الثلاثاء 18 ديسمبر, 2018

    شيخي البحر

    8
    views

    شيخي البحر(*)

    خليل عاصي

    1908113_424081251127745_6805891057314974417_n

    أذكر أنّي

    ذات نهارٍ آنستُ البحر ـ على غير العادة ـ

    في جلسة ودٍّ

    ولقد كنت أزور البحر مرارًا لكنْ

    كي أتذمّر من همّ الدنيا

    كي أُفرغ صدريَ ممّا ناء به من ألم وشقاء

    كنت أقول لنفسي بسذاجة طفلٍ

    هل يحسن هذا البحر الشيخ سوى الإصغاء؟!

    هل يحسن هذا الطّاعن في السرِّ سوى

    أن يلهث مثل عجوزٍ ملّ الترحال

    وأتعبه أنْ يلحس كالمبرد

    ما خَطّ الرَّمل من الأقوال!؟

    أُشفقُ

    أُطعمه ما يتيسّر من ماء عيون فقيرٍ مثلي

    وأدسُّ يدي في جيب القلبِ

    أجود عليه بفكّة حُبٍّ باقيةٍ

    صفراء، وأشرع في بوحي

    فألوّث من زيت جراحيَ سطح الماءْ

    أذكر حين جلستُ إليه

    في الجلسة إيّاها

    وعلى غير العادة منفرجًا

    كان هدير البحر قويًا أكثرَ من عادته

    كانت أنفاس البحر البركانَ

    يحاول فكّ القيد ولا يقدرْ

    أظفار الريح تُمزّق جلدته الزرقاء

    لتطعم أطفال الغيم

    الغيم الأسود والمثقل باللا رؤية

    يخشى هيجان الوحش

    فيحبس دمعته السوداءْ

    يهمس في أذن الموج على حذرٍ

    هل أمطرْ؟

    وأنا الشاخص مذهولاً من هذا المشهد

    لم أبصرْ،

    إلا

    كيف يفور الزبد الناصع

    من رحم الموجة مقتولاً

    ويعود فيغفرْ

    وعلى هذي الحال

    وفي لحظة كشفٍ

    أبصرتُ البحر على هيئة إنسانٍ يشبهني

    لكنْ يكبرني حزنا

    أرحبُ منّي حين يُلاذ به حضنا

    كفّاه الراجفتان

    خرائطُ كلِّ الأسرار المفقودة من صندوق العرافينْ

    وعليها بوضوحٍ تظهر

    كلُّ مفاتيح بحور الشعر الما فُتحتْ بعدُ

    وكلُّ الكلمات البكر الموؤودةْ

    متكئًا كان على كتف الرمل

    يحاول أن يَعْدِل مِن مشْيَته الهوجاءْ

    يدنو منّي

    وأنا في برزخ ما بين المدّ وبين الجزر

    أحاول أنْ أتهجّى ما يجري

    وأرى في عينيه الغائرتين

    دهاليزَ حضاراتٍ تائهةٍ

    يسألني عنّي

    عن أحوالي

    عن أشخاصٍ أعرفهم

    عن أشخاصٍ لا أعرفهم

    ما حال فلانٍ وفلانْ؟

    عن أشياءَ وعن أوطانْ

    وأنا كالشارد ليس معي

    كي أنفذ من جام الأسئلة الملقاة عليّ طريقٌ يفضي

    أو سلطانْ

    وإذا بسؤالٍ يَفْجَؤني

    يُغرقني حتى قاع الصَّدمة فيَّ

    بصوتٍ قلْ نايٌ مبحوحٌ جرّحه البُعد

    ونصفٌ من ثغرٍ يخطو في شفةٍ عرجاءَ يقولْ:

    أَخبِرني

    يا ناكئَ ثغر الأحزانْ

    عن شفتي الأخرى المقطوعةِ

    عن لبنانْ

    يستدرك حين يرى استغرابي، يكملُ:

    أعرف هذا الطائش من صغري

    مُذ كان شراعًا لا يعرف ميناءً

    مُذ كان يهيم بلا ربّانْ

    مخمورًا كان يجيءُ إليّ

    ليُفرغ مثلك ما ناء به من أشجانْ

    والآنَ الآنْ

    أذكر كم أخبرني وهْو يئنُّ ويَجهش:

    أخشى منّي وعليّ

    وأخشى أنْ أفقدَ فيّ الإنسانْ

    مُذّاك أنا

    ألثمه

    أغسل رجلَيهِ وأهدر:

    من كان بلا خطأٍ منكم

    فليرجمْهُ بماءْ

    عَرقُ الحَيرة

    يندى فوق جبين سؤالي الجامح نحو البحر

    فأسأله ما سرُّك؟ من أنت؟

    فيجيب على استحياءْ:

    يا صاح أنا أصل الفكرة

    بي من سمك الحكمة ما يكفي

    كي ينهل منّي الصيادون الحكماءْ

    أعود وأسأله: أَوَأنت الأنت؟

    ـ لست، ولكنيَ منه كذلك هُوْ

    سأحاول تبسيط الفكرة: شيءٌ مثلُ مرايا

    فأهز برأسي

    بسذاجة طفلٍ مدَّعيًا فهمي وأقول:

    الآن فقط،

    أفهم كيف تؤوب الناس إليك

    كيوم الحشر

    عرايا

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

     (*) محاكاة نقدية في الرؤية لرواية الشيخ والبحر للكاتب ارنست همنغواي

     

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *