الأحد 19 أغسطس, 2018

    الزواج المبكر وامتلاك مظاهر العفة

    13
    views

    الزواج المبكر وامتلاك مظاهر العفة

    علي راضي ابو زريق

    62OE3I0M-IXYQUHظاهرة الزواج المبكر التي تنتشر في الوطن العربي منذ مئات السنين قد تكون أحد أسباب بطء التطور الاجتماعي في الحياة العربية. فهي تحول دون نضج الإنسان واشتداد عوده واستوائه عفيفاً قوياً متسربلاً بلباس التقوى. ولعل السبب في انتشارها بين الناس سوء فهم لطبيعة العفة التي أمر بها البارئ عز وجل، ودعا إليها نبيه الحكيم.

    فذريعة العفة التي يكون من أجلها الزواج المبكر ليست صحيحة، بل العكس هو الصحيح. والحقيقة أن جهل العامة بطبيعة النفس البشرية وبطبيعة نموها هو الذي يدفع الناس لفهمهم الخاطئ هذا. فالزواج الذي يكون لحماية الإنسان من الانحراف يؤصل الضعف في النفس، ويحول دون امتلاك الإنسان للقدرة على مواجهة الإغواء الجنسي. لأن امتلاك العفة الحقيقية يحتاج إلى ترويض طويل على مغالبة الشهوة. مثله في ذلك مثل تربية النفس على الصبر والتقوى.

    وقد يظن أناس أن هذه الصفات تكون في أصل تكوين الفرد أو لا تكون. وهذا الظن غير دقيق، فالإنسان لا يخلق صابراً. لكنه يخلق ممتلكاً لبذرة الصبر. فتنمو تلك البذرة بالتربية السليمة، وتضعف في ظروف الوفرة والدلال، بل قد تُطحن تحت سنابك الاستعجال. والعفة لا تختلف عن الصبر، بل هما صنوان، ففي النفس أسباب العفة، والتربية السليمة تنميها، والتربية الخاطئة تقتلها. وأبرز معالم التربية السليمة تقوية إرادة العفة وتزيينها لليافع من خلال التزام الأبوين بها، واستعمال كلمات موحية باتجاه تزيين العفة للإنسان. وبالمقابل استعمال كلمات تكره للإنسان الانحراف مع التزام الأبوين والبيئة بالبعد عن الانحراف الجنسي.

    وكل تأخر طبيعي في الزواج يقوي أسباب العفة عند الإنسان السوي. وكل تبكير في الزواج يضعف دواعي العفة في النفس. فالحصول على الحاجة الجنسية بسهولة لا يقوي النفس، بل يضعفها. وإن كان يمنحها هدوءا إلى حين قصير من الزمن.

    وقد انتبه حكماء العصور الماضية لهذا الأمر فقال أحدهم:

    والنفس كالطفل إن ترضعه شبّ على                حبّ الرضاع وإن تفطمه ينفطم 

    وكلما كان الإنسان أكثر ضعفاً كان أسرع سقوطاً وأكثر سقوطاً. والضعف ينتج عن عدم الصبر على الشهوة واستعجال المتعة. ولا يتأتى الصبر إلا بالتربية والامتناع الكريم عن الفعل الدنيء.

    فالزواج المبكر إذاً يُضعف الإنسان في مجال العفة، ولا يحميه إلا حماية جسدية إلى حين من الزمان. ثم يعود بعد ملله من قرينه إلى الفاحشة يمارسها وهو متمكن من أساليبها متمرس بها  لكنه أضعف في مقاومتها. وقد انتبه القدامى إلى هذا فصاغوا خبرتهم هذه بالحكمة القائلة «أعزب دهر ولا أرمل شهر».

    وكما يحول الزواج المبكر دون نضج فضيلة العفة، وامتلاك الإنسان لحقيقتها وجوهرها فإنه يحول دون تطور المتزوجين زواجاً مبكراً في جوانب أخرى من شخصياتهم. فالزواج أصلا أحد المطالب الأساسية للإنسان. والطريق إليه أحد التحديات الأساسية أو العقبات التي يلزم أن يتجاوزها الإنسان ليثبت أهليته ويحقق ذاته. والإنسان ينمو وينضج من خلال مواجهة التحدي، واستجابته لاجتياز العقبة اجتيازاً طبيعياً ومقبولاً عُرفاً وشرعاً. فالإنسان ينضج من خلال المعاناة الكريمة في مواجهة تحديات الحياة. وبالمقابل فإن الذي يتزوج مبكراً يفقد فرصة النضج. لأنه يُحرم حالة مجاهدة السقوط للوصول عفيفاً إلى مرحلة الزواج.

    والزواج، خصوصا للمرأة، حالة استقرار. والاستقرار ليس دائماً حسناً. فالذي يفقد التوتر العادي الطاهر من أجل تحقيق هدف ما يتحول إلى كائن مستهلك لضرورات الحياة. ويفقد فرصة النمو الداخلي الذي يكبر به الإنسان ويتطور. ولماذا يتعب إنسان نفسه بالتطور ما دام قد حصل على أهم احتياجاته وأساسيات حياته؟ وهذه خسارة لا تقل عن خسارته لحقيقة العفة .

    والزواج المبكر يضعف دور الزمن في تطور الإنسان. ذلك أنه يجهض التجربة عندما يشعر الإنسان بالاستقرار ويفقد فرصة مقارعة الشيطان. فيشعر بالراحة قبل الأوان. وبدل أن يقارع دواعي السقوط يكرس حياته للازدياد من أدوات الشهوة، من خلال البحث عن الطعام واللباس والتكاثر بالمال والعقار وبقية مظاهر الحياة كل بما يناسب مستواه المادي.

    ومن ملاحظاتي على الذين يتزوجون مبكراً رجالاً ونساء أنهم يتجمدون عند المرحلة النفسية والذهنية التي تزوجوا عندها، خصوصا على صعيد النضج النفسي المؤدي إلى التقوى والترقي على دروب السمو الروحاني والفكري. وجل ما يمكنهم التوصل إليه امتلاك مظاهر هذه القيم السامية، كما امتلكوا بالزواج المبكر مظهر العفة؛ هذا في أحسن الحالات. لذلك نقول لعلها حيلة شيطانية تحول دون نضج الإنسان واشتداد عوده واستوائه عفيفاً قوياً متسربلاً بلباس التقوى. وتبقى لدى الناس شبهة كونتها قراءة خاطئة لحديث نبوي شريف ألا وهو قول النبي لجماعة من الشباب الفقراء الذين لم يقدروا على تكاليف الزواج «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج..»، وكلام النبي يًفهم وفق ظروفه، فهو حَفزٌ لأناس عجزوا عن تكاليف الزواج. وذلك ليحزموا أمرهم ويأخذوا بأسباب الحياة كي يصيروا أهلا للباءة ثم للزواج.

    ولعل الكلمة الفيصل في هذا الحديث هي كلمة الشباب. والناس لم يفهموا معنى كلمة الشباب ولم يعرفوا أبعادها. ولعل سبب ذلك المجاملة في تداولها فهي تطلق أحيانا على صبي في الحادية عشرة أو يافع في العشرين.

    لكن كلمة شاب في كتب اللغة الدقيقة تعني الإنسان بين الثلاثين والأربعين. يقول الثعالبي في كتابه فقه اللغة وسر العربية: «ثم ما دام بين الثلاثين والأربعين فهو شاب».

    وإلى هؤلاء الذين أوشكوا أن يطووا عقد الثلاثين، يقول النبي ، سارعوا إلى الزواج بعد امتلاك أدواته «من استطاع منكم الباءة»، وهو فهم عميق من النبي لموضوع تحديات الزواج. فلم يتسامح معهم ولم يقل تعالوا نزوجكم، بل قال «من استطاع منكم الباءة فليتزوج». نعم لا يجوز أن يكون الزواج حسب سنته الشريفة معطلاً للنمو والنضج، بل هو ثمرة تتوج مرحلة من النضج النفسي والخلقي والمادي، وعبر النبي عنها بالباءة.

    حتى نبينا لم يتزوج قبل الخامسة والعشرين، وهذا الرقم لا يؤخذ على إطلاقه؛ فالخامسة والعشرون في ظروف مكة في ذلك الزمن تعادل الثلاثين أو أكثر في أيامنا هذه. فالإنسان في تلك العهود، كان يبدأ حياته العملية وكسب الرزق في سن الثالثة عشرة أو قبلها، أي أنه يصل الخامسة والعشرين بعد بضع عشر سنة من ممارسة الحياة  ومقارعة خطوبها مستقلاً. فزواج الخامسة والعشرين في تلك الأيام يعتبر مائلا للتأخر وهو يقابل الثلاثين أو أكثر هذه الأيام. ولعله عمر الزواج المناسب للرجل في هذا الزمن ولعل عمر المرأة الذي يقابله هو الخامسة والعشرون.

    وبمثل هذا الزواج الناجح تتكون عائلات سعيدة قادرة على تربية أبناء أسوياء قادرين على مواجهة الحياة. وينطلق كل جيل مما وصل إليه الجيل السابق في مجال النضج الذهني والنفسي والخلقي. وبذا يعلو بناء تمدن المجتمع مع تقدم الزمن، بدل أن تبقى الأمة أجيالا تكرر نفسها (على غرار مسلسل باب الحارة) وجل همها من الحياة الاكتفاء من ضرورات الجسد، وامتلاك مظاهر القيم السامية بدل أن تتمثل حقائقها في العقل والنفس والسلوك.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *