الثلاثاء 10 أكتوبر, 2017

    “دم أبيض” يغلف عملاقا في وجوده

    “دم أبيض” يغلف عملاقا في وجوده وقلقه وجنوبه وكونيته

    الشاعر محمد علي شمس الدّين نحو العالميّة والتّجديد:

    أرفض التصنيف المكاني… و”التشظي الشعري”

    “ما هو موجود لديّ أبعد من الجنوب بكثير وأشمل”

    تمهيد

    الشاعر محمد علي شمس الدين لـ”مدارك ثقافية”

    “ما هو موجود لديّ أبعد من الجنوب بكثير وأشمل”

     بقلم: د. أنور عبد الحميد الموسى

        وضع الشاعر د.محمد علي شمس الدين الإصبع على جرح الأزمة الشعرية العربية الحالية… ليؤكد أنها تعاني من حالة “التشظي…”، مقترحا الحلول وأساليب العلاج…

        ويأبى الشاعر الجنوبي العاملي “التقوقع في الإطار المكاني”. لم يقلها علنا… بل أباح بذلك شعره وتراثه الخالد المتجدد… أجل، غدا شمس الدين الذي شغل الساحة الأدبية العربية منذ السبعينات… “كوني الرؤيا والالتزام، وجودي النزعة والقلق”، حداثوي المنطلق والمآل. بيد أن تجديده لم “يدُس” التراث ويلغيه، بل على العكس تماما؛ اتكأ عليه اتكاءه على ثورة الحسين وكربلاء والمتنبي والمسيح ومريم وفاطمة…

        وهو فضلا عن ذلك، يعد كوني الإيقاع والنغم؛ فها هو لا يزال يتربع عملاقا بين أغصان الأدب، وترانيم “بياض الدم”…

        بالطبع، لا نتكلم على أسطورة تراثية نقدية كونية طويت صفحتها، بل نحن إزاء قامة حية معطاءة متدفقة متجددة ومجددة… تواكب التاريخ والتراث لدواعٍ جمة، فتضيف إليها لمسات ورعشات، وتبلسم الوجود، فترتاد القلق والأمل في آن معا.

        إنه الشاعر العاملي، بل قل: العالمي، حافر الجذور والأصول، وقلب التراث… ابن بيت ياحون… رائد من رواد الحداثة المتطورة منذ العام 1973، ونشاطه الثقافي المتألق في المهرجانات والأمسيات والدراسات والندوات.. لا يحتاج إلى جواز سفر، ناهيك بغزارة إنتاجه الأدبي والفكري…

        لقد سافر بعيدا في ثغور التاريخ العربي والأسلامي والغربي… عبر أقنعة متشظية، وتناص متمرد يأبى التكرار والتقليد… عثر على أسراره، قبل العرب، نقاد إسبان وغربيون مرموقون. درسه القاصي والداني؛ من دون أن يستطيع أحد السيطرة على سر إبداعه.

        شمس الدين أضحى محط أنظار القارئ العربي والغربي، منوعا في دواوينه وسيمفونياته وفنونه… استهلها ب”قصائد مهربة الى حبيبتي آسيا”، مرورا بـ”منازل النرد” و”أميرال الطيور”… وليس انتهاء ب”بياض الدم”. قصائده تشي بنزعات فلسفية فريدة، وعلوم كونية قد تكتشف لاحقا، محققا ما أكده فرويد: “أن الشعراء…هم أساتذتنا نحن علماء النفس؛ كونهم وصلوا إلى مدارك لم تكتشفها حكمتنا المدرسية والعلمية بعد…”

       أجل، بدأت الدراسات الأكاديمية والمقابلات… تغترف من معين نبع الجنوب والشعر العالمي شمس الدين… ولما تنته بعد… فأنت لست تدري سر خلوده: أهو في براعة إيقاعه؟… أهو من غنائيته وتعصبه للتفعيلة وجاذبيته لفن الإلقاء…؟ أهو بسبب إشعاعاته الصوتية والتركيبية والسيكولوجية؟ ألأنه يحمل روية كونية تطرق إليها غولدمان وأستاذه لوكاتش؟ ألأنه التزم بخيالات التاريخ وغيماته؟

        يقول الشاعر: “بدأت الشعر من حيث انتهت التواريخ والفلسفات”، ويقول أيضا: “بدأت شيطانا وانتهيت شيطانا مقدسا…”، ويؤكد أن “قوة الكلمات” هي التي جمعته بالمتنبي… ولا شعر خارج الميتافيزيقيا… ويعلي من قيمة القراءة…

        هذه القضايا وغيرها، تشكل محور دراسة شمس الدين… فحول كتابه الأخير “دم أبيض” الذي هو عبارة عن محاورات… وموقفه من حركة الشعر العربي، ومفهومه للشعر… فضلا عن دواوينه وأعماله الأخرى… جاءت هذه المقابلة التي أجراها معه محمد وهبة، بالتعاون مع أسرة صفحة دراسات ثقلفية تراثية في الجامعة العالمية… تلك المقابلة التي طرحت أيضا الأسئلة الآتية على الشاعر: ما المقصود بالكتاب الأخير؟ وما جديد شمس الدين؟ وكيف انطلق… حتى غدا شاعرا عالميا؟ وما موقفه من النقد والقراءة؟ وما رأيه في حركة الشعراء الشباب في لبنان؟ وكيف ينظر إلى الجنوب؟ وهل يفضل حذف بعض شعره؟ وما سر سطوعه وخلوده؟ وما موقفه من ظاهرة أدونيس…؟

        هذه الأسئلة والقضايا وغيرها أضاء عليها شمس الدين في هذه المقابلة.

    “دم أبيض” يغلف عملاقا في وجوده وقلقه وجنوبه وكونيته

    حاوره: “محمد” وهبة.

       خاص ـ مدارك ثقافية

    alddin2-1بين يدٍ من نار، وقلب من “أوار”، يترنّح الشاعر محمد علي شمس الدّين، متربّعاً على عرش القصيدة ، مأخوذاً بمقامات صوفيّة وأخرى حداثويّة. واليوم يكشف كتابه الجديد “دم أبيض” اللّثام عن حقائق جمّة وشبه نظريّات يدور حولها النّقاش الفكريّ في عالم الشّعر. حول ” دم أبيض” وإصدارات أخرى للشاعر العملاق… كان لنا هذا الحديث المطوّل مع محمد علي شمس الدّين.

    * الشاعر الدكتور محمد علي شمس الدين، أهلا وسهلا بك ضيفًا عزيزًا كريمًا ؛ ولعلّها تكون مناسبة مؤاتية لنستفيض في الحديث عن الشّعر والشّعراء، وما ارتبط بهما بحسب أو بنسب… وأيضاً عن آخر إصداراتكم.

    ـ أهلاً بكم، حقيقة المناسبة صدور عدة كتب حول تجربتي الشّعريّة؛ فمؤخّراً صدر كتاب “دم أبيض”؛ وهو عبارة عن ستّ محاورات في الشّعر أجراها معي الأستاذ إسكندر حبش، وهذه المحاورات المستعادة ترافقت مع صدور ستّ مجموعات شعريّة على التّوالي، جُمِعتْ وقرأتها ولم أغيّر فيها حرفًا واحدًا؛ لأنني وجدتُ أن هذه المقابلات ترصد من خلال المحاورة حركة الشّعر العربي ومفهومي للشّعر عبر نماذج شعريّة عينيّة، وليس فقط أنّ النظريّة تأتي من دون شواهدها… وما حصل في “دم أبيض” هو أنّ شبه النّظريّة في الشّعر أتت من خلال شواهد حيّة متطورة على امتداد أكثر من عشر سنوات.

    زد على ذلك، هناك عدد من الكتب والدواوين ستصدر تباعًا، مثلا كتبي النثريّة الثلاثة “الطّواف”، و”رياح حجريّة”، و”حلقات العزلة”. أيضا أحضّر كتابًا ضخمًا في ثلاثة أجزاء تحت اسم “فهرست الكائنات الشّعريّة”، يتناول علاقتي بالشّعر والشّعراء في العالم، في التراث، وفي هذه البلاد، منذ أن عرفت هذا الفنّ أو عرفني حتّى الآن.

    باختصار، هذا هو الجديد عندي، وهذا ما يسوغ لي الكلام في الشّعر.

    * بعد هذه المقدمة، محمد علي شمس الدين تخطّى الحدود”العربيّة”، وأصبح اليوم “عالميّا”… من أين انطلق محمد علي شمس الدين؟

    ـ اسمح لي… انطلقت من هذه الأرض، من هذا الحيّز الجنوبيّ، من هذه القرى، لقد كتبت 22 ديواناً شعريّاً ذات مواصفات إبداعيّة. حين يكتب شاعر 22 مجموعة شعريّة في لغته، هذا الأمر يستدعي التفاتة وتبصّراً… والآن، الشّعر لم يعد لغة محليّة فقط، بل هو لغة عالميّة، فأنت حين تقرأ شعراً لـ”جاك بريفير” الفرنسي، أو لـ”غانسبرغ” الأميركي، أو “غارسيا لوركا” الأسباني، تقف مشدوها بهول الكلام وقوته؛ لأنك تقرأ شعرا بالفعل.

    الشّعر اليوم صار حالة وواقعة لا بدّ منها؛ لأنها عالميّة.

    وبالنّسبة إلى شعري أنا… هو إلى حدّ ما مقروء عالميّا، وتعود بي ذاكرتي اليوم إلى ما قرأته في وكالة أنباء قاهريّة… فقصائدي الّتي ترجمت إلى الإسبانيّة، ترجمت بدورها إلى لغات أوروبيّة، ووزع منها في عام واحد مليون نسخة. نجيب محفوظ وزّع من كتبه مليون ونصف نسخة، ونزار قباني أقل بقليل، محمد علي شمس الدين بدوره وزع مليون نسخة… هذا إنجاز بحدّ ذاته، ودليل على العمق الشّعري والانتشار والقبول.

    * حدّثتنا عن الانطلاقة من الجنوب، وتطرّقت إلى الترجمة، بعيداً من ذلك… هل يمكن القول: إنّ في عالمنا العربيّ جوّا نقديا يرقى إلى مستوى الشّعر والشّعراء؟  

     ـ في الحقيقة النّقد ليس للانصاف… فلنتّفق على تسمية الأمر بـ” القراءة”… والخطر يأتي من القراءة كما يقول تودوروف، القراءة هي تغلغل إلى مفاصل مستورة من النّص الإبداعي الغني لكشف أسرار النّص في اللّغة، في الفكر، في الإيقاع؛ بالتّالي كشف حِيل النّص الإبداعي… القارىء الّذي سمّيته أنت ناقداً يحلو لي أن أسمّيه قارئاً؛ فالقارىء أكبر من ناقد، والقراءة الإبداعية للنّص هي بحد ذاتها إبداع. مثلاً: قراءات عبد القاهر الجرجاني وتحليله لقصائد المتنبي… في الحقيقة أبدع الجرجاني نظريّة في الشّعر من خلال قراءته للمتنبّي. أيضاً لدينا رولان بارت الفرنسي حينما قرأ ما قرأ كقراءة نقديّة أبدع فعلاً ، هذا يعني أنّ القراءة النقدية هي جزء من بناء فكري فلسفي؛ إذ لا قراءة بلا فلسفة…فالقارىء الناقد المحلّل هو رجل ذوق وفكر معًا، هو علمي فني يقتضي أن تكون عنده القدرة على تلقّي الدّفعة الإبداعيّة للقصيدة، وعنده القدرة على التّحليل، أو ما أسمّيه “ثقافة التّحليل”… إذاً، هو أمر مهم؛ لذلك العمارات الإبداعيّة في الحداثة الغربيّة؛ من شعر ورسم ونحت وموسيقى وسينما، رافقتها عمارات نقديّة؛ أنت عندما تذكر مثلاً أراغون كشاعر، أستذكر آخرين من كبار النقّاد؛ كرولان بارت وجوليا كريستيفا… وبالتالي الفن كان مقترناً بالفكر التحليلي الابتكاري.

    أنا أنظر إلى النقد من هذا الباب؛ عندنا في العربيّة، في عصور الحداثة الشعريّة، كان هناك متابعات للقرّاء بشكل عميق… وليس القراءة العابرة… هؤلاء قلائل… تستطيع القول: إنّ روّاد الشعر العربي الحديث أعطوا تجربة كبيرة في الإبداع والخلق، أمثال: البيّاتي، وأدونيس، والسّياب وخليل حاوي وغيرهم. خليل حاوي كان وحده شاعراً ومفكّراً بينهم. أدونيس أيضاً حاول… ولديه كتب نثريّة نظريّة بمقدار ما عنده من شعر. الآن ليس عندنا الكثير من هذا القبيل، هناك بعض التجارب النقديّة الناجحة ولكن غير مقترنة بالنّظريّة، وهي عديدة، مثلا لدينا: الدكتور علي مهدي زيتون، ود.حسن جعفر نورالدين، والشاعر عمر شبلي، والأستاذ الاسكندر حبش…

    ولكن لم تتكوّن عندنا على غرار الغرب عمارات نقديّة وفكريّة لها نظريّات فكريّة؛ لذلك الشّعر العربي اليوم يحلّق بجناحين؛ جانحه الإبداعي الشّعري أقوى بكثير من جانحه النّقدي.

    * أنت بوصفك شاعرا وناقدا في السّاحة الأدبيّة اليوم، وإن شئت الفكريّة؛ كيف تقرأ حركة الشعراء الشباب في لبنان اليوم؟

    ـ دعني أقل لك شيئاً: منذ أكثر من عشر سنوات، الحالة الشّعريّة العربيّة عامة واللبنانيّة خاصّة، تعاني ممّا أسمّيه “التّشظّي الشّعري”؛ والتّشظّي الشّعري يعني عدّة أشياء، أوّلاً أنّه أنا أبحث ابتداء من الجملة الشّعريّة أو كلمتين ، كيمياء كلمتين معاً يصنع شرارة شعريّة، ابتداء من كلمة على كلمة… وصولاً إلى جملة فقصيدة فديوان. وما ألاحظه أنا شخصيّاً حتّى الآن، ومنذ مدّة طويلة، حقيقةً، أنّه ما صدر بالنّسبة إلي كقارىء، لم يصدر عمل شعري جعلني أقف أمامه وأقول هذا هو، أقرأ شذرات شعريّة، بعض قصائد، ولكن لم يتكوّن شيء من هذه الشذرات كي يصبح ديواناً أقف عنده وأقول هذا هو الديوان، أو ديوان المرحلة، أو ما يشبه ذلك… وكلامي هنا على غرار ماذا؟!

    على غرار ما حدث في مطالع الحداثة الشّعريّة العربيّة، مثلاً الآن حين تذكر بدر شاكر السّياب تذكر مباشرة “أنشودة المطر”، وحين تذكر أدونيس تذكر “أغاني مهيار الدمشقي”، وصلاح عبد الصبور وديوانه: “أحلام الفارس القديم”؛ إذاً، يقترن اسم الشاعر بكتاب، صحيح أن التجربة الشّعريّة في ما بعد تتنوّع؛ ولكن يبقى اسم الشاعر مقترناً بالديوان، القنبلة، وعندما تذكر محمد علي شمس الدين تذكر “قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا”.

    وبالعودة إلى هؤلاء الشّباب، فعندما نذكرهم، لا نستطيع القول: إن اسم كلّ واحد منهم مقترن بديوان معين. أؤكد هناك شذرات شعريّة، وأنا شخصيّاً أترقّب وصول أحدهم إلى مرحلة نقول خلالها إنّ فلاناً له ديوانه الذي يدلّ على توقيعه، والتّوقيع هو البصمة الخالدة، والدّليل على كل شاعر، وأسلوبه الإبداعي وشخصيّته الشّعريّة.

    نعم، هناك جملة من الشّعراء الآن يعودون للانتباه بأنّ الشّعر ليس فلتة بلا ثقافة، ولا فلتة بلا أصول ولا من دون لغة؛ ولا من دون سبر أعماق الجسد الشّعري العربي من القرآن إلى الشّعر الجاهلي… وحتّى هذه اللّحظات… الثقافة الكبيرة دليل على إمكانيّة الوصول، والأفق أمامهم مفتوح، هم كشعراء ما زالوا قيد التّكوّن الشّعري كما أسمّيه؛ ولا داعٍ لذكر أسماء معيّنة كي لا نقع في ما لا يحسن الوقوع فيه…

    كنتيجة أقول: انتبهوا إلى هذا المؤشّر الموجود لدى هؤلاء الشّباب، ولهذه الكوكبة الّتي قد يكون قد بدأت من المكان الصّحيح؛ لأن البداية من مكان غير صحيح تؤدي إلى أماكن “مسترابة”، وأنا أقول: إنّ المكان الصحيح هو الحساسيّة الشّعريّة والمعرفة. والآن، إذا أبدع  شاعر ونظم ديوانا يشار إليه، كأغاني مهيار الدّمشقي وأحلام الفارس القديم، فأنا بانتظاره، بل أنا أبحث عنه.

     * نراك عندما تتكلّم على شعراء الجنوب، تتكلّم بحرقة. ما رأيك في هذه التّسمية؟ ولماذا انتهت هذه الظاهرة على الرّغم من وجود كلّ شعرائها باستثناء محمد عبد الله رحمه الله؟!

    ـ بصراحة، لست ضدّها ولست معها، هي تجربة ضمّت عدداً ممّن كتبوا الشّعر، بعضهم أكمل المسيرة والبعض الآخر سكت، والبعض انكفأ، كانت مسيرته انحداريّة وليست تصاعديّة. شعراء الجنوب ليسوا تجمّعاً فنّيّا، حين تقول مثلا ” التّجمّع السوريالي ” الحقيقي الّذي كان في باريس وضمّ شعراء سورياليين، والسورياليّة هي مذهب فنّي يصحّ حوله أن يتجمّع شعراء، أمّا المكان الجغرافي فغير صالح لتجمّع شعراء، هو بالطّبع صالح لالتقاء شعراء وليس تجمّعا، التّجمّع الشّعري هو تجمّع مذهبي (سورياليّة.. دادائيّة.. ما بعد الحداثة إلخ) أمّا الأرض فلا تكفي. فمنذ البداية كان موقفي واضحاً، لا رحّبت بالفكرة، ولا عارضتها أو تنصّلت منها.

    * منذ أن هرّبت الدّيوان الأوّل إلى آسيا، نراك تعكس همّ الجنوب وألم الجنوب، نرى قوّة الحضور للجنوب اللّبناني في شعرك، ما سرّ ذلك ؟

    ـ الآن أقول لك: أنت إذا قرأت تجربتي الشّعريّة من ” قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا ” حتّى ” النّازلون على الرّيح”، ستجد عصباً مشدوداً متوتّراً قلقاً لأقصى حدّ، لدرجة الغليان، هذا العصب مصنوع من أصوات وأحزان ودماء وتاريخ وحدود…

    * باختصار كيف صنع هذا العصب؟

    ـ أنا جنوبيّ إلى أقصى حدّ متوتّر، أنا ابن الكربلائيّات، ابن الدّماء المراقة على الحدود؛… القصف… أنا ابن المتنبّي وامرىء القيس والمعرّي، ولكنّ العصب هو تراجيدي انشادي غنائي. ويعود ذلك إلى النشأة الأولى، الهواء الأوّل، الأناشيد الّتي سمعتها، البكائيّات… عندما كان المرحوم الجدّ يبكي ويرثي الحسين… كلّ هذه العوامل صنعت هذه الأصوات وهذه المعاني، وصنعت العصب؛ ولكنّني لستُ كلّ شيء بالنّسبة إلى الجنوب. الجنوب حملني، وبدوري أنا حملته؛ لأنّ شعري أبعد من الجنوب. أنا في الديوان الأوّل ذهبت إلى غرناطة، تحدّثت عنها، ديواني الأخير ” النازلون على الرّيح ” ليس عن الجنوب، ولا فيه شيء عن الجنوب؛ في شعري هناك قلق وجودي، بل قلق عرفاني صوفي… إذا دققت مثلاً في قصيدة “يوم الأحد الواقع فيه صمتي” لرأيت معراجاً داخلياً، سيراً نحو الله، هذا يدلّ على أنّ الجنوب حاضر في داخلي؛ ولكن كجزء؛ لأنّ ما هو موجود لديّ أبعد من الجنوب بكثير وأشمل، إن أردتَ سمّه الوجود؛ نعم الوجود.

    * محمد علي شمس الدّين، هل يراوده شعور… أو يحبّذ أن يحذف بعض قصائده كما جرى مع أدونيس ومحمود درويش؟

    ـ أبداً… أنا حتّى الآن حين يُكتب عن تجربتي الشّعريّة يقولون: صاحب قصائد مهرّبة…  “أغاني مهيار الدّمشقي” ليس الدّيوان الأوّل لأدونيس، ديوانه الأوّل “قالت لي الأرض”؛ ديوان ضعيف يقلّد فيه تجربة سعيد عقل، ولا يعتبر البدايات الحقيقيّة لـ أدونيس. محمود درويش كذلك الأمر.كثر يتنصّلون من الدّيوان الأوّل… أنا كشخص كنت قاسياً جدا مع نفسي حين بدأت بنشر القصيدة، كتبت مئات القصائد قبل أن أنشر “قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا”؛ لذلك حتى الآن أنت تقرأ “قصائد مهربة” وكأنّك تعيشها في هذه اللّحظة… فأبداً ليس لديّ إحساس بأن أحذف قصيدة، لا، كل القصائد لها أفقها وأطروحتها، ولم أعتمد قصيدة واحدة وأتوقّف عندها، بل أعترف بأنني متطلّب بمعنى من المعاني… حيث أقول إنّ كل ما كتبت من شعر لا أريد منه سوى قصيدة جديدة، هذا ما يعبّر عن حقّي، ويترجم قلقي الذي يعيش بداخلي، أنا لا أنام على مرتبة… نزار قباني عندما نام على مرتبته أسقط نصف شعره؛ فبالتالي؛ لأنني متطلّب وتوّاق إلى تلك القصيدة – الوجود أو القصيدة – الحلم، لا أتصوّر ولا أقبل حذف أيّ قصيدة وكلّها أتبنّاها، نعم أتبنّاها.

    * هذا العصب الحيّ الّذي لم يكن متوفّراً لدى كثير من الشّعراء منذ الديوان الأوّل وحتّى “النازلون على الرّيح”، ما سرّ بقائه؟

    ـ أنا غير نادم على ما كتبت، ولكن لو سألتني ماذا تريد؟ أقول لك: أريد قصيدة، أريد أن أكتب قصيدة الآن، قصيدة جديدة، والتجديد بالنسبة إليك مثلاً أمر صعب جداً؛ لأنّ الشّاعر يستعير من نفسه، كان في ما سبق قد وقع على معنى معيّن في صيغة معيّنة، ويريد أن يكتب شيئاً جديداً، فيذهب إلى الكتابة الأولى، ويستعير منها… أمّا أنا فحساس لهذه المسألة؛ لأنّ القصيدة عندي ليست فلتة، بل هي مخاض، ومكابدة قويّة صعبة المنال.

    * قبل الختام، هناك سؤال يراودني منذ مدة، محمد علي شمس الدين كيف يقرأ ظاهرة أدونيس؟

    ـ ظاهرة أدونيس أنا قرأتها حقيقة وكتبت غير مقال حول تجربته، وكتبت مقالين مهمّين حين أصدر كتابه “الكتاب” بأجزائه الثلاثة. وكتبت مقالة ذات عنوان صادم؛ وهو “أدونيس في الكتاب: البحث عن إبرة الشّعر تحت قش التّاريخ”. كان نقدي له أنّه أراد أن يضع الخلفيّة التّاريخيّة المتّصلة بعصور سبقت عصر المتنبّي، مروراً بعصر المتنبّي كأساس ورافعة للشّعر، فكتب أدونيس الحواشي التاريخيّة التي أغرقت، يعني كتب نصوصاً بكاملها من الطّبري والمسعودي وابن الأثير حول ظواهر… وصولاً لعصر المتنبي، وحين كتب ذلك كتب في المتن القليل من الشّعر، هذا القليل الموجود في المتن غارق تحت قشّ التواريخ، أنا قلت له أنتَ أغرقتَ الشّعر بالتّاريخ وقلتُ جملة لا أزال أقولها: (الشّعر يبدأ من حيث ينتهي التاريخ وتنتهي المعرفة). الشّعر هو نصّ آخر، النّص التاريخي نصّ والشّعر نصّ آخر، أدونيس أغرق الشعر بالتاريخ، مع ذلك أدونيس شاعر محترم، يومها أنا كتبت في المقال في جريدة الحياة، وردّ عليّ خطّيّاً في الجريدة نفسها قائلاً: الشاعر محمد علي شمس الدين صاحب المقام الرّفيع في الشعر، اتّهمني بما ليس فيّ من كذا وكذا… لأنني أنا قلت إنه انتقائي؛ لأنه لم ينظر إلى التاريخ الحضاري الإيجابي، بل نظر إلى الدم والمعارك و..

    وبعد ذلك شاركت معه في حوارية على إذاعة صوت الشّعب مع الصّديق الأستاذ عماد الخليل، وأكّدت له إغراقه في التاريخ، وأجاب يومها إنّ: تي. إس. إليوت في قصيدته ” الأرض اليباب “وضع مئات الشواهد التّاريخيّة.. فأجبته: انّ ذلك ليس حجّة علينا. وبالنسبة إلى أدونيس كحالة أدبيّة أقول إنّه  شاعر ذو تجربة أساسيّة في الحداثة الشّعريّة، لم يُقرأ كما يجب، ونتاجاته الأولى “أغاني مهيار الدمشقي”، و”المسرح والمرايا”، و”وقت بين الرماد والورد”… أنا أميل إليها، ولا أميل إلى أشعاره الأخيرة؛ لأن في أشعاره الأخيرة صار يميل إلى تحويل الشعر إلى ظاهرة لغويّة؛ وبالتالي شدّ اللّغة إلى آخر وتر فيها، وحوّلها إلى نوع من البحوث اللغويّة والمقدرات. ولكن كمحصّلة هو رائد من روّاد الحداثة العربيّة، ولديه قلقه الوجودي، وهو شجاع ومغامر بالرغم من تغيّره وتحوّله الدائم.

    * محمد علي شمس الدين، المنطلق من التراث الشيعي الإسلامي العربي، ماذا يقدّم من نبوءة تجاه الشّعر اليوم؟

    ـ أنا لا أقدّم نبوءة حقيقةً، بل محاولة، والشّعر مهم عميق، صوت الزّمن، صوت اللغة، التحولات البشريّة، في مكان وزمان وظروف معيّنة.

    أنا أقدم الشّعر بهذه الصورة، ودائماً عندي شيء من الرّيبة؛ بمعنى أنّه ليست لديّ يقينيات، وشعري قلق جداً، دوما لديّ أسئلة حول الأشياء… وأنا شاعر أوصف نفسي كشاعر ثنائيات، أميل إلى تلك المساحة البيضاء من العدم.

    * ما هو مسك الختام لهذا اللّقاء؟

    ـ مقطع بعنوان: “الهزيع الأخير لطير السّماوات”، من ديوان “الغيوم التي في الضواحي” :

    كلّما صوّبتُ نيراني

    إلى طير السّماواتِ

    أتاني

    عاتبًا يسألني:

    أين يطيرْ؟

    ولماذا

    حين ألقى جسمه الواهنَ

    في هذا الأثيرْ

    قتلوهُ؟

    قلتُ: لا أعلمُ

     لكنْ

    وأنا المعنيّ في هذا العتابْ

    كلّما أودعتُ جسمي في التّرابْ

    أكلته الدّودة العمياءْ

    هل تدري لماذا

    خلق الله الذّباب

    وخرافَ السّهلْ

    والطّيرَ السّماويّ الصّغيرْ ؟

    والذّئابْ …

          ولماذا

    يشربُ العصفور

    من ماءِ الغديرْ

    ويصيبُ العطش الأكبرْ

    نصف الكائناتْ ؟

    أنت مثلي

    حين ترتدّ على نهر الفراتْ

    وترى الجثّة تطفو…

    ….

    هل رأيتْ

    كيف يروي قصّة الأحياء مَيْت ؟

       ….

        ……

    بينما

     أشرحُ أعذاري له

    كان الزّنادْ

    أطلقَ الطّلقةَ

    فاهتزّ قليلًا

    فتلاشى

    ثمّ

    ماتْ

    ….

        …..

    ……

    لم تكُنْ تكفي الحياةْ

    لتُرينا

    أنّ للقصّة وجهينْ

    فمَنْ

    كانَ (فيما يدّعي)

    يقتلُ

    مَنْ ؟

     

     

     

     

     

     

     

     

     

    مقالات ذات صله

    1 تعليقات

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *