الثلاثاء 10 أكتوبر, 2017

    الإسلام والجرح النرجسي الخامس

    الإسلام والجرح النرجسي الخامس

    د . علي نسر

    ali-1حين تكلّم فرويد عن الجرح النرجسي الكوني في مقالته الشهيرة «صعوبة أمام التحليل النفسي» العام 1917، لم يتجاوز حكمه العالم الغربي، ذلك العالم الذي ينتمي إليه الكاتب نفسه. فالجرح الذي تطرّق إليه، أصاب عزّة النفس لدى المجتمع البشري، والتي كادت أن تتصدّع. لكنّ طبيعة هذا الجرح، القائمة على الصدمة العلمية، شكّلت حافزًا شبيهًا بردّ الفعل لدى الإنسان الغربي، حيث استوعب الصدمة فتجاوزها توسّعًا وإنجازات على مختلف الصعد.

    هذا الجرح المتشعّب، يعود إلى اكتشافات علميّة عدة، أوّلها ما أحدثته «ثورة كوبرنيكوس» كسمولوجيًّا، حين صدمت الوعي البشري بسلخ صفة المركزية عن الأرض وجاذبيتها، مؤكّدة أنّ الأرض هي التي تدور حول الشمس، فكانت حقيقة مؤلمة لا بدّ منها. أمّا ثاني هذه الاكتشافات، فيعود إلى ما أحدثته نظرية داروين بيولوجيًّا، حين نزعت صفة الإله عن الإنسان، مؤكّدة أنّ الأصل الإنساني يعود إلى الحيوان. ويعود الجرح الثالث إلى فرويد نفسه حين أوجد معادلة اللاوعي، بصفته المحرّك الأساس لتصرّفات الإنسان بعدما كان الوعي هو الحقيقة المطلقة لديه. يزيد جورج طرابيشي على الجراح «الكونية» المذكورة جرحًا يرتبط بالعالم العربي أنثروبولوجيًّا، حين وقف العرب أمام حقيقة شبه مأساوية، مثقلين بالسّؤال الصعب الذي أحدث هزّة تراجيديّة ما زالت تداعياتها إلى اليوم، وهو: لماذا تقدّم الغرب وتراجع العالم العربي؟ فالشعوب الأخرى التي لم تتقدّم كما تقدّم الغرب، لم يكن جرحها بليغًا، لأن سؤالها اقتصر على الصيغة الآتية: لماذا تقدّم الغرب ولم نتقدّم نحن؟ لكن العربيّ، وعبر اكتشاف حقيقته بمرآة غربيّة، كان سؤاله أكثر عمقًا في القلب والرّوح والعقل. كلّ هذا، يدفعنا إلى سؤال أكثر إيلامًا وإحراجًا يتطلّبه المشهد السوداوي اليوم، وهو: هل يتعرّض الاسلام لجرح نرجسيّ خامس في هذه الصورة الضبابيّة؟

    نعم، لقد تصدّعت حصون الإسلام، ولم يعد المسلمون بمختلف مستوياتهم وانتماءاتهم وفرقهم قادرين على حماية الإسلام نفسه من النقد والمطالبة بإعادة مراجعته. هذه المطالبة التي لم يكن في الإمكان طرحها سابقًا، وإن طُرحت تحبط في أرضها عبر الجواب الذي يفرّق بين الإسلام والمسلمين، فيتحمّل ممارسو التجربة مسؤولية الإخفاقات ويبقى جوهر التجربة بمنأى عن النقاشات، متنزّهًا كنظرية قدسية تترفّع عن واقع التطبيق والممارسة.

    لكن انقلبت المعادلة اليوم، وأصبح الإسلام كعقيدة عرضة للنقد، وكأنّ الأزمة والمشهد الهمجي شكّلا ضربة قاسية لما كانت تتغلّف به النظرية الإسلامية. وأكثر ما تتجلّى هذه الصورة، وما ستخلّفه من جرح نرجسي لعزّة النفس الإسلامية، أنّ درء خطر النقد لم يعُد متوافرًا، والمطالبة بإعادة القراءة للجوهر الإسلامي لم تعد مرفوضة أو باستطاعتنا رفضها، حتى لو جاءت على لسان مفكّرين غير إسلاميين أحيانًا. فلم يعد شعار «الإسلام هو الحلّ» قابلاً للطّرح بعدما فشل المسلمون بإقامة مجتمعات إسلامية تتقبّل أحكامه القانونية والشرعية.

    لقد انكسرت الهالة القدسية التي كانت تحيط بالدين، إسلامًا ومسلمين، تلك الهالة التي لم يكن باستطاعة التيارات الفكريّة والسياسية التي اجتاحت المنطقة أن تتجاوزها وتتخطّاها برغم تعارضها معها من حيث التجربة والتطبيق. فبرغم تبنّي الحركات القومية أحكام الاشتراكية الغربيّة، إلا أنّ هذه التيارات الفكرية رفضت التعامل مع الدين الإسلامي كما تعامل الاشتراكيون مع الجانب الروحاني في الغرب، مسوّغين ذلك، وعبر أبرز دعاتهم (ميشيل عفلق مثالاً)، بأنّ الروحانية في مجتمعاتنا هي الأمل المتبقّي والمحرّك الأساس لأي حركة نهضوية قومية.

    لكنّ النظرة إلى الدين اليوم تغيّرت، وأصبح الإسلام وما يحمله من تشوّهات، شبيهًا بالروحانية الغربية التي برّر المادّيون التمرّد عليها في اشتراكيتهم. فكل قضية منطقية أو لامنطقية، هي حلقة في سلسلة لا تصحّ إلا بمقدمات أنتجتها واستنتاجات خرجت من رحمها. هذا بالاضافة إلى ما يحدثه التطرّق إلى النص الديني والأحاديث من هزّة، إذ أصبح تفكيك النصّ وتشريحه بمشرط النقد مشروعًا، للإقدام على التغيير والتعديل. كلّ هذا يعود إلى ما اقترفه مطبّقو التجربة عبر قرون، حين أسقطوا المثالية عن الدين عبر إقحامه في الأمور السياسية، وحاولوا تطويع الزمان والأمكنة لصالح الطرح الديني القديم بدلاً من إعادة تكييف الدين مع معطيات الحياة المتجدّدة باستمرار. فوقع المسلمون في الفخ نفسه الذي وقع فيه الماركسيون والقوميون حين تشبّثوا بشعارات استحالت آيات سرمدية، برغم انتفاء عوامل ولادتها. وفي هذا استخدم أصحاب المثلّث الفكريّ (الإسلامي والماركسي والقومي) السلاح والمنهج الأيديولوجيين، في ظروف لا تستوعب المنهج المتّبع، وهذا ما تطرق إليه جورج لوكاتش حين أشار إلى سبب إخفاق المدّ الماركسي، عبر تمييزه بين المادية التاريخية كأداة للثورة أو كسلاح أيديولوجي، وبينها كمنهج للبحث. فهي كسلاح يمكن استخدامها في أي وقت ومن دون الالتفات الى الظروف، لكنّها كمنهج يجب أن تتوافر عوامل شبيهة بعوامل ولادتها لتكون منسجمة مع الواقع والحياة. وهذا يتطلّب دراسة ظروف نزول العديد من السور القرآنية ومقارنتها بالواقع الحالي.

    نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-08-05 على الصفحة رقم 13 – قضايا وآراء

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *