الخميس 17 أغسطس, 2017

    التطرف الفكري.. أسبابه وآثاره

    التطرف الفكري.. أسبابه وآثاره

    السيد محمد رضا السلمان

    1389456935بسم الله الرحمن الرحيم

    مما لا شك فيه أن للفكر اليوم حركة واضحة تجتاح الساحة من جميع جوانبها، ولا يمكن لمن يعنيه الأمر ـ كائناً من كان ـ أن يدير ظهره لهذه الحقيقة.

    والفكر لغةً: هو إعمال الخاطر في الشيء. وحيث إن الله تعالى أكرم الإنسان بنعمة العقل، فقد فتح أمامه المسارات والمساحات ليطلق لعقله العنان، ليتحرك وفق هذه المسارات، مستعرضاً كل المساحات. هذا من حيث أصل الشيء. وغاية ما في الأمر أن يتدخل ما يتدخل من العوامل والأمور الطارئة المقيِّدة هنا أو هناك، وإنما تجري هذه وتلك بناءً على ما يستوجبه الواقع.

    أما الفكر بما هو هو، فهو التأمل. وما من إنسان عاقل إلا وهذه المساحة أمامه، وهذا الكون بكل أبعاده من ذرته إلى مجرته يدعو الإنسان ليطلق العنان لعقله فيما بين المساحتين، سابراً الأغوار، واقفاً على كنه الحقائق.

    فالفكر إذن حركة عقلية وقوة مدرِكة، يكتشف الإنسان عن طريقها القضايا المجهولة، وكم في هذا الكون من حولنا من القضايا التي تحتاج إلى إعمال النظر فيها، والتي يبحث عنها العقل ويستهدف تحصيلها من أجل نمو معارفه، أعني معارف الإنسان، أو معارف العقل الذي هو آلة المعرفة الإنسانية.

    والهدف من ذلك نمو المعارف وتحقيق العلوم في هذه الحياة، ونحن ممن أُوكلت إلينا جميعاً مسألة العمارة فيها على مبدأ الاستخلاف.

    مسارات الفكر الإنساني:

    وللفكر أقسامه التي لن أقف عندها إلا في حدود الفهرسة، وهي كالآتي:

    1 ـ الفكر التقويمي: وهو ما يبني أصوله على أساس القيمة والقياس في عرض القضايا ونقدها وتقويمها.

    2 ـ الفكر النقدي: ويعدّ اليوم المتسلط الأول على الكثير من مساحات فكرنا. سواء تحرك الإنسان بهذا الاتجاه وتحت هذا العنوان على أساس مقومات تم جمعها وترتيبها، أم كان مبنياً على نحو التطفل، ولهذا أيضاً طرقه ومساراته.

    والتفكير في هذا الجانب يبني أصوله وفق المنهج المنطقي عندما يتحرك في حدود المعنيّ به، وهم القلة بين أبناء المجتمعات عامة.

    3 ـ الفكر التأملي: وفيه تحرك أرباب السير والسلوك، وهؤلاء يبحثون عن كشف حقائق الأشياء بما أعملوه من عملية التطهير الداخلي والصفاء، ثم التحرك في مسار استنباط المجهول.

    4 ـ الفكر الإبداعي: وهو أشرف المسارات الأربعة، وهنا يأتي العبقري فيضع يده ولمسته وإنتاجه على طاولة العطاء المستهدف. ومداره النظرة الشمولية، لتعدد جوانب هذا المسار، ومن ذلك تتولد الأفكار الجديدة. وهنا يواجه أرباب هذا المسار المعضلة الكبيرة، ألا وهي عدم القبول، والرفض من السواد الأعظم من الناس، الموجَّه من خلال بوصلة تم تحريكها بعناية عن بُعد، واختفى المحركون وراء ستار داكن كي لا يتم التعرف على ذواتهم.

    فأصحاب المسار الرابع يحركون الأوراق في أكثر من اتجاه. يبعثرون ثم يرتبون ثم يستنتجون ثم يعرضون ثم يحاولون أن يوجدوا مساحة التطبيق خارجاً. وهؤلاء هم النخبة والصفوة، لأنه لا يصل الواحد منهم إلى هذا المقام من الفكر الإبداعي إلا بعد أن يأخذ بالكثير من الآليات، ويجمع الكثير من الأجندات كي يصل إلى الهدف.

    والأمم المتقدمة هي تلك التي تحترم من يستظل بهذه المظلة، ويتحرك ضمن هذا المسار، والأمم التي لا تحترم نفسها، ولا الإبداع ولا التجديد، هي من تُنابَذ وتصارَع وتحارَب وتحاول أن تُسقِط. ولكن يبقى الفكر الإبداعي هو سيد الموقف، إن لم يكن اليوم فهو في القادم من الأيام.

    العمق التاريخي للتطرف الفكري:

    وقد جاء التطرف الفكري ليجهز على أصحاب الفكر المتنور وسط الأمة، ولهذا عمقه التاريخي، وليس وليد الساعة ولا وليد الصراعات التي باتت تسوس الكثير من مناطقنا في شرقنا الأوسط والأدنى والأقصى، إنما كانت وما زالت عبارة عن حلقات متواصلة حتى بتنا اليوم نعيش ضمن حدود دائرة من تلك الدوائر، على أنها لن تنفتح إلا إذا تركت المساحة الكافية لأصحاب المسار الرابع، وهم المبدعون فكراً، أن يتحركوا في مساحة الحرية الكافية لحراكهم الذهني بعيداً عن الاستئصال والمطاردة.

    وفي صدر الإسلام كان ثمة تطرف فكري أزهق الكثير من الأرواح، ولم تسلم منه حتى أقرب القرابة من النبي (ص). وأما في الدولة الأموية فباتت الأمور واضحة، تعلن عن نفسها وترفع رايتها، لذا أخذت مدرسة وضع الحديث العابثة بمسار ثقافة الأمة الإسلامية دورها، فاشرأبت أعناق هنا وهناك، وما يُدفع اليوم ما هو إلا نتاج ذلك التطرف الفكري.

    ثم جاءت الدولة العباسية ليتضح المشهد بكل جلاء ووضوح، فكان المسلمون لا يعرفون الإسلام إلا بالاسم، حتى جاءت تلك الدولة فزرعت المذهبية في وسط الأمة على قاعدة فرق تسد، وكذلك تسنى لها. إما لغفلة السواد الأعظم، أو لغياب دور من يعنيهم الأمر، أو لأن الإرادة السياسية كانت آنذاك أكبر من أن يقف في وجهها من يمكنه أن يقول: إلى هنا كفى.

    أسباب التطرف الفكري:

    وللتطرف الفكري أسباب كثيرة، يمكن أن نجملها فيما يلي:

    1 ـ التربية الخاطئة: فأسباب التطرف تبدأ من التربية المغلوطة في داخل الأسرة، ونحن الذين ندفع بأبنائنا أحياناً إلى التطرف، بل نجعلهم أحياناً من العاملين في الصف الأول من التطرف .

    إننا نلاحظ أن لغة اليوم هي لغة البنادق والقاذفات والصواريخ الموجهة عن قرب أو بعد، آلية أو غير آلية. وأصبحنا اليوم نقدم لأبنائنا قطعاً من السلاح البلاستيكي، لكنها ترسم وتنقش في أذهانهم الكثير. فمتى نقدم لأبنائنا كتاباً يتماشى مع ذهنيتهم ثم نتطور فيه بقدر ما تتطور مداركهم؟ ومتى ننتقل من مشهد القسوة التي حاربها الإسلام في أول أيامه إلى مساحة الرحمة والمحبة والسلام التي أرادها الإسلام منذ يومه الأول؟

    فالتربية المغلوطة عامل أساسي، لأنها تمثل القواعد الأساسية الصلبة في حياة النشء. فمتى ما استقامت التربية في مرحلتها الأولى في دائرة الأسرة، علينا أن نكون في حالة من الرضا ـ وإن كان نسبياً ـ لما هو مستشَرف، شرط أن لا ترفع الأسرة يدها عن تلك البذرة وذلك النشء.

    2 ـ البيئة الفاسدة: وهي اليوم تلبس أكثر من لبوس، وتتقلب في أكثر من موجة وموجة، ولكن لنسأل أنفسنا: من صنع هذه البيئة الفاسدة؟ لا شك أن الذي صنعها هو التربية المغلوطة. فمن هذه الأسرة فرد، ومن تلك فرد، ثم ثالث ورابع، وتطول القائمة وتتشكل مجاميع، وتتحول إلى بؤر، ثم تنفجر في الوقت المحسوب أو غير المحسوب، لتدمر نفسها وتدمر الآخر من حولها، ويقف الجميع طوابير، إما متفرجين لا حول لهم ولا طول، وإما ينتظر أحدهم الركوب فيما ركبه من تقدم، ليحدث مثل ما أحدث.

    3 ـ التعليم المؤدلج: بجميع أبعاده، القومية والدينية والحزبية وغيرها من الأمور. وهذا البعد يشكل خاصرة صعبة جداً وليست رخوة، في بناء ذهنية الإنسان الشرقي اليوم مع شديد الأسف. فمع تلوّن مذهبياتهم واتجاهاتهم الفكرية والحزبية، إلا أنهم لم يغادروا هذه المساحة، إنما أثقلوا القيود على أنفسهم، وباتوا لا يتحركون إلا وفق معطياتهم، لأن النشء عندما يُسلَّم في أيادي المدارس التي يفترض أن تفعِّل جناحي التربية والتعليم، وتتكئ على التعليم دون التربية، أو على التربية المشوهة الناقصة على حساب التعليم، فمعنى ذلك أن الطفل في بدء حياته، أو الشاب في مقتبل عمره، تربوا تربية لا توصل إلى هدف ولا تعطي ثمرة مرضية، لا لهم، ولا لمن دفع بهم في هذا المسار، ولا من ينتظرهم من أبناء الأمة.

    مصادر التطرف الفكري:

    وللتطرف الفكري مظانّ كثيرة وخطيرة، تبدأ من وضع الحديث، فكم في موروثنا الحديثي من الروايات الموضوعة بكل عناية، وأحياناً بدقة فائقة، إما لخبرة من وضعها، أو لما كان يدفع به من التوجيه من جهات أعلى وأكبر، اتخذته جسراً ومطية تصل من خلاله إلى أهدافها. وإلا فإن الأعرابي الذي كان آنذاك لا يحسن أكثر من قراءة الحروف المفرَّقة، لا يمكن أن يحدث ما أحدث. فهناك عشرات الآلاف من الروايات في الموروث الإسلامي الحديثي، تحتاج إلى الغربلة، وربما يساعد الحال أن نشطب بعضها من قائمة الحديث دون أن نبذل جهداً يعتد به.

    ثم جاءت مدرسة الحديث لتتجلى الحالة في أسوأ معالمها، لأنها انطلقت من الوضع، فالإسرائيليات الواضحة التي لا تفوح منها إلا الرائحة النتنة، كثيرة ومبثوثة، تسيء إلى الله سبحانه وتعالى في علو مكانه، وتسيء للأنبياء والرسل وللأمم التي قضت، بل تسيء إلى نبي الرحمة (ص).

    وكم ذكرت مراراً وكررت أن ما يعرض في الغرب من الرسوم المسيئة، وما يؤلف من القصص المسيئة، أو ما يقام به من الأدوار في بعض الصحف المعنية أو غير المعنية، إنما هي بضاعة تُردّ إلينا، لأنها في أصول مدارسنا الحديثية التي أساءت وما زالت تشكل مادة دسمة يستطيع أن ينهل منها من ينهل، ليأتي بالإساءة بعد الإساءة.

    ثم جاءت مدرسة الكلام والعقيدة، وفيها من الخبط العشوائي ما لا يخفى على ذي بصر، وإن كان لا يمثل طولاً وحدية، إنما في أسوأ الحالات أن يكون قصيراً فيما يرى. إلا أنها أيضاً لم تخل من ذلك، وما عليك إلا أن تطرق باب صفات الخالق، لتضع يدك على وضع مأساوي يندى له جبين الإنسان المسلم الذي يعرف كرامة نفسه، ولأي دين ينتمي، وبأي نبي يلتزم، وهو النبي محمد (ص).

    ثم مدرسة الأدب والشعر التي كانت منذ الأيام الأولى في صدر الإسلام، وتنقلت بين الدولتين العظيمتين آنذاك، لما بسطوه من نفوذ على المساحات، وما شكلوه من التوسع.

    فالشعراء والأدباء منذ ذلك الحين إلى وقتنا الحاضر لهم يدٌ في رسم معالم المشهد، وهؤلاء حيثما وُجِّهوا توجهوا في الكثير من المساحات. فمنهم من يبيع نفسه وقيمه وأدبه وشعره بأبخس الأثمان. ومنهم من باعها بلا ثمن، ومنهم من أراد أن يتقرب بها متزلفاً هنا أو هناك، فكان لذلك من الإسقاط والإساءة والشد من مسار الإرهاب والتطرف الفكري الشيء الكثير.

    ثم جاءت الثقافة في بعديها الخاص والعام، وهما أيضاً من المسارات التي تنتظر منا الكثير، فعلينا أن نكون قُرّاء ولكن على أن نكون على درجة كافية من المعرفة حين الانتقاء وحين الدخول والولوج إلى مساحة تفضي بنا إلى ثقافة تنهض بهذا المجتمع والمجتمعات من حولنا. وهذا لا يتأتى إلا عندما نستعين بمن تقدموا علينا فقرأوا وكتبوا وجلسوا وحاوروا ونقدوا وانُتقدوا ثم تطوروا ووصلوا، لكن إذا بقيت الثقافة تتحرك بهذا اللباس، تتقنع حيث تشاء، وترفع قناعها عندما تجد نفسها في مساحة آمنة، فهذه أيضاً من موجبات تثبيت المسار الفكري في بعده التطرفي.

    وثمة مدرسة أخرى ـ إن صح نعتها بالمدرسة ـ وهي (الالتقاطية العشوائية)، التي قد تمثل الأكبر بين المساحات الشاغلة لأبناء المجتمع. فهؤلاء يسمعون من الإذاعة ويرتبون الأثر، ويقرأون في الصحافة أو يأخذون من المجالس والمنتديات العامة ويرتبون الآثار، غير أنهم لا يمسكون بأصول القضايا وثوابتها، وهم (الهمج الرعاع) الذين عناهم الإمام أمير المؤمنين (ع). وهم (الخميرة) السهلة اللينة التي تستطيع من يسيء إلى الإنسان بما هو إنسان، أو للإسلام، أن يصوغ منهم ما شاء من دمىً يفجر بعضها في مساجد العبادة وحسينيات الذكر، ويفجر بعضها الآخر في القادة والرموز من الساسة والأدباء والمفكرين والفنانين وغيرهم.

    الأمن مسؤولية الجميع:

    يقول تعالى: ﴿الَّذِيْنَ آمَنُوْا وَلَمْ يَلْبِسُوْا إِيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ، أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُوْنَ﴾([3]). فمسؤولية الأمن الفكري ـ أيها الأحبة ـ هي مسؤولية الجميع، ولا يمكن أن نلقيها على عاتق طرف دون آخر، فالجميع شركاء في أن ينهضوا بهذا الملف الثقيل، لأن الجهات التي يعنيها الأمر بدرجات متفاوتة، إذا ما اختار كل طرف لنفسه مساراً ثم لا يعنيه بعد ذلك شيء، فسوف لن نصل إلى نتيجة، بل ربما أسهمنا في تأكيد ما يريد العدو أن يزرعه وسط الأمة.

    فمسؤولية الأمن الفكري هي مسؤولية أفراد بالدرجة الأولى، وعلى كل واحد منا أن يكون محصناً فكرياً وثقافياً وتربوياً ودينياً وانتماءً، كي يستطيع أن يدفع الغائلة التي تتربص بنا في كل مكان وفي كل لحظة.

    أيها الأحبة: المساحة واسعة، والفجوة كبيرة، ولا يسدها إلا أصحاب الهمم والوعي والفكر والمسؤولية والاقتدار.

    فللأفراد والمجتمعات والجهات الرسمية دور، إذا ما تضافرت جهودهم في الإجهاز على ما هو موجود من البؤر المستوحلة في أكثر من مكان ومكان، وجهود جهة واحدة لا تُنهي المشكلة، وعلى الجميع أن يتعاون ويضع يده بيد الآخر لنستأصل جرثومة الفساد المتولدة من رحم الفكر المتطرف.

    صور التطرف:

    هنالك مسربان خطيران للغاية يتولد على أساسهما هذا الفكر، وهما:

    1 ـ الغلو والانحراف في الأطروحات الفكرية: وهذا موجود في جميع المذاهب دون استثناء، فالمذاهب الإسلامية كلها ملغمة، ننتظر انفجارها في أي لحظة. والغلو والانحراف واضح بين لا يمكن لأحد أن يغمض عينيه ويدعي أنه في طرف معين، أو أتباع مذهب أو مدرسة فكرية بعينها، فالجميع شركاء في ذلك.

    إن من ينال منك في جزئية من عبادتك فهو متطرف فكري، كائناً من كان، ولأي مذهب انتمى من المذاهب الشقيقة. كما أن من ينال من أم المؤمنين والصحابة المنتجبين هو من دائرة التطرف الفكري أيضاً، وإن كان من مذهبنا وأتباع مدرستنا، بالعنوان الأولي ـ بطبيعة الحال ـ وإلا فإن من يعرّض طائفته ودينه للمخاطر فليس منهم، كائناً من كان. وعلينا أن لا نجامل هؤلاء.

    كنا نقول: ولأجلِ عينٍ ألفُ عينٍ تُكرم، فكيف إذا كانت تلك العين التي نكرمها هي عين رسول الله (ص) التي كرمها الله سبحانه وتعالى في كتابه المنزل؟

    فهذه الصورة من نتاج الفكر المنحرف، لأن هناك قراءات غير موجهة واستنتاجات غير صحيحة يتلقفها أصحاب المدرسة الأخيرة التي تسامحنا في نعتها بالمدرسة، وهم (الهمج الرعاع) أصحاب الثقافة (الالتقاطية العشوائية).

    إن الاستعمار اليوم يلعب لعبته، والماسونية تدير العالم، فمن الطبيعي أن تدار عمامة هنا أو هناك، وهذا ليس أمراً جديداً.

    من المؤسف أن نتحرك وكأننا لا عمق تاريخياً لنا، ولا ننحدر عن ثقافة أمة عمرها أربعة عشر قرناً من الزمن، فيها الجميل والقبيح، والحسن والسيئ.   

    2 ـ التغريب والتحلل في المبادئ والقيم بعيداً عن الأصالة: فهناك من تقول له: قال جعفر بن محمد الصادق (ع) فيدير لك ظهره، ويراك من المتخلفين. بينما تذكر اسم أحد الكتّاب أو المنظّرين أو الأدباء أو العلماء في المعسكرات الأخرى فيتعامل معها أكثر من تعامله مع الآية المحكمة، أو من الشخصية المقدسة من السماء.

    لقد تحدثت سابقاً عن الوسطية، فلو أن الوسطية حكمت المجتمعات لسارت الأمم سيراً سجحاً، ولسادت المحبة، وترسخ الأمن والسلام، ولكن عندما يسود الموقف التطرف الفكري تعيش الأمم الفوضى وانعدام الأمن والكراهية. فعندما أَرفض أن تمارس عبادتك وفق مذهبك، أو أن تمارس الفكر المنفتح في حدود الضوابط، فهذا إرهاب فكري وحرب ومصادرة للعقول، فالله تعالى وهبنا العقول لا لكي نخدرها، إنما لنحركها ونستفيد من عطائها.

    إن مفردة العلم ومشتقاتها وردت في القرآن الكريم 854 مرة، وفي هذا إشارة إلى أهميته في حياتنا. أما مفردة التفكر ومقدماته، ومشتقاتها، وما هو بمعناها، فوردت 750 مرة. فالرسالة النبوية رسالة علم ووعي وفكر. فلا مجال للآيات والروايات في الدروشة وأمثالها.

    يقول تعالى: ﴿خُذُوْا زِيْنَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾([4]). ولكن عندما تُقرأ الآيات والأحاديث والروايات مقلوبة ترى الأمور معكوسة مقلوبة أيضاً.

    يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): «تكلموا تعرفوا»([5])، ولم يقل: أكثروا من تسبيحكم، أو أهملوا نظافة أجسادكم وملابسكم، إنما بالعلم والوعي والتفكير والانفتاح وحب الناس. فالدروشة لا تولد إلا الكره للناس، لأنهم يخدعون أنفسهم فيتصورون أنهم وصلوا إلى مقام يرون الناس فيه على حقيقتهم، فهذا قرد وذاك كلب وذلك حمار!

    إن كل من يدعي هذه المقامات فاتهموه في عقله، وزجوا به في أقرب مصحة نفسية، فليس هناك كشف للغيبيات لمن لا يتمتع بالعصمة، مطلقاً، كائناً من كان، عالماً أو عابداً أو قديساً أو غير ذلك.

    ومن يُكتب في سيرته الذاتية أنه كان يرى الناس على حقائقهم فقد شارك الله في علمه، وهذا ممتنع. وأتحدى أيّ عالم يُدّعى له، أو يدعي هذا المقام أن يراني على حقيقتي!.

    إن مثل هذا لا يرى حقيقة نفسه، ولا يعرف قيمتها، ولو رآها لما سار في هذا المسار. لكنه لكي يكمل النقص فيها يرى الناس قردة أو خنازير.

    فنحن اليوم بمسيس الحاجة للأمن الفكري، ولا بد من مظلّة تجعلنا نقول ما نرى ونحن في حالة من الارتياح والانبساط، لا أن تلاحقنا عصا الجلد في كل زاوية ومكان، فلا نستطيع أن نتفوه بأبسط المفردات. خصوصاً إذا كانت العصا دينية.

    نسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لكل خير، إنه ولي ذلك. والحمد لله رب العالمين.

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *