الأحد 25 يونيو, 2017

    الهاتف المحمول عدوُّ الضَّاد

    الهاتف المحمول عدوُّ الضَّاد

    تحقيق د. أنور عبد الحميد الموسى

    mousa2-1

    • شكوى اللغويين: لص و”فايروس” ونصوصه ركيكة غريبة تافهة تدفن الضَّاد
    • هل يساهم الخلوي والواتس آب في تدمير اللغة العربية والسلوك؟
    • حين يتحول الهاتف المحمول إلى عدو الضاد أو صديقها

         أدمن عليه الكبير والصغير. فتحت بسببه عيادات للعلاج النفسي. باتت له رموز لغوية جديدة. أضحى عند بعض المفكرين والمتعلمين واللغويين مصدر قراءة وتثقيف بدل الكتاب. يكاد يهدم دور النشر والصحف الورقية المرموقة. استخدم في عمليات “الغش” في الامتحانات الجامعية. أنقذ عشرات الطلاب من مأزق الرسوب الحتمي. اضطرت إحدى الكليات إلى تكثيف التفتيش عنه صعوداً ونزولاً، حتى جلباب المحجبات وعلب سجائر الشباب. والطامة الكبرى لكل من ضُبط بحوزته ولو سهواً، لأن العقوبة قد تصل إلى الطرد من الامتحان، أو المنع من تقديم امتحانات أرصدة أخرى، فضلاً عن التشهير، وتعليق اسم “الجاني” في باحات الكليات!

        لا نتكلم على “فايروس” عادي أو خطير؛ إنما عن الهاتف الخلوي وتطبيقه الرائج (الواتس آب)… الذي غزا عبر برامجه كل ميادين الحياة؛ ولكن تأثيره في اللغة العربية يبدو جلياً يوماً بعد يوم… ويطرح إشكاليات جمة؛ ترى، هل يخدم “الضَّاد”؟ وهل يشكل عامل تهديد للحرف العربي؟ وهل يمكن استثماره في تعزيز الضَّاد وتحبيب النشء بلغتهم؟

    يدمر الضاد؟

    فكما لكل آلة، أو وسيلة أنتاج، إيجابيات تساعد الإنسان على تلبية حاجاته وتوفر له المزيد من الوقت للانتاج، كانت هي الدافع لإبداعها ، أيضاً، لهذا المنتج سلبيات شكلت تحدياً قاتلاً للعقل المتنامي أو الناضج حتى، بحيث أساء استخدام هذه الوسائط وأحالها إلى أداة خمول وتراجع في الكسب المعرفي، أقله في سلوك الطريق الصحيح لهذا الكسب. كذلك في العلاقة البينية أو الاجتماعية، إذا تحدثنا حصراً عن الهاتف المحمول والذي هو موضوع تحقيقنا.

    في هذا التحقيق، عمدنا إلى تثبيت شهادات ، رغم تشابهها، بل تطابقها، لنبيّن أن المشكلة عامّة وليست محصورة في فئة اجتماعية واحدة.

        hatefالقضية التي يطرحها موضوع الخلوي والواتس آب، تطال كل الشرائح والميادين، لكن تأثيرها في الضَّاد يبدو كبيراً… فبدلاً من أن تعزز هذه “الوسائل”، بحسب د. جبران خليل، مكانة الضَّاد، نجدها تؤثر سلباً… ولا سيما في الحرف العربي الذي يتحول إلى لاتيني (إنكليزي أو…) أو مرقم (5=خ، 8=غ، 7=ح…)…وسبب ذلك؟ يجيب خليل: الجهل والتخلف، وعدم الإيمان بالهوية… وعدم الثقة بالعربية، وتبجيل الإنكليزية، وإخفاق اللغويين في إظهار رفعة الضَّاد وجمالها للمتلقي العربي…

        ويؤيده في الطرح السابق د. حسن جعفر الذي ينتقد بشدة، أيضاً، استخدام العامية المكسَّرة في الدردشات والرسائل، أو الرموز الهجينة، أو الوجوه والأصابع… فضلاً عن الكلمات المعرَّبة الركيكة…(لايك، بوست، مسج…)

        د.جعفر الذي طالما يشكو من رسائل الطلاب القصيرة التي تكتب “بلغة التهجين والتسخيف”، يؤكد أنه لا يرد عليها، حتى يتعلم الطالب والصديق درساً، ويكتب بالعربية الجميلة…

        ويوافقه الرأي عبد الحليم خليفة (ماستر لغة عربية)…مؤكداً أن الرسائل القصيرة ودردشات الواتس آب، يمكن أن تكون عاملاً مساعداً على تعلم الضَّاد وتعليمها… داعياً إلى تكثيف إرسال الموضوعات والرسائل التي تتضمن قواعد نحوية عبر الواتس آب… على أن ترسل بقوالب جميلة في الإخراج والتلوين…

         ما يقوله خليفة يتوافق مع تجارب فردية لمجموعات من محبي الضاد “كعشاق الضَّاد” الذين أعدوا مجموعة عبر الواتس آب، يتناقشون فيها بشأن هموم لغتنا الجميلة، ويرسلون من خلالها أشعاراً وأقوالاً وقواعد، وصوراً وأخباراً تعزز حبهم للضَّاد، وتعمق التواصل الفكري بين الأعضاء… تمهيداً لأعمال فكرية مستقبلية…

        وفي المقابل، يرى د. حبيب قرماش أن هذه المجموعات عبر الواتس آب، لا فائدة فعلية لها في ميدان الضَّاد؛ كون التفاعل الحقيقي ينبغي أن يكون في اللقاءات الحقيقية لا الافتراضية… وأكد أنه ينسحب دائماً من تلك المجموعات: “كوني أنزعج من الرسائل المكرورة… أو التي ترسل في أوقات راحتي… ولا وقت لديَّ لإضاعته في نقاش عقيم… ويخالفه الرأي الأستاذ أنور: “نحن نتناقش في هذه المجموعات نقاشاً أكاديمياً مفعماً بالانفتاح والاحترام… ومن كان مرهقاً أو نعساناً، فيمكنه تخفيض مستوى صوت هاتفه…”

        وتدعو د.مريم كريم إلى تعميم تجربة المجموعات التي تهتم بالضَّاد… أكثر فأكثر… خصوصاً في المدارس، وبين الطلاب أنفسهم، أو بين الأساتذة والطلاب، أو بين اللغويين والإعلاميين ودور النشر… لأن “التلاقح الفكري يرفد الضَّاد بموضوعات غنية…”

        والواقع أن تأثير الواتس آب قد يصل تربوياً إلى الامتحانات… كحالات الغُشْ في مادة اللغة العربية التي انتشرت مؤخراً في إحدى الدول العربية في غير كلية، ورافقتها جملة “روايات”، يقول رمزي ناصر: “سمعت أن سبب تلك الإجراءات وجود عصابة، تدفع لها 100 دولار، فتؤجرك جهازاً، وتسهل لك بث أجوبة امتحان العربي من بُعد، بعد توجيه رسالة لها حول المطلوب، ويستعين صاحب المعونة بسماعات “لا سلكية” كي يسمع الإجابة، وبمتخصصي لغة عربية يدفع لهم إكرامية”. يقاطعه زميله عائد جعفر: “سمعت بأن تكلفة العملية كانت عالية، ربما تصل إلى 500 دولار. العملية نجحت لوقت قصير قبل أن يحبطها أحد المراقبين!”. كيف؟ يجيب: “أحبَّ المراقب ممازحة أحد الشباب، فربَّت على ظهره ورقبته، فهب الشاب صارخاً من الألم، ليتبين أن السبب وضع “الجهاز” في الأذن اليسرى”.

        إنها إذًا طرائق مبتكرة للغش، بطلها اليوم جهاز الخلوي وبرامجه وملحقاته التي لم تتردد الدول ومخابراتها في استخدامها لأعمال التجسس والمراقبة، ولا تجد المؤسسات الإعلامية أيضاً مفراً من استغلالها أداة لمراسليها في نقل الأخبار وصور الأحداث لحظة بلحظة، فكيف لا يستثمرها الطالب الجامعي “الذكي” في أعمال الترفع والنجاح بمادة اللغة العربية؟!

        “الرواية” السابقة تشرِّع الباب أمام التطور الهائل الذي طال الخلوي، وتنعكس تأثيراته المباشرة، في اللغة العربية، وسلوك الشباب والأطفال وأساليب الحياة، والعادات والتقاليد، حتى تبلور الشخصية..

    رحلة دائمة مع صديق جديد (الخلوي)

        يقول داني أشقر: “لا نستطيع الجلوس أو التحرك من دون الـ”واتس آب” والخلوي، بات صديقي الحميم، الملازم لي، ومن دونه أشعر بالضياع، وأتعلم مبادئ لغتي من خلاله”، لافتاً إلى أن تطبيقات الخلوي غزت قلوب العرب وأيديهم، وأضحت كالقوت اليومي الذي وصلت تأثيراته إلى كل مناحي الحياة.

         ويؤكد أن الخلوي وتطبيقاته” “تساعدني على قراءة كل موضوعات الضَّاد، والشعر، والقواميس اللغوية… فلا ضرورة لاقتناء مكتبة في اللغة…”

        كلام داني تؤيده الوقائع والمشاهدات، فأينما تتجه، تجد شباناً ومراهقين وأطفالاً يطأطئون رؤوسهم لجهاز العصر وتطبيقاته. الأسرة لا تسلم في المنازل وأماكن الرحلات من ذلك “الصديق”، فبعدما كانت ملجأ لأفرادها في النقاش وعرض المشكلات، بدأ الفرد فيها يشعر بالانعزال والوحدة، والتعلق بعوالم نائية أو افتراضية. تقول الجدة أم عزات شقير(67 عاما): “سهراتنا لم تعد حميمة، فأحفادي عند التجمع مساء، يتلهون بالخلوي والـ”واتس آب”، لا يكلمون أهلهم، ولا يتمازحون أو يتبادلون الآراء، ولم يعودوا يستمعون للقصص الدافئة، ولا يتناقشون في بدائع اللغة وفنونها”.

        أسر جمة تجتمع، إذًا، وقلوب أبنائها شتى نتيجة ذلك “الصديق الجديد”. وفي أثناء السهرات، وجلسات الأُنس، يؤازر جهاز الخلوي التلفاز في التشرد العائلي وتفكك العلاقات، لكن للهاتف خصوصية، لأنه في نظر عزيز ملك (إعلام)، يجمع خصائص عدة وسائط (ملتميديا)؛ ففيه الراديو والتلفاز والاتصال وحتى الإنترنت، والتواصل المباشر بالصوت والصورة والدردشة.. لكنه، مع ذلك، يضيف، “قد يكون ضيفاً ثقيلاً، ولا سيما في أوقات العمل، أو القيادة، أو المناسبات. قد يوقع صاحبه بحرج شديد… أو قد تُرسل رسالة فيها أخطاء لغوية يسخر منها غيرك!”.

        شبان يعملون بالأفران وغيرها، صُرِفوا من العمل، أو تعرضوا لإهانات نتيجة إدمانهم على الـ”واتس آب”. يشرح سلمان: “طردني الدكتور من القاعة؛ خلال محاضرة اللغة العربية؛ لأنني أحببت التواصل مع صديقتي، ومع ذلك، لا أرتدع”…. وكي أتغلب على عنصر الوقت، أستخدم لغة هجينة كالرموز أو الكلام المبتذل أو الناقص أو…”

        ويبدي الشاب سليم د. امتعاضه من سلوك زوجته: الـ”واتس آب” يجعلها بعيدة عني كثيراً؛ ففي كل لحظة يرن التلفون إيذاناً بفتح حديث قد يطول، أو دردشة مع جاراتها وصديقاتها وأقربائها، والمشكلة أنها قد تصاب بإحراج عند امتناعها عن التواصل والرد…”، ويقول: لغة الثرثرة في الواتس آب هي السائدة، ومرة، حاولت أن أفهم اللغة المستخدمة، وجدتها من الطلاسم وغير مفهومة…”، ويستغرب كيف أنه وقف مرة عشر دقائق ينتظر “الخضرجي” ريثما ينهي الدردشة عبر الـ”واتس آب”…. مؤكداً أن لكل شريحة لغتها…

        واللافت، أن أسراً فقيرة، تخصص جزءاً كبيراً من ميزانيتها لأعمال الخلوي وخدماته. تقول فاطمة غندور: “مدخول زوجي متدنٍ، نخصص جزءاً كبيراً منه لـ”تشريج” هواتف أبنائي الخمسة؛ فابنتي جامعية، لا أطمئنّ عليها بلا خلوي، وابني عذبنا كثيراً لشراء جهاز، لأن أصدقاءه معهم أجهزة، ينقلون عبرها صوراً مجانية وغيرها، ويحركون الكلمات تحريكاً لا تجده في الأجهزة القديمة”…. ومع ذلك، تقول غندور: ما فائدة ذلك؟ فالركاكة طاغية على اللغة… ولكن تفيد هذه التطبيقات الشعراء والكتاب، كون الخلوي يصبح بديلا عن الحاسوب في الطباعة وكتابة القصائد أو حتى إعداد المقالات والأبحاث… لأن الحاسوب لا نستطيع حمله في كل مكان…”

        تلامذة المدارس ذكوراً وإناثاً لا يسلمون من هذا “الصديق”، فميرفت الحسين، لا تستغني عنه: “أتصل عبر “الواتس آب” بصديقاتي، وأدخل عبر الخلوي إلى الإنترنت للبحث عن موضوعات تتعلق باللغة العربية، والتسلية، ومعرفة الأخبار، وإنشاء مجموعات”، تستدرك: “بعض زميلاتي يستخدمنه للتعارف مع شباب، أو لمشاهدة لقطات إباحية، أو فيديو كليبات هابطة”.

        ويبدي الشاب منير العيسى امتعاضه من الرسائل الترويجية التي ترسل عبره من دون استئذان: “إعلانات لسلع، بلغة ركيكة أو غير عربية، أو تخفيضات للأثاث، أو الإعلان عن شقة أو قروض…عبر نصوص أجنبية أو مخزية اللغة”. يتابع: “هناك رسائل نصب واحتيال؛ من قبيل: اتصل على الرقم كذا، لأنك ربحت جائزة كبرى. هدفها إما تجاري، أو سياسي”.

        للكلام السابق ما يسوغه في ميدان التجسس والتجنيد للعمالة والموضة، تقول زينب شيال: “نحن العرب، ننبهر بالموضة، فجارتي الجامعية تغير كل مدة جهازاً، غير مكترثة لوضع أهلها؛ لأنها تلهث وراء التطور، على حساب وضعها الاقتصادي”. ويوافقها الرأي وسام بركة: “بعض الناس يُخدعون بالإعلانات المروجة للهاتف، فيشترون أجهزة لا يحدث عليها التغيير، بذريعة أن تطوراً عظيماً طرأ عليها”.

    تحليل نفسي تربوي

        تقول سلمى جشي (علم نفس): “الواتس آب بدلاً من أن يخدم الضَّاد، أساء إليها ـ وهو يوفر للمرء خدمات جَمَّة على صعيد تبادل المعلومات والصور والتفاعل العائلي. فالطلاب يجدون فيه خير معين اقتصادياً وثقافياً. أنا أؤيد استثماره، لكن ليس على حساب الكتاب والعمل والواجبات المنزلية.. والعلاقة الزوجية”. فيما يؤكد الدكتور حمدي الصالح أن الانغماس بالتكنولوجيا والهاتف، جعل الفرد يشعر بالانعزال، وينفر من اللغة، كون الأجهزة معدة للغات أخرى… ومصطلحاتها العربية غير مألوفة أحياناً. الاتصال من بعد، لا يغني عن اللقاء الاجتماعي وجهاً لوجه، والفرد يحتاج إلى تواصل يبرز المشاعر والانفعالات عبر لغة الجسد. وبالتالي، فإن الانغماس بالخلوي وخدماته الجديدة، قد يسبب مشكلات نفسية تطرأ على الإنسان، فتجعله أسير الإحباط والقلق.

       ويعيد الدكتور ضرغام القصير سبب تعلق الشاب بالـ”واتس آب”، إلى “جملة من الإحباطات التي منينا بها، نتيجة الفساد والطائفية والفراغ والبطالة وسوء استثمار الوقت، فيجد الطالب في تلك التكنولوجيا عالماً افتراضياً وهمياً، يعوِّضه من النقص الراهن”. ويتابع: “أُشبِّه تعلق الإنسان بالخلوي وبرامجه بتعلُّق الطفل بأمِّه، وكلاهما يبحث عن سند أو تعويض عاطفي ووجداني”.

        جمانة ابراهيم (تربية) تؤكد أن التكنولوجيا عامة، والخلوي خاصة، سلاح ذو حدين في ميدان اللغة. ويتوقف استخدامه على التربية. وتشير إلى أن المراهق أو الشاب، قد يجد في الخلوي بديلاً عن العطف المفقود في الأسرة أو المجتمع؛ ولذا، هناك ضرورة لمواكبة الطفل أو المراهق، وتثقيفه جنسياً كي لا يحصل على تلك التربية من طرق خاطئة عبر الهاتف (بلوتوث، أو فيديو، أو إنترنت).

        من جهته، د. أبو سلمى الموسى (محلل نفسي للأدب) يعترض على كل من يحمل الواتس آب فوق طاقته؛ لأن أزمة اللغة العربية متجدرة تربوياً وسياسياً… منتقداً بشدة ما تفعله وزارات بعض الدول من تحطيم النحو العربي والمناهج وحذف بعض دروس اللغة المهمة… ومنتقداً السياسيين الذين يلحنون صباح مساء… متسائلاً: هل الكارثة فينا أم في الخلوي؟ وأكد أن الخلوي ضيف رائع فيلسوف إن أحْسَنَّا توظيفه في تعزيز الضَّاد…

        الخلوي إذًا، أحدث خططاً جديدة لتقهقر الضَّاد أو تعزيزها…. وهذه القضية تفتح نوافذ على “الحداثة والعصرنة”، من مرحِّبٍ بإنجازاتها إلى معارضٍ لـ”تفاهاتها” أو متحفِّظ… والسؤال الكبير: ما دور وسائل التواصل الاجتماعية (كالفايس بوك) في تعزيز الضَّاد أو تحطيمها؟ ولم لا نعمم ثقافة الضَّاد أكثر في تلك الوسائل؟ ولم لا تخصص دروس ودورات مستقلة لهذه الغاية؟!

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *