الإثنين 21 أغسطس, 2017

    أمل الأرض

    أمل الأرض

    د. دريّة كمال فرحــات

    drryah-1

    كانت الدّموع تنهمر من وجهه، وكأنّه ينزف دمّاً من جرح غائر، وكلّما انهمرت دمعة ، ظنّ أن دموعه قد جفّت، لكنّها ما تزال تنهمر وتشقّ مجرىً كمجرى نهر في خدّه، فيحاول أن يمسح دموعه ويقول لنفسه : أيعقل أن تبكي… إنّ الرّجل لا يبكي … الرّجل لايبكي … هذا ما تعلّمه في صغره … وأخذ يضحك بمرارة … فمن في حالته لايملك إلا الدّموع، فهل يستطيع رجل في حاله أن يفعل شيئاً، خصوصاً في سنه هذه، وقد خاط الشّيب لحيته.

    وجال بصره في تلك المسافات الشاسعة … يبحث عن شيء… يبحث عمّا ينشله من الهوة العميقة التي تعثّر في جنباتها يوماً بعد يوم .

    وأفاق على صوت زوجه وهي تناديه ليأخذ كوب الشّاي، فحنت منه نظرة لزوجه التي عاشت معه كلّ هذه السّنين التي قضاها في حلوها ومرّها… فرأى على وجهها غبار الزّمن، وقد علق وأبى أن يرحل .

    وبدأت تحادثه ، وتقول : أما زلت تبحث عن مجهول لينقذنا مما نحن فيه ياسيدي …أنت تبحث في السراب ، فما حصل قد حصل… والأرض الفتية قد بارت ، ولم تعد تصلح للزراعة … أنسيت فقد أصابها ما لم يصب أرضاً أخرى … قد شربت من دماء أبنائها الكثير ودكّ فيها من الحديد ما يجعل كلّ ما في أحشائها يظهر على السّطح، وما في أعلاها يندثر تحتها. جمالها وخضرتها لم تُعجب أحداً ممن حولها، فأخذوا يحيكون لها المكائد كمن يُحيك شبكة معقدة الجوانب.

    وأخذ صوت العجوز يعلو، وهي تقول : لقد وضعوا السّوس في أعمدتها، وجعلوه ينهار واحداً تلو الآخر … وزرعوا الحقد بين رملاتها … ولّدوا الحقد بين مائها … جلبوا الجراد الذي قضى على خضرتها… نشروا النّمل في جنباتها … وبعد هذا تريد لها البقاء … تريد لها العيش… كيف تعيش والرّملة تكره أختها الرّملة … كيف ؟؟!! …. كيف ؟؟!! …. كيف ؟؟!! …. ومازال صوت العجوز يعلو … وتزداد نبرات الغضب والأسى في صوتها … ودموعها تنهمر وتختلط مع الكحل الذي سال على خدّها .

    ومع هذا لم يكن يصغي إلى حديث زوجه فقد انشغلت عيناه بشيء بعيد، ينير له الطريق، فأخذ يركض وهو الرّجل الذي لم تكن لديه القدرة ليمشي من غير عكازه . وكان يصرخ أمل الأرض … أمل الأرض .

    وكان مع كلّ خطوة يخطوها … تخطو معه السّنوات، ومع هذا فهو لم يشعر بالكلل ولا التّعب، لأنّ عينيه كانتا لا تحيدان عن نبتة خضراء يانعة تحاول أن تنبت على وجه الأرض في تلك البقعة البعيدة من الأرض الشاسعة .

    مقالات ذات صله

    1 تعليقات

    1. عبير سليمان

      جميلة هي المقاربة بين سوس الحياة البائسة والظالمة تنخر في قلوبنا وتزرع الكراهية والجفاء والحقد وتولد الحروب والدمار بسوس الارض الذي يفني كل الأخضر ويطرح العامر من الاشجار ارضا .. لكن التضحية والعطاء يرويان الأمل … ورائع هو الاصرار على وجود الامل رغم كل الرداءة والصعاب … تحياتي وتقديري د درية فرحات

      الرد

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *