السبت 21 يوليو, 2018

    الكاتب.. أول المتلقِّين

    0
    views

    الكاتب.. أول المتلقِّين

    د. علي نسر

    5050لا ولادة لنصّ أدبيّ، إلا عبر تركيب مثلّث الأضلاع. يأتي على رأس هرمه، المحتوى المشبع باللغة ودلالاتها كسلطة عليا، ثم تأتي قاعدتاه اللتان يمثلّهما الكاتب والقارئ. فالكتابة والقراءة متحاذيتان منذ انطلاق التعبير، إذ يشكّل الكاتب نفسُه القارئَ الأوّل. ثم يليه المتلقّي أو المرسَل إليه الذي توكل إليه مهمّة التّأويل، أي مرحلة تحقّق النّص. فلا يكون العمل الإبداعي إلا من خلال المشاركة التواصلية الفعّالة بين الكاتب، والنص، والجمهور القارئ. ويدلّ هذا على أنّ العمل الإبداعي يتكوّن من عناصر عدة: النصّ الّذي قوامه المعنى، وهو يشكّل أيضاً تجربة الكاتب الواقعية والخيالية، والقارئ الذي يتقبّل آثار النص سواء أكانت إيجابية أم سلبية.

    إنّ تداخلاً بين مكوّنات النصّ الخارجيّة والداخليّة، تفضي إلى ظهور علاقات إشكالية بين الكاتب والنصّ والمتلقّي.. فمرّة تكون العلاقة ضدّية، وكأنّ كلَّ طرفٍ يعمل على إلغاء الآخر. ومرّة تكون ندّية، تقوم على إثبات كلّ طرف وجوده أمام الآخر من دون إقصائه. وهذه العلاقة هي الأقرب إلى إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، وتوزّع مهام إنجاز النّصّ على أطرافه الثلاثة، خصوصًا القارئ الذي نسيته الدراسات لمدة طويلة من الزمن النقدي والبحثي.

    لقد تحلّى الكاتب، لمراحل عديدة من تاريخ الأدب والعمليّات النقديّة، بصفاتٍ شبه قدسيّة، وحافظ على تفرّده وتميّزه، خصوصًا في النصوص القديمة التي وفّرت له هذه الهالة، وصعّبت المساس به. فقد كرّسته الآداب الكلاسيكيّة سيّدًا لا شيء ينافسه، فهو صاحب اليد الطولى، وعليه تتوقّف العمليّة الإبداعيّة. وربّما، هذا عائد إلى الخوف من غزو حصونه كي لا يطول ذلك الكتب المقدّسة الصادرة عن الله مباشرة. وإذا حاولنا إسقاط هذه الهالةِ القدسية عن الكاتب، بسحب لقب المؤلّف أو المبدع منه – (لأن الإبداع يعني الإتيان بما لا مثيل له او بما هو غير مسبوق) -، معيدين الاعتبار إلى النصّ والقارئ، فإنّ هذا لن يؤدي إلى انتقاص من قيمته، لأنه سيتقاسم القيمة والعنصرين الآخرين، وسيكون له الاعتبار كمتلقٍّ أساسيٍّ شكّل نصّه لوحة من فسيفساء قراءاته واطلاعاته، سواء عبر غَرفِه من مَعين الوجود والمحيط الذي لا ينضب، أم عبر نهله من نصوص إبداعية وتاريخيّة واجتماعيّة سابقة، كمسلك من مسالك الكتابة، وبهذا يكون الكاتب شهيدًا مرّة، ينقل ما وقعت عليه حواسّه، وشاهدًا مرّات أخرى، ينقل المنقول والمتوافر لديه من خلال قراءاته مؤلّفاتِ غيره. وبهذا يمكننا القول: إنّ التلقي ليس حكرًا على القارئ، بل يشاركه الكاتب في ذلك، كما يشارك القارئُ الكاتبَ في كتابة نصّه عبر تلقّيه وكشف ما في داخله. وهذا يؤكّد أنّ فكرة التلقّي،لا يمكن أن تكون وقفًا على القارئ (المتلقّي) فقط، وإنما هي فكرة جوهرية نجدها عند الكاتب، باعتباره يمارس عملية التلقي من خلال قراءاته الموضوعاتِ الفلسفيةَ والأدبيّة والفنيّة والتاريخيّة وغيرها.. ثمّ يقوم بتوظيف هذه الموضوعات التي مرّت عن طريق القراءة في الكتابـة الإبداعية، وهذا يؤكّد وجود هذه العملية قبل الإبداع. وبهذا لا نقصد ما عرف بنظرية موت المؤلّف، إنما الهدف إعادة إحيائه عبر منحه حجمه المناسب، وإلباسه ثوبًا ملائمًا وليس فضفاضًا. فالمؤلّف لم يمت، لأنّ لا وجود له في الأصل، كمبدع نحسب موضوعاته بكرًا لم يتطرق اليها أحد (الله بديع السماوات والأرض، لأنه جاء بما لا مثيل له من قبل)، إنّما خلقه الناقد بهذه الصفة وأحاطه بهذه الهالة، ثمّ تفلّت من يديه، لا بل تحكّم به وفرض عليه أحكامًا تزيد من تعظيمه وتأليهه، وكأن هذا ميل إلى تحويل أوضاع من خلقنا إلى أوضاع طبيعية. إنّها عادة عريقة في التاريخ. إننا نخلق أوّلا وضعًا معيّنًا بسبب أوضاع وتحدّيات معيّنة، ثم نصفه بأنّه وضعٌ طبيعيّ، فننظر إليه وكأنه جزء من النظام الطبيعي ذاته. وهكذا فالكاتب وشبح المتلقي يتواكبان منذ انطلاقة الكتابة، إذ يشكّل القارئ أو المتلقي الثاني للنصّ، شريكًا فعّالاً هو الآخر، خصوصًا عندما يكون الكاتب ذا معرفة بقيمة التلقي التي تحلّى بها قبل غيره، فيترك لقرّائه هوامش من الفراغات والبياضات للعمل على ملئها عبر القراءات والتأويل المتعاقبة بتعاقب القرّاء ومراحل القراءات، ما يجعل كلّ قراءة للنصّ نفسه، إعادة خلق أو ميلادًا جديدًا له.

    نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-09-06 على الصفحة رقم 10 – ثقافة

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *