السبت 21 يوليو, 2018

    محمد علي شمس الدين.. ضفاف متعددة

    11
    views

    محمد علي شمس الدين.. ضفاف متعددة

    علي نسر

    ali-1

    wajih-fanous-1chmsيلتقي في كتاب «تحيّة إلى محمّد علي شمس الدين» الصادر عن «اتّحاد الكتّاب اللبنانيين»، عددٌ من الباحثين والنّقاد والشعراء، ليغرزوا أقلامهم النقدية، في جسد القصيدة، محاولين تشريحها بأسلوب علميّ مرّة، وعبر انطباع ذي نفحة من المحبّة الخالصة مرّة أخرى.

    بعد مقدّمة يتكفّل بها الأمين العام للاتحاد، الدكتور وجيه فانوس، نجدنا أمام عناوين عريضة، جعلت الكتاب/التحية موزّعًا على أقسام: (دراسات، شهادات من الروّاد، مختارات شعرية، ملخّص سيرة). وقد تناول ثلاثة عشر باحثًا وشاعرًا، موضوعاتٍ عديدة، غالبًا ما تقاطعت حول قواسم مشتركة، يبدو أنّ الشاعر وفّرها لهم عبر مشواره الابداعي الطويل، فقدّموا للمتلقي صورة مصغّرة عن بعض ما يحبّ معرفته عن الشاعر. ممّا توصّل اليه الباحثون، أنّ قصائد الشاعر، تشير إلى ما يحمله صاحبها من حيرة أسهمت عوامل كثيرة في خلقها، ما يجعله عرفانيًّا نجم عرفانه عن مأزق العقل العلمي الحديث، فسعى إلى معرفة الله عبر الانسان، لأنّ الانسانية هي الغاية الأساسية. فلم يقف شاهدًا لا تعني له الحياة، بل نراه يحمل رسالة ذات رؤية للخلاص عمادها تعرية الحقائق المزيّفة، فيكتب الشعر ليخترق العالم المألوف بتجليات تخترق السائد، مترفعًا نحو الفضاء ليتبوّأ المكان الأسمى، مشذّبًا التاريخ عبر قطع صفحاته الزائدة. هذا ما يجعله بعيدًا من مجرّد شاعر يقدّم للجمهور ما يعرفه، بل غالبًا ما عمل على إقامة لحمة وصلة ترابط بينه وبين المتلقي، وكأنّ شبح القارئ يرافقه منذ انطلاقة السطور الأولى من القصيدة. وهذا يؤكّد أنّ الشاعر لا يجعل حقيقته المتوخّاة أو مقاصده مطلقة ونهائية، بل سرعان ما يعكّر هذه الحقائقَ غبارُ الوجود ويجعل مراياها في حالة تشويش يتوقّف انقشاعه على قارئ لطالما اعترف الشاعر بوجوده، مكرّسًا فكرة شراكة المتلقي في الكتابة وإعادة إحياء الموات على يديه، إذ تشكّل القراءات الفاعلة ميلادًا جديدًا للنصّ في كلّ مرّة تعاد فيها القراءة. وهذا ما يتميّز به صاحب التحيّة في هذا الكتاب، الذي يتعامل مع الواقع بالاعتراف به وبما فيه من واقعيات لا يمكن تجاوزها. فهو لم يأتِ بقوانين تترفّع عن المحيط، بل يعمل على محاكاة القوانين عبر تطويرها وجعلها تنسجم مع حركة الحياة، بعد القيام بكسر رتابة نمطية المسيرة الحياتية. فلا يقول الواقع بقدر ما يقدّم ما يجب أن يقال، ولا يعمل على توضيح الواضحات، بل ينطلق من الكائن ليقدّم ما يجب أن يكون. كل هذا يجعل من قصائده وعاء ينأى عن الخطابية المباشرة، بل يجعلها منبرًا لصوت الفلسفة، والحكائية الفنيّة، التي برع الشاعر في توظيفها مقاربًا بين الواقع والمعنى مجازيًّا، متجنّبًا اغتنام فرص الأحداث الجسام كمقوّم أساسيّ من مقوّمات الانفعال الشعري الذي أدّى إلى سقوط العديد من الشعراء في حفرة معتمة.

    يؤكّد الباحثون أيضا، أنّ شمس الدين، ذو ترابط عضوي بالتراث العربي والديني، شعرًا وفلسفة وتصوّفًا… وفي الوقت عينه، نراه ذا اطلاع على الثقافات الأخرى، متفاعلا مع معاصريه.. وهذا ما يؤكّده الشاعر نفسه، حين يتبنّى تقمّص الشعراء السابقين، كأسلاف وأصدقاء، فيتقنّع بوجوههم دون الذوبان الكلّي، فلا يكون (هم) بل يكون هو نفسه. فإذا كان أعلى الممالك يبنى على الأسل لدى المتنبّي، نرى (شمس الدين) يعدّل الصورة والرؤية نظرًا إلى تغيّر عوامل ولادتها، فيسعى إلى السلام متجاوزًا مثاله في الشعر، إذ يرى أن أعلى الممالك ما يُشاد على الزهور. لم يأتِ الشاعر بموضوعات غريبة، إنما انطلق من المتداول، وكأنّ الموضوعات أطباق طعام ضمن وليمة يشترك فيها العشرات، وكلها مباحة للجميع، وما يصبح فرديًّا منها هو ما تلتقطه الأصابع، فيتفرّد به صاحبه عبر سفرة قصيرة بين الاصابع والتقاط اللسان له.

    كلّ هذا، جاء بأسلوب بعيد من السطحية، وفي الوقت عينه يتجنب الغموض ذا الألغاز، وهذا يؤكّده شعار أدونيس حين يقول: «إنّ الشعر هو نقيض الوضوح الذي يجعل من القصيدة سطحًا بلا عمق. والشعر كذلك نقيض الابهام الذي يجعل من القصيدة كهفًا مغلقًا». وما يتميّز به الشاعر، أنّه صاحب القصيدة الطويلة، والقصيدة الموجزة التي لا تتجاوز كلمات قليلة، كقوله: «يتقاتلون على ابتكار طريقة للموت/تختصر الحياة»… فقد لخّص ما يمكن أن تقدّمه التقارير عبر صفحات عدة. أو حين يقول: «أخاف أن يكون قاتلي بداخلي».

    وفي هذا، يكون ممن قبض على معنى المعنى، وعمّق وعيه بالموروث وبكل ما هو جديد.

    نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-08-31 على الصفحة رقم 12 – ثقافة

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *