الثلاثاء 10 أكتوبر, 2017

    صيّاد العشق

    صيّاد العشق

    آمال  الراغب

    ap

    ومن خلفِ الجبلِ بانت خمرةٌ خلّابة، كأن خدود الشمس خجلة من ظهورها في يوم ربيعي عذب، العصافير تغرّد لتعلن بدء يوم جديد مليء بالأمل، هو أحد أيام الربيع الجميل الذي يحمل في ثناياه عطر الزهور، ونسائمه العليلة تشعل في الروح دفئا يعيد الحياة في كل مَيتْ.

    استفاق الصيّاد من نومه وكله حماسة لصيد وفير، أعدّ طُعم السمك، حمل صنارته وسلته وذهب مشيا على الاقدام إلى البحر الذي اعتاد أن يصطاد فيه.

    اقترب من مركبه الخشبي الصغير المركون بالقرب من الشاطئ الذي يخلو تماما من البشر وكأنما هجره الناس جميعا، أمسك بمجذافيّه وجذف بكل قوته وهو يغني ويستنشق رائحة البحر التي تعيد له ذكريات جميلة كان يخبّئها في أعماقه.

    التقط صنارته وعلق على طرفها الطعم ورماها في البحر حيث السكون يعم المكان إلّا من هدير خفيف يأتي بين الفينة والأخرى، صمت ليستمع إلى هذا الهدير وسرح في خياله معه واذا به يسمع صوتا يأتي من بعيد كما لو كان من عمق البحر، وكلمّا ركز اكثر كان الصوت يقترب.

    – أيا حبيبة، قد أضناني البعد شوقا وجعل مني شيخا، ألا ترين؟ بالله عليك ألا تشعرين؟ لقد سكنت الاحزان شواطئي حتى هرب الناس مني، انظري إلى أسماكي كلها تبتعد عني، حدقي في أعماقي قد لوّنتها بلون عينيكِ، قد طال الانتظار حتى هوت جميع آمالي وسكنت في القلب غصة ما شعرتها في حياتي.

    أكمل الصيّاد استراقه للسمع لربما يحصل على المزيد من مناجاة البحر ولكن الحيرة امتلكته كي يعرف من هي محبوبته التي جعلته على هذه الحال، ولكن لم يأتِ أي رد من أي أحد، وكأنما هو صوت شبح يحدّث نفسه.

    فجأة عقدت السماء حاجبيّها وتلبدت الغيوم السوداء فيها معلنة عن هبوب عاصفة لا تبشر بالخير، واشتدت الرياح تخبّط في المركب الصغير، فعلَا هدير البحر وعلت أمواجه حتى صارت العودة إلى الشاطئ صعبة.

    خاف الصيّاد وبدأ يصيح: “يا أيها البحر، ما حل بك، الم تكن هادئًا وتخاطب من تحب فكيف غضبت هكذا؟”

    ولم يصدق الصيّاد نفسه عندما سمع البحر يرد عليه قائلا: “إذن كنت تسمعني، ما عاد يهمني، ألا ترى كيف غضبت محبوبتي من مناجاتي، الم تر كيف حزنت عليّ وتغرغرت عيناها بالدموع لتعلن بدء المطر؟

     فصرخ الصياد مصدوما: ” لا تقل لي أنك عاشق للسماء!”

    علت موجة كادت تودي بحياة الصيّاد من غضب البحر الذي هاج فجأة وجن جنونه، وهو يهدر بقوة ويقول: “وما بها السماء حتى لا أحبها وهي منذ دهر أمام عينيّ، أنظر إلى رونقها وجمالها كيف أستطيع مقاومتهما؟ حاولت جاهدا الوصول إليها ولكن لا أحصل إلّا على دموع تذرفها عليّ فتسقط كل نقطة منها كنارٍ تشعل قلبي ويتأجج الحب أكثر في وجداني. ليتني أتبخر كليّا لأصعد إليها وتلتقي مياهي بغيومها”.

    علم الصيّاد أن البحر أصابه الجنون وإذا أكمل الحديث هكذا سيكون مصيره الغرق، فكر قليلا ثم أجابه: “اهدأ قليلا أيها البحر ودعني أخبرك أمرا ولكن دعني أصل الشط أولا”

    وصل الصياد إلى الشاطئ وهو يلهث من التعب والخوف ثم قال: ” أنت المخطئ أيها البحر كيف تحب السماء ألا تعلم أنه من المستحيل أن تلتقيا؟ وغير ذلك ألا تعلم أنك لست البحر الوحيد على هذه الأرض؟ وأنها حين تمطر، تمطرعليك وعلى باقي البحار فربما لا تكون حزينة عليك بل مستاءة مما تسمعه منك أو من بحر آخر عاشق لها كما هي حالك”.

    استاء البحر أكثر من كلام الصياد فارتفعت امواجه حتى حطمت القارب وبدأ غضب السماء يتشارك مع غضب البحر إلى أن هبّت عاصفة لتخلع معها كل شيء من مكانه، هي عاصفة عشق سببتها استحالة اللقاء.

     

     

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *