الثلاثاء 21 أغسطس, 2018

    شوقي بزيع: حرمني الشعر

    11
    views

    شوقي بزيع لـ”النهار”:

    حرمني الشعر من الدخول في مغامرات ومتع أخرى

    يستحقّ الشعر أن يأخذني إلى حيث يشاء لأكتب ما أجهله

    سارة ضاهر

    12669997_1015892788449585_539235173_oفي هذا الحوار يجيب الشاعر شوقي بزيع عن أسئلة “النهار”، التي انطلقت من ديوانه الأخير، “إلى أين تأخذني أيها الشعر”، لتعرّج على مسائل أدبية وثقافية ونقدية دقيقة، تطرّق إليها، وواجهها في تجربته الطويلة مع الكتابة، تتصل بالشعر نفسه، والوجود والحياة والحبّ والطفولة والطبيعة واللغة الشعرية.

    ■  أيّ سؤال هو الذي يصحّ: إلى أين يأخذك الشعر، أم إلى أين تأخذك الحياة؟

    –  السؤال يصحّ حول مصير الشاعر بما يتصل باللغة وبما يتّصل بالحياة في آن واحد. جعلت هذه القصيدة، “إلى أين تأخذني أيها الشعر؟”، عنوانا لمجموعتي الأخيرة، باعتبارها تمثّل السؤال الوجودي الملحّ والدائم الذي يطرحه الفنان والكاتب على نفسه: هل تستحق هذه القصائد التي يكتبها أو اللوحات التي يرسمها أو الموسيقى التي يعزفها، وما سوى ذلك، أن يقايضها بالحياة الحقيقيّة والمعيشة؟ هل تستحق أن نغامر بحياة واحدة لا تتكرّر مرّتين فيما نحرم نحن الكتاب أنفسنا من متع الحياة، من جمالاتها، من النهل من ينابيعها المرئيّة وغير المرئيّة؟ هو سؤال أعرف أنه تجاهل العارف. أنا أعرف أنّ الشعر يستحق، لكنّ الجواب ليس يقينيًّا وقطعيًّا بما يكفي لكي ينفي السؤال. كنت دائما أجازف بأشياء أتمنى أن أعيشها. حرمني الشعر من أن أدخل في أيّ مغامرة أخرى، تتعلّق في المهنة أو بالسياسة أو بالثروة أو بمجموعة من المتع اليومية كنت أضعها جانبًا من أجل أن أتفرّغ للكتابة.

    ■  هل تشكل قصائد ديوانك الأخير مرايا فلسفتك في الحياة؟

    112–  ليس الديوان الأخير هو الذي يشكّل هذه المرايا التي تعكس ما يعتمل في داخلنا من تمزّقات، من أسئلة وجوديّة، وأيضًا من احتفاء بالعالم. لست من الشعراء الذين يغرقون في القنوط والتشاؤم حتى لو كانت هناك نبرة حزن في قصائدي.هذه النبرة مشبعة دائما بثقب ما، ينبجس منه الضوء في نهاية النفق. ثمّ هناك ما يُسَمّى في الفن فرح التعبير الذي يردّ به الفنان على حزن المعنى. يمكنني أن أقول إني أحاول منذ ديوان “مرثيّة الغبار” الذي صدر في أوّل التسعينات، أن أقارب الشعر من مناطق مختلفة. الذي يتتبّع هذه التجربة يرى أنّ هناك اقتراحات دائمة على القصيدة. مثلا “سراب المثنّى” يطرح العلاقة بين اللغة كأداة لإيصال المعنى، واللغة كهدف جماليّ، أو اللغة كموضوع للاحتفاء، وللتنقيب عن الجمال في داخلها. لذلك، إضافة إلى قصائد الحب الّتي احتفيت فيها بالأنوثة بشكل عام، وبالمرأة التي كنت أحبّ في ذاك الوقت، كتبت عن تاء التأنيث، ألف المثنّى، حروف العلّة… بمعنى أنّ اللغة تحمل شحنات عالية من الشاعرية في داخلها، وهذا يلغي الثنائية بين الشكل والمضمون بشكل كامل. في حين أنّ “صراخ الأشجار” تذهب إلى مكان مختلف تمامًا، أي هي نوع من الاحتفاء بالشجر الذي عشت في كنفه في جنوب لبنان، وتتحوّل الأشجار هنا إلى تشكيلات على الفراديس التي فقدتها في زمان الطفولة، وقد يكون الفردوس هو الطفولة مستَرَدّةً عبر النوستالجيا والحنين واللغة. لذلك تحوّلت كل شجرة إلى تجلٍّ من تجليّات الأنوثة الكونيّة التي هبطت معنا من الجنة بعدما أوقعت الأفعى بحوّاء. في حين أنّ “فراشات لابتسامة بوذا” تدخل إلى مناطق لها علاقة بالعرفان والتصوّف والتأمّل وصولًا إلى النيرفانا أو وحدة الوجود. وكتبت عن موضوعات جديدة في ديواني الأخير، مثلاً، إضافة إلى القصيدة الأمّ، هناك أكثر من سؤال حول ما تقترحه الكتابة على الكاتب من مكابدات من جهة ومن متَع من جهة أخرى. علاقة الشاعر بالوجود مثلاً. في قصيدة “لمَن يكتب الشعراء” تحدّثت عن المساحة الشاغرة بين محدوديّة النصّ وسعة العالم. فيما الشاعر يكتب قصيدته داخل غرفة أو مقهى صغير، هناك ملايين الحيوات تبحث عن مصائرها في الأرض. تحدثت عن سائقي الشاحنات الذين يغامرون بحياتهم في أقاصي العالم، تحدثت عن أناس يغرقون في البحار، عن فتيات تدركهنّ سنّ البلوغ ويُطلِقنَ صرخات الدهشة. تحدّثت في قصيدة أخرى، “مَن يهدي الحياة إلى طراوتها”، عن مأزق الكتابة التي تهتمّ بوصف العالم، فيما الشعر الحقيقي يجب أن يكون تماهيًا مع العالم، وإعادة خلق له، وأيضا هذا تمّ عبر مجموعة من الرؤى والأخيلة المختلفة. إضافة إلى الاحتفاء بالفنّ التشكيلي عبر قصيدة مهداة إلى الفنان جميل ملاعب، وهناك إطلالة على تجربة خوان ميرو السوريالي الذي أحبّ عمله ومقاربته للخطوط والألوان، وقصائد إلى غارثيا لوركا، وقصائد احتفت بالمسنّين الذين يحاولون أن يبطئوا سيرهم في الحياة اليوميّة، كأنّهم لا يريدون أن يسرعوا في اتجاه الموت، محاولين أن يجعلوا المساحة الفاصلة بين وجودهم والموت مساحة أطول ممّا هي عليه في الواقع. أيضًا كتبت عن عزلة الخادمات اللواتي نأتي بهنّ إلى المنازل، ثمّ نُجلِسهنّ في غرف ضيّقة أو في المطابخ. كيف لهنّ أن يملأنَ هذا الفراغ الذي يعشنَه، هذا الصمت الذي يلفهنّ من كل جانب؟

    ■  عنوان الديوان وعنوان القصيدة الأولى منه “الدوّامة” يوحيان بأنك تعيش حالاً من الأرق، باحثا عن إجابة.ما هي الأسئلة التي تطرحها؟

    –  المفارقات الطريفة بالنسبة للكتابة الشعريّة أن تتحوّل الكتابة نفسها إلى موضوع للكتابة، وهذا ما بدأ يلحّ عليّ منذ سنوات، وبدا واضحًا في “مدن الآخرين” حيث كتبت عنصورة النبع في جفافه، وكتبت كيف أنصب فخًّا لمَا لا يُرى، وكلها قضايا تتعلّق بالطبيعة الزلقة للكتابة وللغة، بمعنى أنّها تفرّ من بين الأصابع، وأنّ المسافة بين الإرهاصات الأولى للشعر، وما نقبض عليه على الورقة البيضاء، يتيح لمعظم الصور والمفردات والعبارات أن تولّي الأدبار هاربةً من مخيّلتنا أو من أمام عيوننا. كأنّ الكتابة كائن بحري، نوع من السمك الذي لا نستطيع القبض عليه بشكل سهل. هذا الأمر استمرّ عبر المجموعات المتلاحقة، وبدا يحتلّ جزءًا من مجموعتي الأخيرة كما ذكرت. “الدوّامة” أحببت أن أبدأ بها ديواني الأخير، لأنني حاولت أن ألخّص معاناة الشاعر مع اللغة حيث لا يكفيه أن يهيئ نفسه للكتابة، وأن يأتي بالورقة البيضاء وأن يأنس إلى فنجان من القهوة ويكون في كامل لياقته. كلّ هذه العدّة تبدو خُلّبيّة إذا ما خذلته الكتابة أو خانته. وأحيانا هو لا يحضّر نفسه لشيء، ويكون منهمكا في أمور بعيدة كلّ البعد عن الشعر، ثمّ فجأة تأتيه القصيدة على حين غرّة وتشلّه بسيفٍ من البرق إذا صحّ التعبير، فلا يدري ماذا يفعل في هذا الوقت.قلت بأنّ الشاعر يمسك بطرف الخيط لكنّ الخيط ملقى في مكان مجهول، وهذا ما عبّرت عنه أيضًا في قصيدة سابقة بعنوان “الشاعر” عندما قلت:”دائما يكتب ما يجهله”. نحن لا نكتب ما نعلمه في الشعر، دائما نكتب ما نجهله، لأننا نكتشف أنفسنا من خلال الكتابة. يأتي الواحد إلى الكتابة خالي الوفاض تقريبا، من أيّ شيء، سوى قصاصات مبهمة من الأفكار وظلال المعاني، مدفوعا بإلحاح داخلي قد يكون متصلا بقصّة حبّ مثلا أو بالفقدان أو بالشعور بالزمن أو بالموت أو بالحياة. هناك موضوعات كثيرة،لكننا لا نعرف متى تدهمنا أو متى تنضج شجرة اللغة. الشاعر عندما تفلت منه المعاني، لا يسمع إلا “رنينا في الظلام”.لكنه معنيّ بتكرار المحاولة مرّة بعد أخرى لكي ينتشل هذا الرنين من مكانه الغامض والمبهم. وطبعا، في الكتابة، ليس الشاعر الأهم هو الذي يستسلم لسيولة اللغةوفيضانها، لكنّه الذي يعرف كيف يروّض اللغة بمهارة مصارِع الثيران، كيف يحذف منها ما هو زائد، وما يفيض على حاجة المعنى. لذلك نحن نعيش دائما بين حدّي المحو والكتابة، الإضمار والكلام.

    ■     تقول: “إلى أين تأخذني أيها الشعر،/ ياجنتي وجحيمي،/ وتوأم روحي الحزين،/ويا مرضاً في الشرايين،/ نازعني، وأنا بعدُ طفل،/ على غلتي من هشاشة ضوء النهار،/ وصيد خيالي الثمين”. في كلماتك الكثير من الخبرة، والوعي، يقابلهما إحساس بانعدام الطمأنينة والأمان. هل يتمّ استخدام النقيضين لهدف شعري فني مرتبط بالأسلوب؟ أم أنها قصائد مسكونة بالواقع؟

    – السؤال يختزل العمليّة الفنيّة برمّتها باعتبار أنّه هل الجماليّ هو الوجه الآخَر للوظيفيّ في الفن أم نقيضه؟ هو يبدو نقيضه عند بعض الشعراء الذين يذهبون بجماليّات اللغة إلى حدود أيقنة اللغة وبلوريّتها ورخاميّتها الباردة. أمّا امّحاء الجمالي، فيصل بنا إلى محو الفن وإلى إلغائه. أعتقد أنّ براعة الشعر الحقيقي أن يوائم بين العنصرَين الوظيفي والجماليّ. وهذا ما أحاول أن أفعله دائما، بحيث لا يطغى في الميزان جزء من الكتابة على جزء آخر. أما في مسألة التضاد التي تحكم شعري، أو التناقض الدائم بين الأشياء، فربّما يكون مصدر ذلك متّصلا بالفلسفة الماركسيّة التي تقول بالجدليّة بين الأشياء، حيث أنّ كلّ عنصرَين متناقضَين يولّدان عنصرًا ثالثًا، وهذا يخلق نوعًا من الديناميّة في توالد الحياة بعضها من بعض.

    ■ تغلب على قصائد الديوان النبرة الغنائية الهادئة، ومزج بين الشكل والمعنى، إلى جانب توظيف الكثير من رموز الميثولوجيا. بماذا يختلف ديوانك الأخير عن الدواوين السابقة من الناحية الفنية؟

    –  الشاعر هو نفسه وخلافه في آن واحد، تماما كما هي حال النهر، هناك تنوّع الماء ووحدة المجرى، فالنهر هو واحد ومتعدّد، وقد يصحّ هذا الشيء على تجربتي كما على تجارب أخرى، إذا كان الرجل هو الأسلوب كما يُقال في المثل الشائع، فإنّ هذا الأسلوب لا يعني النمطيّة والتكرار الدائم لما سبق أن تم إنجازه، ولكنه لا يعني أيضا انقطاعا مع ماضي الشاعر أو مع ماضي تراثه البعيد. أحاول باستمرار أن أنقّي لغتي من الإفاضات الزائدة، من عناصر الإفراط في البذخ الجماليّ، من الصنيع التركيبي. وطبعا، رغم أنّ العرب سمّوا الشعر والنثر الصناعَتَين، ولكن الصنعة لا يجب أن تتحوّل إلى تصنّع وإلى افتعال بقدر ما هي مهارة مزدوجة في تصيّد العناصر الّتي تتألّف منها القصيدة بشكل حاذق، ومهارة في إخفاء الصّنعة الّتي يمتلكها الشاعر أو يستخدمها، لذلك فإنّ المهارة هي في إخفاء المهارة . هذا ما أحاول العمل عليه دائما، لذلك ترين في قصيدتي محاولة لأن تقدّم معنى وإضافة وخبرة بالنسبة للقارئ، واقتراحا لقراءة الأشياء، ولكن دون أن أتخلّف في الوقت ذاته عن العناصر الأسلوبيّة، يعني رشاقة الأسلوب، الديناميّة الداخليّة في القصيدة، البُعد الدرامي الذي يقوم على تعدّد الأصوات وعلى التّضاد الّذي سبق وأشرتِ إليه في السؤال السّابق. طبعًا، أنا أحتفي بالصّورة احتفاء بالغًا. أحيانًا أقاوم الغنائيّة المتّصلة بالموسيقى، أغادر القافية في الكثير من الأحيان بشكل نهائيّ. وأحيانًا أباعِد بين القوافي لكي لا تتحوّل القصيدة إلى كمائن متكرّرة لقوافٍ لا لزوم لها. والقافية، من جهة ثانية، تمنع التوالد التلقائيّ للمعنى، لأنها تحدّ منه، ثمّ يشعر القارئ بأننا أوصلناه إلى نصف البئر ثمّ أعدناه مرّة ثانية. لذلك أنا ضدّ التماثل النمطي في مسألة الإيقاع سواء أكان وزنًا أو قافية، وفي الديوان الأخير هناك استخدام للعديد من البحور الشعريّة، ولا تزال هناك قدرات أكبر لاستخدام بحور أخرى، وهذه المسألة مطروحة على الشعر الحديث برمّته.

    إذًا لم أعد آبَه كثيرًا، على سبيل المثال، للصّوت العالي وللخطابيّة الّتي تستدِرّ التّصفيق أو لإرضاء الجمهور بقدر ما آبه أكثر إلى صوتي الداخليّ. ولكن يجب أن ننتبه هنا، بقدر ما نلتصق بأنفسنا، نلتصق بالعالم الخارجيّ، كلّما ذهبنا بعيدًا في أعماقنا، كلّما التقينا بالآخرين.

    ■  إلى ماذا تُرجِع هذا التّحول؟

    –  إلى النضج بالطبع. ما أكتبه الآن لم أكن أستطيع كتابته في العشرينات والثلاثينات. لكن هناك مَن يقول أيضًا، بخُبث أو من غير خبث، بأنّ ما كتبته في العشرينات والثلاثينات لا أستطيع أن أكتبه الآن أيضًا، وهذا شيء صحيح. بمعنى أنّ التفجّر الغنائيّ والإنشاديّ الذي كان يرافق مراحلي الأولى، وهي كانت مراحل أقرب إلى الغناء العاديّ والتطريب أحيانًا، لا أستطيع أن أعيده الآن، حتى لو حاولت. لحسن الحظّ أنّني أحتفظ بقدر وافِر من غنائيّتي السابقة، وهو ما يعود إلى تكويني الشخصي. أنا شخص عاطفيّ بشدّة. هذه الحرارة الموجودة في مشاعري وتكويني الشخصيّ تخفّف من البعد الذهني للكتابة الشعريّة عندي، يصبح هناك نوع من التطرية للأسلوب، وللرشاقة التي تمنع اللغة من أن يحتكّ بعضها ببعضها الآخَر. هي بدلًا من ذلك، تحتك بالحياة نفسها. مشكلة الكثر من الشعراء، أنّ الشعر عندهم هو احتكاك للّغة بنفسها. تشعرين بأنّ الشاعر لا يتّصل بشيء، بل هو مهندس ألفاظ ويحضّر القصيدة في مختبر لغويّ حياديّ ومنفصِل عن العالم.

    ■  في “سبعة وجوه للانتحار” و”رقصة سالومي” تتخذ من رأس يحيى، أو وجوه الموتى، مدخلا لتصوير لعبة الحياة في الموت، ولعبة الحياة في الشعر. ماذا رأيت؟

    – في “رقصة سالومي” هناك نوع من المقايضة بين الفن والحياة. كثيرون لا يعرفون أنّ سالومي، إدراكًا منها لضراوة ما تمتلكه من جمال ومن قدرة على الإدهاش عبر حركات جسدها الأفعويّ، لم ترضَ بأن تقدّم رقصتها، التي توصِل الجسد إلى تخومه الشهوانيّة القصوى، أقلّ من رأس يوحنا المعمدان ثمنًا لما تقدّمه. هذا جانب من الموضوع، مهمّ جدًا، وهو ما دفعني إلى الكتابة عن موضوع، أصلًا، كُتِبَ عنه الكثير من القصائد والمسرحيّات والأعمال الموسيقيّة، وليس جديدًا. ولكن على كل كاتب أن يقدّم عبره رؤيته المختلِفة إليه. الأمر الثاني، قرأت أنّ سالومي كانت تحبّ يوحنا المعمدان وأنّه لم يبادلها الحبّ، فانتصرت لكرامتها عبر قتله، وانتقمت لجمالها الجريح عبر قتل يوحنا. هذه العناصر جميعها دخلت في القصيدة التي تحاول اللغة عبرها أن تحضّر رقصة. تتدرّج اللغة من العنصر الإيقاعيّ البطيء في البداية لكي تتدافع بسرعة مطّردة وصولًا إلى الذروة في نهاية القصيدة. استعملت جناسًا مقصودًا وصائبًا هنا، هو مقايضة الرأس بالرقص. هنا، أحسست أنّ الجناس وقع في مكانه تمامًا. في “سبعة وجوه للانتحار”، انطلقت الفكرة من معاناة عاشتها شقيقتي الصغرى ليال، عبر إقدامها على الانتحار غير مرّة، ما تسبّب لها وللعائلة بأذى نفسيّ. وبما أنّه تربطني بشقيقتي علاقة خاصّة، شعرت بأنني أريد تكريمها عبر هذه القصيدة. ويجب أن أشير، للأمانة هنا، إلى أنّ كتاب الصديقة جمانة حدّاد عن الشعراء المنتحرين “سيجيء الموت وستكون له عيناك” شكّل نوعًا من الحافز لكتابة هذه القصيدة، لأنّه كتاب جميل وفيه الكثير من الجهد، سواء في التقديم أو في الاختيارات. في الواقع ما فعلته هو أنّ سبعة وجوه للانتحار، هي سبعة وجوه للموت، من دون أن أدخل في التفاصيل الصغيرة، ولم يكن بالإمكان إلا أن أستحضر انتحار خليل حاوي الذي خصصته بمقطع من هذه المقاطع. مع ذلك شعرت أنّ هذه القصيدة أقرب إلى العمل السمفوني، هي سمفونيّة من سبع حركات، يُكمِل بعضُها بعضًا. هذه القصيدة ليست حضا على الانتحار بقدر ما هي محاولة لفهم اللحظة التي ينقطع فيها البثّ كاملًا عن كلّ ما يحيط بنا، ويصبح الموت نداءً وحيدًا يصغي إليه المنتحر، أو ضوءًا ينتظره في نهاية حياته أو خلاصًا يذكّرنا بقول المتنبّي: “كفى بكَ داءً أن ترى الموتَ شافيا”.

    جريدة النهار اللبنانية 21-22 حزيران 2016

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *