السبت 24 يونيو, 2017

    الإلحاد بين الظاهرة والتغييب

    الإلحاد بين الظاهرة والتغييب

    من القراءات التي نحتاجها في هذا الزمن الذي طغت فيه الاختصارات العبثية على كثير من الموضوعات الهامة في مجال المعرفة الثقافية والتاريخية ـ كون المعرفة التاريخية جزء هام من المعرفة الثقافية ـ، حيث الانصراف الكلي إلى البعد عن الكتاب وكل وسيلة أو منبر ورقي بخاصة، ناهيك عن التشويه الذي طال العديد من الحقائق التاريخية الثابتة بشواهد عينية قائمة في كثير من اليلدان، إلا أن التنزوير لهذه الحقائق لم يألوا جهدا بأن حرّف الكثير من هذه الحقائق لأكثر من وسيلة حتى لو اقتضى الأمر بدثر المعالم العينية.

    من هنا كان اخنيارنا لهذه الدراسة التي قدمها السيد محمد رضا السلمان التي تجمع في حقائقها تاريخية: إجتماعية (Social Geography) وثقافية (Cultural  Geography). آميلن من السادة الباحثين والدارسين، ممن يعتنون بمثل هذه الموضوعات في بقية الأقطار والمناطق العربية، أن يزودنا بمثل هذه الدراسات لأهمية وضعها بين يدي المتلقين.

    الإلحاد بين الظاهرة والتغييب

    السيد محمد رضا السلمان

    p-1تاريخ التدين في الأحساء:

    قبل الدخول في هذا الموضوع لا بد من مسح تاريخي لما كانت عليه الحالة في هذه الديار.

    فقد كان في الأحساء قبل الإسلام مختلف الديانات والمذاهب، إذ كانت فيها اليهودية والمسيحية والمجوسية، إلا أن كتب التاريخ لا تتناول المدارس الوثنية التي ربما يكون لها موطئ قدم هنا في يوم ما، لكن شاهد الحال يبيِّن أن هذا الأمر لو كان يشغل حيزاً هاماً لما أُهمل بهذه الطريقة من قبل المؤرخين والباحثين.

    ومن خلال تتبع سريع لما كُتب في أمهات الدراسات الغربية قبل المستشرقين وبعدهم، لا نجد ما يؤكد أن للوثبية دوراً بارزاً، ناهيك أن تكون سيدة الموقف. أما اليهود والنصارى فكانوا في هذه البلاد، وكذلك أتباع ما يمكن أن توصف بالديانة، وهي المجوسية التي لم تنته مدارس البحث والتحقيق إلى كشف الغطاء عن حقيقة ما هي عليه، فهل هي ديانة سماوية؟ أو أنها لا ترقى لهذا المستوى؟

    وفي الكتب الفقهية للعلماء، لا سيما علماء الإمامية، بحوث مطوّلة وفتاوى كثيرة، قسم منها يذهب إلى أن هؤلاء أصحاب دين، فيدرجونهم في أحكام أهل الكتاب، ومنهم من يتوقف في ذلك فيفرد لهم فصلاً، ويجعل لهم أحكاماً مستقلة فيما يخصهم، ومنهم من يذهب باتجاه آخر يختلف عن سابقيه.

    أما الأحساء المسلمة، وحاضنة السلم الأهلي، فالحال فيها يختلف عما قبله، فهذه المنطقة الممتدة من جنوب البصرة إلى آخر نقطة في عُمان وحضرموت من أرض اليمن، دخلت في الإسلام طوعاً، فلم تجرد سيفاً في وجه هذا الدين. وربما كان عدم التواصل مع الطرف القصيّ من الخليج أحدث حالة من الفجوة في الوقوف على حقائق الأمور، حتى تخيل البعض أن ثمة فصلاً واضحاً وبيناً بين رأس الخليج ـ أي البصرة وما دونها ـ ومدخل الخليج، أي عُمان وما فوقها.

    ويعزى ذلك لإرادة القوى التي تسللت إلى المنطقة وفرضت نفوذها، فبقدر ما كانت تطمح لوضع اليد وتسيير الأمور، بقدر ما كانت تعمل على عدم الاندماج والاندكاك بين مدخل الخليج ورأسه، كمناطق تشكل عقداً واحداً.

    والأحساء تمثلها قبيلة عبد القيس، القبيلة العربية الشهيرة المحترمة، الميالة للحس المدني، حيث الواحة الغنّاء المطّردة الأنهار. ومما لا شك فيه أن العوامل الطبيعة لها انعكاسها الإيجابي على الإنسان في عوالمه المختلفة، كعالم الأدب والفن، بل حتى في حالات الصراع، فابن الواحة يختلف في خصومته عن ابن الصحراء القاحلة، لأن نفسه تهش وتبش وتأخذ مساحة من الانبساط، وتترك مجالاً للفرد أن يحلّق في العوالم من حوله. وهذا امتياز واضح لهذه المنطقة.

    قبول الأحساء الإسلام:

    عندما نقارن من جهة الدخول في الإسلام مع بقية البقاع والمناطق، نجد أن تلك الحالة ترسمها مجموعة من الظروف والعوامل التي ساقت أتباع تلك المناطق إلى الإسلام في الكثير من الأحايين، ومنها خشية السيف، وهذه حقيقة لا يمكن أن تُنكر، على العكس تماماً مما كان عليه الحال في بلاد الأحساء الممتدة لهذه المسافة الطويلة. فهؤلاء دخلوا الإسلام عن قراءة ووعي وتقبُّل، قراءة حالية وقراءة استشراف للمستقبل، وربما شاركهم البعض في الخصلة الأولى، لكنه تنكّر للواقع، وأبى إلا أن يدخل الإسلام من النفق الصعب، كما حصل لأهل مكة واليمامة، إلا أن الأحساء على العكس تماماً، إذ انفردت بالتسليم بهذا المشهد المطلق. بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث قرأ أهلها في النصوص الأولى التي وصلت إليهم أن لهذا الدين السيادة والريادة المستقبلية، لا لأنه يشهر السيف إنما لأنه يقدم القلم عليه، فأول آية طرقت مسامع القيسيين هي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾([3])، فكم تطرب النفس للعلم والمعرفة والسبح في مجالاتها، يساعدهم على ذلك رصيدهم الكبير من الموروث الديني اليهودي والمسيحي قبل التحريف، وكذلك المجوسي ـ على فرض أنه ديانة ـ بما كان يحمله من سماحة وحكمة، فقد أطلقت المجوسية العنان للحكمة والفلسفة فبلغت مسافات بعيدة. وبقراءة بسيطة نجد أن هذه الديانة قياساً إلى بقية الديانات كانت تبني أسسها على هذا الاتجاه. من هنا رفض البعض كونها ديانة سماوية، بلحاظ أن الأسس التي بنيت عليها واضحة اللمسات البشرية، على خلاف ما عليه الحال في الديانات الأخرى.

    فالأحساء لم تتقبل الإسلام فحسب، إنما ذهبت به بعيداً، وليست لديّ الرغبة أن أذهب بعيداً مع هذا، ولكن من باب الإشارة أذكر أن الأحسائيين هم أول من سافر بالإسلام إلى جنوب شرق آسيا، وأطراف أفريقيا، والشواهد والنصوص على ذلك كثيرة، وليس عسيراً على أحد اليوم أن يتابع ويبحث ويقف على الحقائق والشواهد التاريخية، لكن الأهم هو تأسيس القواعد التي على أساسها نشيع فكرة السلم المدني. فمن غير المعقول أن تعمل عبد القيس قبل أربعة عشر قرناً من الزمن على التأصيل لهذا المفهوم، بينما نجد أنفسنا اليوم بعد هذا الزمن الطويل بمسيس الحاجة للتأصيل والتأسيس له. وهذه واحدة من الحسنات التي تحسب لأجدادنا وآبائنا الأوائل.

    القرامطة:

    بعد هذه المرحلة واستقرار الأمر جاء الدور القرمطي، وهذا الدور صاحبه حراك فكري كبير، وبظني أن الدولة القرمطية تعرضت للكثير من التشويه فيما لا يستوجب ذلك، وربما يكون ذلك بسبب «شنشنة أعرفها من أخزم» وإلا فإن تلك الدولة هي أول من أصّل لنظام توزيع الثروة بين الناس، وهذا يحسب لها على أنه مسار اقتصادي متقدم، فحتى الاشتراكية لم تستنطق ما هي عليه من مسار لتقسيم الثروة إلا بعد أكثر من تسعة قرون من الدولة القرمطية.

    لقد كان هنالك سلم مدني أُصِّل له في تلك الحقبة، وحراك فكري أنتج نمواً اقتصادياً مطّرداً، فهم أول من وزع المياه عبر القنوات وفق خطط مدروسة بأدق المعايير والموازين التي أصبحت فيما بعد هي الأساس لمن أتى بعدهم.

    والأمر الآخر بعد الحراك الفكريؤ كان الانفتاح البعيد على سائر الكيانات والمذاهب، فالدولة القرمطية كانت الدولة الوحيدة في جزيرة العرب التي استوعبت جميع المدارس، فكان لليهود في دولتهم مساحة من الحرية، ومارسوا جميع شعائرهم دون مطاردة أو مضايقة، وكذلك المسيحيون، وأصحاب التوجهات الفكرية المتمردة والخارجة على الثابت.

    الحقبة الإخبارية:

    ولا شك أن هذا اللون من الانفتاح كان مزعجاً للأطراف المنغلقة على نفسها، ومن هنا كانت المؤامرة على الدولة القرمطية والإجهاز عليها، فدخلت المنطقة في عالم الركود حتى بسط المد الإخباري نفوذه، وأمست السطوة بيد مدرسة الحديث عند الفريقين، المذهب الشيعي بجميع اتجاهاته، والمذهب السني بجميع تشقيقاته. ففي العهد القرمطي كانت الزيدية والإسماعيلية والإمامية حاضرة في تلك الدولة، لكن التجذر الواضح كان لأتباع المدرسة الإمامية بسبب العمق الفكري من جهة، ووجود الامتدادات في النجف الأشرف. على العكس من ذلك تماماً في المذاهب الشقيقة من الزيدية والإسماعيلية حيث أخذوا لهم مساحات في مواطن معلومة ومعروفة.

    أما أتباع المذاهب السنية الأربعة، الشافعي، المالكي، الحنفي، الحنبلي، فكان لهم أيضاً وجودهم وعطاؤهم على الصعيد العلمي والفكري والتنويري، وكانت الحالة من التمازج تقدم للبشرية لوحة فنية لو اجتمع عليها اليوم أرباب الفكر لما استطاعوا أن يبلغوا حاشيتها، ناهيك عن سطورها.

    أما الاتجاه الإخباري ـ أو ما يسمى بمدرسة الحديث عند العامة والخاصة ـ فقد أغلق الكثير من المنافذ وأحكم إغلاقها، بحيث أصبح الوضع في حالة من التمرد، منتقلاً من انفتاح كامل إلى انغلاق كامل. وباتت الأمور تجري خلف الكواليس والجدر والأبواب المغلقة. وهنا مكمن الخطر، إذ يصبح الخلل والخراب قريباً ممن يخافه ويخشاه. لذا تقتضي الحكمة أن يترك المرء المساحة الكافية للآخر أن يمارس دوره ليسهل عليه حتى دور الرقابة إذا ما أراد أن يمارسه.

    فالإخباريون أعادوا نشر القديم، وحصلوا على الدعم من عدة أطراف، وبطبيعة الحال أن السلاطين والخلفاء والحكام عندما تسود حالة من الركون والجهل والتخلف تكون إدارتهم للمشهد أسهل، على العكس مما لو سادت حالة الوعي والمعرفة والانفتاح والقراءة للآخر، إذ تأخذ الأمور منحىً أصعب بكثير. لذلك تتمحل السلطات الطرق الصعبة أو الملتوية أو المتأطرة بإطار معين، حتى تصبح الأمور كما هي عليه في الكثير من المواطن.

    لقد خلف أتباع هذه المدرسة وراءهم موروثاً كبيراً، لكنه ظاهري اللهجة والأسلوب، ولا يغوص في الأعماق، ولا يكلف نفسه عناء البحث في غربلة الرجال، ولا يستنطق النص كما ينبغي، لأن حالة الركود سرعان ما بدأت تأخذ مسار الإسقاط على رؤوس أولئك الذين أسسوا لها، فجمدت عقول الكثير من العلماء من هذا الاتجاه، لا لشيء إلا لأن المشهد يحتّم عليهم ذلك.

    فالمسار العلمي في هذا الظرف لم يتعدَّ جمع الموروث، والنسخ المكررة التي قد لا يختلف فيها شيء عن شيء إلا ببعض التقديم والتأخير، فاختلط الغث بالسمين، فكان الموروث المعلوم الذي ندفع نحن اليوم جزءاً كبيراً من ضريبته، ولا نستطيع أن نقترب منه لأنه يرتدي ثوب القداسة المفروضة. وإذا تعطل لسان العلم فلا تسأل عن مسار الفكر لأنه أحد نتاجاته.

    لقد كان الفكر في تلك المرحلة في أسوأ حالاته، حيث الضعف والخمول والخوف والترقب. فكان الخوف من فتوى الفقيه المتخلف في قراءاته وبعثرة موروثه، ومن السلطان الداعم لتلك التوجهات. فكان الفكر بين المطرقة والسندان، وقد استمر هذا المشهد حوالي أربعة إلى خمسة قرون من الزمن. ولك أن تتصور مدى الخطورة في تلك الحقبة الطويلة من الزمن.

    وبناء على تخلف المسار والرافد العلمي والفكري، ما عساك أن تسأل عن واقع المجتمع!. بطبيعة الحال أن المجتمع سوف يتحول إلى مجتمع مهلهل تصيبه الأمراض بجميع  مفاصله وجوانبه.

    بوادر الحراك الأصولي:

    إن هذا الأمر قذف بالنخبة من أبناء المجتمع في ذلك الأتون، وهي حالة طبيعية في جميع المسارات البشرية. فكل حالة لا بد أن يخرج من رحمها شيء يعاكسها، إما رغبة بالتمرد بما هو تمرد، أو لأنه يملك ما يناسب من القراءة لما سبق، ويملك من الآلية كذلك لاستشراف ما هو الآتي، فيمزج بينهما ويحدث تغييراً، وهذا ما لا يتحقق إلا للنخبة والعباقرة من أبناء الأمة، الذين يُعَدُّون في كل مرحلة على أصابع اليدين في أحسن التقادير، وإذا أحسنّا الظن. 

    في هذا الوضع بدأ التطور في الحراك الأصولي، لكنه التطور الحذر وليس المندفع المنفتح، فكان الحذر من المقصلة التي تقمع هذا الوليد الجديد. ولا فرق في هذا الأمر بين المدرستين والطائفتين الكبيرتين. وأنا لست مع من يقول: إن الاجتهاد مشرع الأبواب عند المدرسة الإمامية بالمطلق، ومغلق الأبواب لدى العامة بالمطلق، فهذا الحكم فيه الكثير من التجني.

    فالاجتهاد كممارسة استنباطية يمارسه الجميع، غاية ما في الأمر أن الآليات تختلف من فريق إلى آخر، فحتى في حياتنا الدراسية الأكاديمية اليوم نجد أن من يطرق أبواب العلوم والمعارف العليا ويأخذها عن الشرق، يختلف عما عليه الحال عند الغرب، فالملاك والتوجه والرغبة الجادة والحرية المطلقة تحكم الأمر.

    ونحن ـ مع شديد الأسف ـ نقرأ الحرية على أساس أن الإنسان يصبح مطلق اليد يمارس ما شاء، ولكن في الجانب المادي والرغبة الجسدية، حال أن الحرية لها أثرها الإيجابي على مسار العلم في الدرجة الأولى.

    إن الحراك الأصولي عند المدرسة الإمامية أحدث قفزات نوعية، وهو أمر يُشهد له، وحدث على أيدي العظماء من رجالات هذه المدرسة، كالشيخ الوحيد البهباني، والشيخ الأعظم الأنصاري والشيخ الآخوند الخراساني (قدس الله أسرارهم الشريفة) حيث ذهبوا بالمدرسة بعيداً في هذا الحقل.

    أما عند العامة فكانت مدرسة الأصول ولا زالت خجولة، إذا ما استثنينا الفخر الرازي، الذي استخدم علم الأصول في الجانب الكلامي وأعطى نظره في الكثير من القضايا، وكذلك الغزالي في بعض ممارساته، فنال كل منهما نصيباً وافراً. لكن هذا لا يعني أن المدرسة الأصولية لديهم متوقفة.

    إن وجود المدرسة الأصولية، الذي لا يختلف عليه اثنان لدى العامة، دليل على أن ممارسة الاجتهاد لديهم قائمة، ولم تكن معطلة في يوم من الأيام. لكن السيادة والقيادة والريادة في الاجتهاد كانت للأقطاب الأربعة، وهم أئمة المذاهب المعروفة.

    من أعلام الأحساء:

    كان نصيب الأحساء من علم الأصول جيداً، لكننا ـ مع شديد الأسف ـ لا نقرأ إلا لغيرنا، ولا يطربنا إلا الغير. فكان من الأحساء الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي (رحمه الله) الذي تحرك في مسار الاجتهاد بناءً على رؤيا الأصوليين، وأعطى النظر في الكثير من المسائل التي لم تضف له، إنما كتبت في سجلّه. وهذا يحملنا مسؤولية كبيرة أمام موروث هذا الرجل العظيم. فقد كتب من كتب عنه، ولكن بلغة المصادرة والمحاكمة على النوايا، وهذا أبشع أنواع استنباط الحكم.

    ومن علماء هذه المنطقة في تلك المرحلة أيضاً الشيخ الأوحد، أحمد بن زين الدين الأحسائي، هذا الرجل العظيم، الذي ينطبق عليه لفظ العلّامة لما فاز به من فنون متعددة، فقد وضع له قدماً راسخة لا تضاف إلا إليه حتى في المسار الأصولي. ولكن لأن جماعة معينة أبت إلا أن تجعل الإضافة على نحو الملاصقة ورفض الآخر، قيّدت وغيبت الكثير مما يتمتع به الشيخ الأوحد من تفرُّد. فيكفيه أنه فرض وجوده في إصفهان، عاصمة إيران السياسية والدينية آنذاك، حيث الملوك وأرباب العلم المعرفة في العلوم العقلية والنقلية، إلا أنه استطاع أن يسجل حضوراً ملفتاً من جهة، ومربكاً من جهة أخرى، لأنه طرح ما لم يكن معلوماً عندهم.

    وانتهى المشهد بما له وما عليه، وبقي علينا أن ننهض نحن بالمشروع، لا سيما الشباب الذين نقرأ فيهم الكثير من الأمل في أن ينهض بمشروعه، فالمادة المدروسة والمقروءة تسع الجميع، ولا نحتاج أن نزدحم على مفردة.

    الحوزة العلمية والحركة الشيوعية:

    ونقترب من الحقب الأخيرة، ففي أواخر الخمسينات، إلى نهاية الستينات بدأ يطرق المنطقة مسار فكري عصف بالكثير من الناس، ألا وهو المدّ الأحمر الشيوعي، وقد جاء بقراءة جديدة لم تكن محسوسة ومألوفة، وخاطب الشارع المأزوم في جانبه الاقتصادي، والمهزوز في جانبه الاجتماعي، والمعقَّد من خلال الهزائم التي خرج بها.

    ولأنهم كانوا يحملون رؤية معينة فيها طابع التجديد والرغبة في استنطاق النص على أساس آلية لم تكن مألوفة في الحوزات العلمية التي تشكل الحاضنة الكبرى للعلوم والمعارف عندنا وعند الطرف الآخر أيضاً في مدارسهم.

    لقد كانت الحوزة العلمية تشكل أمام المد الشيوعي عقبة كؤود. وأنا لست مع من يسأل عن دور الحوزات العلمية من المد الشيوعي، لأن هذا في اعتقادي كمن يرى الشمس في رابعة النهار ثم يسأل عنها، فالحوزة حاضرة، ولم تكن غائبة في يوم من الأيام، غاية ما في الأمر أنها لا تمتلك مؤسسة إعلامية تبرز وجهها المشرق، وإلى يومنا هذا مع شديد الأسف.

    فلو قمنا الآن باستبيان في هذا الجمع الكريم الذي أقوم بخدمته، عما يعرفه عن حوزة قم المقدسة أو النجف الأشرف، وهما الحوزتان الكبيرتان في عالم التشيع، فما عسى أن تكون الإجابة؟ هل ستكون مقنعة ؟

    لقد أصدر الإمام الحكيم (رضوان الله عليه) فتواه الشهيرة بكون الشيوعية كفراً وإلحاداً، وقد مرّ أكثر من خمسين سنة على تلك الفتوى، إلا أنها لا زالت مثار جدل في بعض دوائر القراءات العلمية في الحوزات العلمية! ولا زال الاقتراب منها والاستنطاق لا يكون في دائرة الحذر، فهل يكشف هذا عن حالة صحية.

    جاء الإمام الشهيد الصدر الأول (رضوان الله عليه) فشهر سلاح العلم والمعرفة والمجابهة، فخرق بذلك جميع الممارسات المألوفة والنهج المتعارف في الحوزات العلمية، بأن رجل الدين عليه أن يدرس الفقه والأصول والمنطق والعربية، ثم ينفتح في أحسن الأحوال على شيء من التفسير والتاريخ والدعاء، إلا أن الشهيد الصدر (رحمه الله) فاجأ الجميع بأن رجل الدين أكبر من ذلك، وأن القراءة تستوعب السياسة والاقتصاد والمجتمع، وهذه الروافد الثلاثة متى ما تحركت في وسط الأمة استطعنا أن نحصّن الجيل.

    إن الفتوى لوحدها قد تحدث فعلاً مباشراً، ولكن بحدود معينة، أما سلاح العلم فلا حدود له، إلا فيما يصبّ في حدود المصلحة العامة. لذا كتب السيد الشهيد الصدر (رحمه الله) اقتصادنا، وفلسفتنا، والأسس المنطقية للاستقراء. وهي نجوم ثلاثة أشرقت في سماء الدنيا، لكنها إلى اليوم لم تأخذ واقعها المتناسب معها في داخل الحوزات العلمية، فكيف بها خارج حدود الحوزة؟ هنا يكمن جزء من الخلل الذي بتنا نعيش بعض إرهاصاته.   

    التجديد في الخطاب الديني:

    مما لا شك فيه أن حركة التجديد في الخطاب الديني أحدثت نقلة نوعية للأمام، ولهذه النقلة رموزها، وربما لا يتقبل البعض اليوم ذلك، ولكن سوف تأتي الأيام التي تُرسم فيها المعالم وفق تلك الآراء والنظريات المثبتة.

    فالسيد الطبطبائي (رضوان الله تعالى عليه) أحدث ردة فعل كبيرة في مقاربة العرفان لمدرسة الفلسفة، والإسقاط القرآني عليها، ووقف البعض منها سلباً، لكن نتاجها اتضح فيما بعد. وعلينا نحن أن لا نستعجل الأمور، فقد عشنا طويلاً لا نقرأ إلا السلب، إلا أننا نستشرف الأمل.

    ومن أقطاب التجديد السيد الشهيد المطهري (رحمه الله) ذلك الرجل العظيم، فهو بالحسابات الحوزوية مجتهد مجاز، وبالحسابات الأكاديمية أستاذ علوم الإلهيات في أهم جامعة في إيران، وهي جامعة طهران، وفي الصراع الفكري كان مواجهاً لأقوى التيارات الضاربة آنذاك، ألا وهو مسار الدكتور شريعتي (رحمه الله) بما له وما عليه، فكان الصدر المفتوح، والعقلية المنفتحة، والخطاب المتنور، فاستطاع أن يقترب من مساحته وأن يتوغل في حدود دائرتها، وأن يخلص بما يخلص إليه.

    ثم جاء العلامة المرحوم آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله. وإذا أردنا أن نقرأ هذا الرجل فلا بد أن نقرأ المنظومة كاملةً، بعيداً عن دائرة التجزئة والتقطيع. والعصمة لا تكون إلا لأهلها، وأهل العصمة معروفون، وهم محمد وآل محمد (ص). فعندما ننعت زيداً من الناس أنه علّامة، فلا نعني بذلك أن كل ما جاء به هو الواقع، فهذا أمر غير مقصود أبداً، بل هنالك ثغرات في أقوال وأفكار الكثير من العلماء، منذ الصدر الأول وحتى يومنا هذا، وكثير مما ندفعه اليوم إنما هو بسبب تلك الإخفاقات غير المقصودة، ولم يدّعِ أحدٌ من العلماء العصمة لنفسه، فكيف ندّعيها لهم نحنُ؟

    لقد خلف السيد فضل الله (رحمه الله) وراءه مدرسة قد لا نحسن التعامل معها اليوم، ولكن سوف يأتي الجيل الذي يحسن التعامل معها. وأنا لا أنحاز له كشخص، إنما كفكر بما هو فكر، وحجتي في ذلك قول المولى علي علي (ع): «لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال»([4]). ولكن كل ما يجري اليوم هو خلاف منطق علي (ع) فحاكمية الموقف في أوساطنا الفكرية والدينية والعامة اليوم هي: انظر إلى من قال، ولا تنظر إلى ما قال. وهذه طامة كبرى. وها هي الأحكام تصدر قاسيةً جداً، فهذا كافر، وذاك فاسق، وذلك ضال، وهكذا.

    عوامل الجنوح نحو الإلحاد:

    أما عن الوضع الراهن، فنرى أن بين الإيمان والتحلل خيطاً رفيعاً. فما هي الأسباب التي انتهت بنا إلى ما نحن عليه؟

    أنا لست مع من يقول: إن الإلحاد يجتاح الشرق الأوسط، فهذه مؤامرة يقف خلفها مخابرات عالمية تدير الدمى في أكثر من مكان، ونحن نتماهى معها من حيث لا نشعر، ونروج لها من حيث لا نعلم. فهذه حالات من النتوء في أكثر من موقع وموقع، لكنها لا تشكل ما دون الظاهرة، ناهيك عن كونها ظاهرة تستدعي موقفاً. فلا ينبغي أن نعطي الأمر أكثر مما يستحق.

    وعلى فرض وجود حالات معينة، علينا أن نبحث عن الأسباب. فمن منا استنطق تلك الحالات عما يدور في أذهانهم بعيداً عن دائرة المحاكمة للنوايا؟

    في الكثير من الأحيان نجد من يقول: إن فلاناً من الناس لديه الرؤية الفلانية، وهي لا تنسجم مع الرأي العام، أو غير مقبولة في الوسط الفلاني، وما إلى ذلك، ثم يطلب أن تعقد معه جلسة للمناقشة، وتتم الجلسة مع مجموعة من أهل الرأي، ولكننا نجد أن الأمر بعد الجلسة يكون مختلفاً تماماً عما هو قبلها.

    إن أسباب الجنوح نحو الأفكار الإلحادية يمكن إيجازها فيما يلي: 

    1 ـ غياب الدور الأسري في بناء الذات بما يتماشى وأهمية المرحلة: فما هي الأدوار التي تنهض بها أسرنا اليوم؟ وما هي طريقة التعامل مع الأبناء؟ هل هذبناهم؟ هل حصّناهم؟ هل أهّلناهم للتعاطي مع القادم الأخطر؟

    في القادم من الأيام سيكون لدينا الآلاف من الشباب المتقدم في دراسته، المنفتح في قراءته، المتلاقح مع أفكار الآخرين، فهل سيكون هؤلاء جميعاً كفاراً وملاحدة لأنهم لا ينسجمون مع طبيعة الفكر الذي نتبناه؟ وهل كان الدور في العصر القرمطي أفضل مما هو عليه اليوم؟

    إن الأسرة هي الحاضنة الطبيعية للفرد، وهناك دور كبير مناط بها لا بد أن تقوم به، فيمكن أن تؤسس لفرد صالح قادر على المجابهة والتغيير، أو تُخرّج لنا مسخاً مهيئاً للانجراف وراء كل طارئ.

    أتذكر في الثمانينات الميلادية بعد التغييرات التي حصلت في المنطقة، اندفع الناس لتأسيس المكتبات في بيوتهم، فلنسأل أنفسنا هذا السؤال المشروع: ما هي علاقة أبناء ذلك الجيل مع مكتباتهم التي أسسوها في الثمانينات؟ والسؤال الآخر: هل أسهم من لم يعش الثمانينات في بناء مكتبة لأبنائه اليوم؟ وما هي عناوينها؟ هل هي جرجرة الماضي؟ أو أن الأمر يتماشى مع الواقع اليوم؟

    2 ـ غياب دور المؤسسة الدينية: وانحصارها في الصلاة والوجاهة. ففي أوائل الثمانينات الميلادية، وبسبب وجود الشهيد الصدر، والسيد الإمام (رضوان الله عليهما) وكوكبة نيرة من أهل العلم، استطاع الإسلاميون أن يتحركوا في مجال التدين والفكر، وأن يسيروا على هذين المسارين كليهما، أما اليوم فلا نكاد نرى إلا الصراع بين آية الله فلان، وحجة الله فلان، والعلّامة فلان، وجماعة فلان لا يدخلون الحسينية الفلانية، وأتباع فلان لا يدخلون المسجد الفلاني، وفلان لا يسلّم على فلان. فالأتباع والحواشي والقناطير المقنطرة كلها مستنفرة، ولكن لا في الطريق والاتجاه الصحيح، إنما في خلخلة صفوفنا وتشتيت جمعنا، وهذه من أعظم المصائب.

    3 ـ الظروف العالمية الخانقة من حولنا: فهي من القسوة بحيث أصبحت تلوي أعناق الكبار، وعلى الأصعدة كافة، فكيف بسائر الناس؟

    4 ـ الإحباط العام الذي بات يفرص نفسه على الساحة: فرجل الدين محبط، والتاجر محبط، والمرأة في بيتها محبطة، والجميع محبط. وهناك من يرفع لهم اللافتة من بعيد، ونحن نائمون غافلون.

    5 ـ الغزو الفكري الممنهج بآليات العصر الحديث: ولنعترف اليوم دون مكابرة أننا عاجزون عن مجاراته.

    فإذا كنا في قراءاتنا لا نقرأ سوى الرسالة العملية في أحسن الأحوال، وفي برامجنا التوعوية لا نجتر إلا القصص البالية، وإذا كانت منابرنا لا توقر أسماعنا إلا بالغث، فهل ننتظر حراكاً أو تقدماً أو تطوراً أو احتضاناً لأجيالنا بحيث لا تضيع من بين أيدينا؟

    إننا لا بد أن نحترم الثقافات المختلفة بين أوساطنا، لا أن نصدر الأحكام الجزافية عليهم، ومن يصدر أحكاماً بدائية إنما ينطلق من دائرة الشعور بالفشل، فهو ليس بقادر على التناغم والتعاطي مع حيثيات المشهد، فيلجأ إلى التحقير والاتهام بالإلحاد أو الانحراف أو ما إلى ذلك.

    يقول الإمام أمير المؤمنين (ع) واصفاً رسول الله (ص): «طبيبٌ دوّارٌ بِطِبّه، قد أحكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأحْمَى مَوَاسِمَهُ، يضع ذلك حيث الحاجةُ إليه من قلوبٍ عُمْيٍ، وآذانٍ صُمٍّ، وألسنةٍ بُكْمٍ، متَتَبِّعٌ بدوائِهِ مواضعَ الغَفْلة، ومواطنَ الحَيْرة»([5]).

    فرجل الدين ينبغي أن يكون عالماً، مثقفاً، منفتحاً، لديه شعور بالمسؤولية والمحبة، فهؤلاء أبناؤنا، ولا بد أن يكونوا تحت رعايتنا، وفي حدود مسؤوليتنا.

    6 ـ العودة إلى الذات: فعلينا أن نعود إلى ثوابت ديننا ومعطيات مدرسة أهل البيت (ع) ففيها الثراء، وأن نبتعد عن المزايدات في هذا المجال.

    7 ـ الشعور بالمسؤولية أمام جميع التحولات الداخلية والخارجية.

    8 ـ قبول الآخر ضمن دائرة الحوار الجاد والمنفتح: فالإسلام والمذهب والمرجعية الدينية لها القابلية الكبيرة على الاستيعاب، وكذلك رجل الدين الواعي المدرك المنفتح أيضاً، لا بد أن تكون له القابلية الكبيرة على الاستيعاب.

    تغييب الإلحاد:

    ربما يسأل البعض عن سبب وصف الإلحاد بأنه حالات مغيبة، وماذا نعني بالتغييب؟

    كما هو معروف أن بيئتنا بطبيعتها بيئة إسلامية ترفض كل ما لا يتلاءم مع الدين والإيمان، وهذا أمر إيجابي بلا شك. ولكن التحصين الفكري شيء، ومحاصرة الفكر شيء آخر. فالفكر عندما يحاصر، ولا يجد منفذاً مناسباً فلا شك أنه يغيب ويختفي. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، فربما لا تكون تلك الأفكار إلحادية بالمطلق، بل ربما تكون محض الإيمان، غاية ما في الأمر أنها أسئلة تبحث عن جواب.

    من هنا فإن قمع الفكر يؤدي إلى انحساره وغيابه، لكنه عندما يجد البيئة المناسبة سوف يخرج للسطح ليشكل خطورة أكبر.

    إنني أدعو دائماً إلى التعاطي مع الفكر أياً كان، بالمنطق والحكمة والموعظة الحسنة وتقبل الآخر ومناقشته، أما أن نلجأ إلى التوصيف المباشر لمجرد السؤال، وكيل الاتهامات فهو أمر في غاية الخطورة.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *