الثلاثاء 10 أكتوبر, 2017

    الأربعون ظلاً لإيهاب حمادة

    «الأربعون ظلاً» لإيهاب حمادة الاحتماء من الحياة

    علي نسر

    1460376422_عبر قصائد متنوعة من حيث الموضوعات، يضعنا الشاعر إيهاب حمادة في غياهب ظلال ديوانه «الأربعون ظلا»، فنجدنا أمام ديوان زاخر بالقضايا الذاتية والعامّة، استطاع صاحبه أن يطلق من خلاله شملة مواقف إنسانية، انطلاقا من رؤيته التي حاول بثّها في متن الكتاب، وهي الإصرار على عدم الانتماء.

    تشكّل النصوص المدرجة في فصلين، صورة موسّعة عن العنوان. فمنذ لوحة الغلاف، يضعك العنوان أمام تساؤلات، تتوقّع أن تكون إجاباتها رمادية غير واضحة. وبالفعل، لم يوارب الشاعر كثيرًا، ولم يعتمد طرق الشعراء الملتوية القائمة على المتناقضات، بل نراه، عبر لغة شعرية لافتة، يتبنى فكرة التواري خلف الظلال، مباركًا المكوث خلف الظلّ واللاوضوح، (سرنا كظلّ كان محتجبًا/ جزنا إليه فقام يتّضح/ شبحًا دعوه الظلّ كان له/ حمّى الحضور تبارك الشبحُ ص27.). ليعود ويؤكّد الفكرة ذات الرؤية نفسها بعد مدى من الصفحات، مستخدمًا الطريقة نفسها، عبر إعادة استعمال بعض الألفاظ، محتميًا بسواد الليل والظل في توليد الرؤى، خائفًا من افتضاحه حين يمزّق الصبح أوردة السواد الليلية. (كأسي سلاف الحزن يترعها/ وأنا كظلّي في الورى شبحُ/ يقتاتني الليل السديف رؤى/ والصبح يرميني فأُفتضحُ ص60).

    اللامنتمي

    untitledهذا الاحتماء بالظلّ، أمام ضبابية المشاهد الحياتية، يترجمه عملا وفعلا، إذ يعلن عدم انتمائه، وعدم تقيّده بنزعة معيّنة، متناسيًا أنّ اللاانتماء هو انتماء أيضًا، والحكم من خلاله هو حكم ايديولوجي اسمه أيديولوجيا اللامنتمي. يعلن عن هذه الرؤية عبر صورة شعرية، ترسم الخيوط المشتركة بين رقصتي الوردة والشوكة، مؤكدًا وقوفه في المكان الوسط حيث النكوص نحو الظلّ من جديد. (لونٌ رقصته الورد/ لونٌ رقصته الشوك/ لونٌ لا رقصة فيه/ لكنّه كانا/ أكثر تعبيرًا/ وأرقّ لسانا ص96ـ97).

    لم يكن هذا اللّجوء إلى البرزخ/ الظل، إلا تعبيرًا عن مواجهة الحياة وما تفرضه كلّ لحظة من إشكاليات مستعصية على الحلول. فقد رفض الشاعر الاستكانة والانصياع إلى ما هو ثابت في الحياة غير قابل للتغيّر والتطوّر. فيتمرّد على واقع كلّ من وما فيه يتحرّك كأداة تحرّكها أيادٍ من خارج إطار تكوينها. ما يجعل الإنسان رازحًا تحت ثقل من القوانين والأعراف التي لم يكن له فيها خيار، وجلّ ما يفعله أن يتلقّى تلقينًا دون القدرة على فلسفة ما يتلقاه وفلترته، فيتوارث الأشياء راضيًا بضعفه وجهله. (…قالوا لا علم لنا إلا ما علّمنا ذاك المدعوّ/فلانا وابن فلان ص101). إنّ هذه العبارة تحيلنا إلى بعض الآيات القرآنية، التي تؤكّد رضوخ الملائكة والراسخين في العلم لقدرة الله، فاستغلها من هم ممثلو الله على الأرض وتطرّفوا بها. (قال إني أعلم ما لا تعلمون…. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا… سورة البقرة)… (والراسخون في العلم يقولون آمنّا به.. سورة آل عمران). هذا ما جعل العقل مصابًا بالعرج، لأنّه رضخ لما هو منقول، وتخلّى عن مهمته التي أوكل الله إليه القيام بها. (هذي الأمّة يا صاح/ فيها عرجٌ/لكن في العقلِ/ إذ تنفخ في حاضرها/ تاريخًا من خلل النقلِ ص88).

    طريقة المتصوفين

    كل هذا يقود الشاعر إلى الإقرار بضرورة البحث عن الجوهر، وحقيقة الحقيقة، وعدم الانخداع بالمظاهر الشكلية الخارجية المباشرة، (كلّ منّا ينطق بالمعنى الساكن فيه/ لكن الشكل كلام ص102). ويؤكّد هذه النظرة حين يميّز بين الخمرة ومفعول السكر على طريقة المتصوّفين. وفي بحثه عن كنه الأشياء، يرى أنّ لكلّ شيء مصدرًا يرفده، فيظهره للعيان كي نتعرف إليه، وكذلك الله، فإنّ مصدر معرفته يكمن في السؤال والحيرة المستفزة للبحث في عمق القضايا. ومن القضايا التي تركت بصماتِها واضحة في صفحة أزمات الشاعر، قضية الإنسان عمومًا، والمرأة خصوصًا. فمن معالم تخلّف هذا الشرق ما تُعامل بها المرأة في مجتمعاتنا ص89. وهذا يكرّس تقديس الشاعر للانسان الشريك في إتمام معجزات الخالق، ككلمته بعد النفخ من روحه وهزّ جذوع النخيل ص90. كما يكرّس الحبّ صفة إنسانية تميّز بها الآدمي عن غيره من الكائنات، فالحبّ يحيط بنا من دون دراية به، وكأنه الله حاضرًا في كل مطرح، لكنه لا يُرى في أي موضع (…ننام في فيئه/ وحبّنا لم ينم/أظلّنا حارسًا لكننا لم نره ص38.). كلّ هذا قدّمه الشاعر في قالب من الشعر الموزون، مؤكدًا أنّ هذا الشعر ما زال قادرًا على توليد الشعرية، كالبحر يبقى ثابتًا لكنّ أمواجه هي التي تتغير.

    نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-09-15 على الصفحة رقم 14 – ثقافة

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *