الإثنين 21 أغسطس, 2017

    انتصار

    انتصار

    د. خديجة شهاب*

    K.sh-1

        لم أكن أحتاج لأن أبذل المزيد من الجهد ، كي أخبرها أنّني وصلت للتو إلى القرية، فما إن سمعت توقف هدير محرك السيارة، حتى وجدتها تقف أمامي وتسألني:

    ـ متى وصلت؟

    ـ كما ترين الآن، فأنا لم أدخل إلى المنزل بعد. تعالي ادخلي لنتحدث قليلاً.

    ـ وبحركة لا إرادية منها، تعلقت برقبتي، وراحت تقبّلني كمن يقبّل عزيزًا غائبًا. فوجئت بتصرفها, فهي لم تبح لي يومًا بمكنون ذاتها، ولم أشعر أن علاقتنا قد وصلت إلى هذا المستوى، على الرغم من فارق العمر بيننا. بادلتها العناق، فافتر ثغرها عن ابتسامة تكاد تحكي حكايا العمر.

    ـ أراك وحيدة أين توأمك؟

    ـ إنّها تساعد والدتي في أعمال المنزل. 

    ـ وأنت لمَ لا تفعلين مثلها؟

    ـ لأني لا أحب الأعمال المنزلية.

    كما ترين الجو لطيف، نسمات الربيع عليلة ، تمنحك حياة جديدة مملوءة بالأمل والحب، وخيوط الشمس الناعمة، تدفعك للانعتاق من قيود البرودة والصقيع، وإلى الركض خلف الفراشات والأزهار.

    ـ الحق معك، أنا احب ربيع القرية كثيرًا، فهو يملؤك حيوية وحياة.

    ـ هل ترغبين في الحصول على شئ من أعشاب الأرض، فالهندبة البرية ( العِلتْ)، وقُرِص العنّة، والدردارة، والحمَّيْض يكثر وجودها في هذا الفصل.

    هي لذيذة ومفيدة، لأنها بعيدة عن المبيدات، وكلّها فوائد.

    كم ستبقين هنا؟

    ـ ليس كثيرًا فالعطلة قصيرة، ليس أكثر من يومين على أبعد تقدير.

    ـ حسنًا ، نلتقي إذًا.

    غابت عن ناظريّ، ولا أعرف وجهتها. تعلقْتُ بعفويتها وطيبتها، فهي لم تتجاوز الخامسة عشر من عمرها، بيضاء، تتصرف كالصِبية، ترتدي ملابسهم، تطارد الطيور، تسرح مع الأغنام في الحقول والبراري، وتسابق الفراش إلى رائحة الزهر.

     كنت أجلس عند سطح البئر حين وضعتْ بين يدي كومة من الهندبة البرية ( العلت)، وقالت: أحضرْتُ لك ما تحبين.

    ـ ولكن متى فعلت ذلك؟ كم أنت نشيطة؟

    شكرا جزيلاً لك، فأنا لم أشأ أن أتعبك .

    ـ لا عليك، الأمر في غاية البساطة.

    طبعت قبلة على خدي، وغادرت.

    شئ ما تململ بداخلي جراء تصرفاتها، هل تحبني بهذا القدر، ولم تستطع قبلاً أن تعبّر عن مشاعرها؟ لا أعرف. أفكار كثيرة راحت تدور في مخيلتي، لم أستفق منها إلا على طلقتي رصاص صدرتا قريباً من بيتي. ترى ما الذي حدث؟!

    ومن دون أن أدري هرولت مسرعة لأرى ما يجري، فلم أشعر إلا بيد والدي تمسكني، وتمنعني من متابعة المسير.

    – ولكن.. أبي.. أريد أن أعرف سبب هذا الرصاص.!!

    – ليس ضروريًا ، فقد تكونين ضحية أخرى.

    لم يطل بي الانتظار، حتى رأيت شابًا في مقتبل العمر، أعرفه جيدًا، إنه شقيق انتصار، يرمي بندقية صيد إلى البستان، ويقفز فوق السور هاربًا، وأحد الجيران يحمل انتصار، وقد تدلى رأسها بين كتفيها، وغطت الدماء وجهها، بعد أن أصابته الرصاصتان.. وجعلتها تغادر الحياة.

    وضعها في المقعد الخلفي لسيارته، لينقلها إلى المستشفى، وقبل أن يجلس خلف المقود، كانت والدتها قد أخذت الجثة عنوة، وقالت: لا نريد فضائح.

    دارت الصور في رأسي كمغزل الصوف، لتلف كل المشهد الذي جرى بيني وبينها هذا الصباح.. يا إلهي!! هل كانت تعلم انتصار أنها ستفارق الحياة حتى بادرتني بما فعلت اليوم.؟؟

    غادرت انتصار بهدوء، لم تترك خلفها إلاّ الصمت، ولم أدرك سرَّ الرصاصتين. ولكن مع غروب ذلك النهار، عادت نسائم الربيع توشوش بالف خبر وخبر.

       انتصار تذهب إلى الوديان في كل يوم لتكون صلة الوصل بين المقاومين المرابطين في المغاور والكهوف، وبين إخوانهم المرابطين في القرية، إنّها منسقة التواصل، ونقل المعلومات. أخوها عميل لقوات الاحتلال الإسرائيلي، وهو مزود ببندقية، وبمنظار للمراقبة والتجسس.

    وقد عرف سرّ انتصار، وأنها تعمل على خط مغاير تمامًا لخطّه، وقد تعيق عمله وتحركاته، لهذا قرر التخلص منها في أقرب فرصة.

    الأم تحاملت على وجعها المضاعف، وحزنها المتراكم، وصمتت إلى الأبد، ودفنت الحقيقة مع ابنتها وهرب ابنها إلى الخارج.

     ولا تزال انتصار تزوروني في أحلامي الليلية، وفي يقظتي، وتخبرني أنّها سعيدة وليست نادمة، والحياة خُلقت لأمثالها.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    * أستاذة في الجامغة اللبنانية ـ الفرع الخامس.

    إصداراتها:

    * زهرة الحر: شاعرة من جبل عامل.

    * حقوق الإنسان في روايات عبد الرجمن منيف.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *