 21 أغسطس, 2017

    جوقة عمل تسير على قدم الريح

    سوق النبطية الذاكرة المتواترة:

    جوقة عمل تسير على قدم الريح…

    د. رائدة علي أحمد عاصي

    raeda-1

    souqالأيام كلام الله على الأرض، نجتازها بلهيب أنفاسنا، وندفن ما مضى منها بأحداق عيوننا، ويغفو حاضر عافيتها على زنودنا لتنام عافيتنا معه شيئاً فشيئا، ويشيخ المستقبل أمامها، فتبدأ نجماته بالتساقط نجمة إثر نجمة، لتتسلّل العتمة عليها، وتنشر ليلها في فضاء ما تبقى منها، وحين يعمّ الظلام تجري مسرعة مع تدفّق الزمن السريع.

    في ساعة من التأمّل العميق، وقفت في سوق النبطية لأخذ العِبَر… ورنوت إلى الباعة البائسين، وهم ينقضّون على بسطاتهم التي زرعوها مع بزوغ الفجر على طول الشارع العام وفي الساحات ليجنوا حصيلة أتعابهم آخر النهار…

    كانت ألسنة الباعة تجود بغيث صرخاتهم لتروي بضاعتهم المتواضعة، وتروّض خيول أمنياتهم الجامحة، بيوم قد تشرق فيه شمس حظوظهم، وترسل إليهم الخيرات من أيادي العابرين، فتثمر دريهماتهم، وتصدقهم، حتى يجنوا أتعاب يوم شاق، فيلملموا شتات أغراضهم، ويعلنوا هدنة قصيرة المدى…

    يوم الإثنين من كلّ أسبوع، يتحوّل سوق النبطية من بدايته حتى نهايته إلى جوقة عمل تسير على قدم الريح… وفي آخر النهار ترى أياد ترتفع بانتظام وبسرعة البرق لتفكّك مملكة من الخيام التي بنتها في ثقوب الفضاء على قساطل رفيعة، وحين كانت القساطل تهبط من عليائها تُسمعك معزوفاتها الرنانة، وتروي للريح حكايتها، وعند وصولها إلى الأرض كانت تهدي الأرض صدى رناتها، وتنام على حضنها بعد طول جهاد، معاتبة لأنّ الأخيرة كانت قد غصّت بقاماتها المتطاولة، ولم يعد بإمكانها أن تتسع لها فجعلتها تطير في الفضاء… كما ترى أجساداً ملأتها العافية همّة، وسقتها نخوة الأجداد وخفتهم، كانت تتمايل مع نزف الجباه التي غسلتها أشعة الشمس طيلة سبع ساعات أو أكثر…

    جوقة تعبق بأصوات تنوعت حناجرها، منذ مطلع النهار، وبعد أن امتصّت الشمس قصباتها سكنت في دخان المكان ليرتفع الصخب المعدنيّ…

    سوق النبطية يحفر في ساحاته بئراً ليدفن أصوات الباعة المتجولين منهم والثابتين، بئراً يسقي أبناءَ النبطية والجوار الذين كانوا ينتظرون يوم الإثنين ليغسلوا ضوء نهاراتهم، ويجلوا الصدأ المتراكم فوق مروءاتهم التي خفّ نبضها مع إيقاع التكنولوجيا منذ أن غزت أرض النبطية

    الباعة في النبطية يفرشون بسطاتهم على أكفّ الأمل، ويمدّونها فوق حناجرهم الصدّاحة، ويجمعون الصبر في جرارهم، ويكابدون العذاب المرّ الذي يأتيهم على شكل أسراب البشر المتدافعين نحو لا هدف، وسهام عيونهم تنخر البضاعة نخراً، ويتزاحمون ليجدوا مكاناً لوطء أقدامهم، ويشهرون سماجتهم بوجه الباعة البائسين، وبعد جدال عقيم على الأسعار يتركون السلع تأخذ قسطاً من الراحة، لترتاح من أمواج المدّ والجزر التي كانت تُحدثها أيديهم وهم ينتزعونها انتزاعاً من بين أيدي أصحابها…

    وتتابع الجحافل البشرية سيرها، كتماثيل لا تشيع منها أرواح الرحمة، وهم في طريقهم يلقون حمولتهم من ثقل الدّم على أولئك الباعة المساكين، ويسيرون بخطى من طين، تاركين خلفهم باعة خابت ظنونهم، وارتسمت المرارة حول أعينهم دوائر ضبابية فحجبت الضوء والرزق والأمل…

    الباعة في سوق النبطية يضيئون لنا ليالي الشرف والنزاهة، ويمطرون حاجاتنا بعرق جباههم، ويسترون عري أرواحنا التي سلبتها المدنيّة عفّتها، ويعيدون إلينا التراث المنسيّ، ويحفظون ذكرى أجدادنا في بسطاتهم، ويعلّقون أسماء الأجداد على منصّاتهم المرتفعة صعداً ليباركها الله، فيحمدونه على ما رزقهم من خيرات قليلة تكفي لتدافع عن الملح في خبزهم…

    الباعة في سوق النبطية يحفظون تاريخنا الشفهيّ، ويبشّروننا بالعزم كلّما حطّوا رحالهم في ساحات النبطية، وضربوا خيامهم على أرضها..

    وتتبخّر أجساد الباعة في النبطية كلّ يوم إثنين من كلّ أسبوع، وتجف حناجرهم التي تجرح أذن الهواء، وتنطفئ أضواء أرواحهم ليشتعل سوق النبطية بالخيرات، وتتعالى أصواتهم في فضاء النشيد لترجع إليهم على شكل رغيف…

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *