الثلاثاء 10 أكتوبر, 2017

    ما يبطل من عروض الساحر

    ما يبطل من عروض الساحر وما لا يبطل من الشعر

    شوقي بزيع

    bze3لم يكن اسم مظفر النواب ليتردد كثيراً على مسامعنا، نحن الجالسين على مقاعد الدراسة والمأخوذين بالحداثة الشعرية في مطالع السبعينيات من القرن الماضي. لا بل إنني على المستوى الشخصي لم أكن أعرف عنه أي شيء حين قدم الصديق الشاعر أحمد دحبور من مدينة حمص التي كان يقطنها آنذاك وروى لنا خبر الأمسية الحاشدة وغير المتكافئة التي جمعته بشاعر عراقي ساحر الحضور والصوت يُدعى مظفر النواب. فقد تمكن هذا الأخير من التلاعب بأعصاب الجموع الغفيرة من الحاضرين، وفق رواية دحبور، ودفعهم إلى حبس الأنفاس تارة، وإطلاق آهات النشوة تارة ثانية، والتصفيق الحار تارة ثالثة، مستخدماً لذلك ما يتجاوز النص الشعري الصرف وحده ويتوزع بين الغناء والتلاوة والمسرحة وليونة الجسد وغير ذلك. وأضاف صاحب «حكاية الولد الفلسطيني» بنبرة تتراوح بين المرارة والإعجاب بأنه حين قرأ إحدى قصائده المؤثرة التي يستلهم فيها واقعة التحكيم في حرب صفين بقوله: «يا فقراء العرب/ إنني خالع صاحبي فاخلعوهم معاً»، لم يكن ليتصور أبداً أن يفيد مظفر من هذا الطرح ليقلب المعادلة رأساً على عقب ويلهب الجمهور المحتشد عبر رده الصاعق في بداية «وصلته» الشعرية: «أما أنا فلا أخلع صاحبي»، متماهياً ولو بتغيير في الأدوار مع القولة الشهيرة لعمرو بن العاص.

    كنت أظن يومها أن في ما رواه أحمد دحبور عن مظفر النواب الكثير من المبالغة التي عوّدنا عليها الشاعر المفرط في رقّته وحساسيته، والذي يمتلك من جهته كل أسباب النجاح على منبر الشعر، سواء لجهة موهبته العالية أو لجهة التحكم في نبرات صوته وحركات جسده ويديه. ولكنني حين استمعت إلى مظفر في الأمسية الحاشدة التي أقيمت في صور، بعد ذلك بأقل من عام واحد، أدركت تمام الإدراك أن الصديق دحبور لم يكن في ما قاله ليتجاوز الحقيقة في شيء، لا بل إن ما عاينته وسمعته يفوق بكثير ما رواه الشاعر الذي رأى فيه محمود درويش في إحدى مقالاته «مستقبل الشعر الفلسطيني». بدا مظفر يومها قادماً من تجربة ونص لا يشبهان بأي حال ما ذهبت إليه الحداثة العربية من تعريفات ومعاينات ومحددات لمعنى التجديد في الشعر، سواء تلك التي تمثلت في تجربة مجلة «الآداب» المحافظة نسبياً، أو تلك التي ذهبت بها مجلة «شعر» إلى أقاصي المجازفة والتجاوز.

    كان الجمهور يومها خليطاً غير متجانس من المثقفين وأنصاف المثقفين واليساريين الجدد والمحافظين وأساتذة المدارس والتلامذة والشعراء والمهنيين والمزارعين والفتيان وكبار السن، وصولاً إلى الأميين بالكامل. لكن الغريب في الأمر أن الجميع بدوا في حالة انخطاف تام، يصمتون أو يتأوّهون أو ينتشون أو يصفقون بالطريقة ذاتها وفي الوقت عينه، حيث أمكن لذلك المايسترو الواقف قبالتهم أن يتحول وحيداً ومستعيناً بأدائه الساحر إلى جوقة كاملة من المنشدين. كان بين الحضور آنذاك من يتعصب، كأعتى ما يكون التعصب، لقصيدة الخليل بن أحمد، أو من يرون في أي خروج على القصيدة التقليدية خروجاً على الهوية القومية وتآمراً على لغة القرآن. لكن هؤلاء لم يأبهوا لكون الشاعر الذي أسكرهم قد كسر العمود الشعري لمصلحة قصيدة التفعيلة، وتصالحوا مع النصوص التي يسمعونها بمعزل عن الأشكال التي يتوسّلها صاحب «الريل وحمد». كل واحد من الحضور أمكن له أن يتفاعل مع ما يريده ويأنس له في قصائد مظفر وفي حضوره المنبري الاستثنائي. فمنهم من افتتن بصوته الجهوري المفعم بالشجن والطبقات المتفاوتة علواً وخفوتاً. ومنهم من افتتن بنزوعه الكربلائي ذي النبرة العراقية التي تلامس حدود التفجع. ومنهم من افتتن بإيقاعاته المدروسة والمحمولة على التكرار والهندسة الحاذقة والتناظر المتقن. ومنهم من افتتن بهجائياته السياسية المقذعة ضد الحكام والقادة العرب، ما يسمح لهؤلاء بالضحك على زعمائهم المستبدين، وتفريغ ما يفيض عن الحاجة من سخط ونقمة مزمنين. ومنهم، وبخاصة النخب المثقفة، من كان ينتظر الصور والاستعارات الموزعة بين الشهوانية العارمة والإشراقات الروحية المتاخمة للتصوف، لكي يطلق العنان لصيحات الابتهاج أو التصفيق الحاد، أو دعوة الشاعر إلى الإعادة.

    البعد الإيروتيكي

    قد تختزل قصيدة مظفر الطويلة «وتريات ليلية» معظم المفارقات التي تحكم تجربته الشعرية المتراوحة بين سطوح المعاني وأعماقها، حيث يتم الدمج بين البعد الشبقي للصور والمشاهد، وما تضمره اللغة من دلالات باطنية ومفتوحة على التأويل. فمن منا لم يردد مع الشاعر ويحفظ عنه مطلع قصيدته الجميل: «في تلك الساعة من شهوات الليل

    وعصافير الشوك الذهبية تستجلي أمجاد ملوك العرب القدماء

    وشجيرات البرّ تفوح بدفء مراهقة بدوية

    يكتظ حليب اللوز ويقطر من نهديها في الليل

    وأنا تحت النهدين إناء».

    ومن منا لم يشغفه البعد الايروتيكي الجارح في حسيته، في قوله عن النساء الفارسيات اللواتي خلبن لبّه بأنوثتهن الطاغية أثناء هربه من معتقله العراقي باتجاه الأهواز، قبل نصف قرن:

    «ورأيت صبايا فارس يغسلن النهد بماء الصبح

    لينتفض النهد كرأس القط من الغسل

    أموت بنهدٍ يحكم أكثر من كسرى في الليل…».

    هذا النزوع الملحّ لتأنيث العالم يتبدى في الكثير من نصوص مظفر بحيث إن مشهد القدس المغتصبة على مرأى من القادة المُحْجِمين عن إنقاذها لا يُقرأ في إطاره السياسي فحسب، بل يحيل إلى المشهدية الأصلية المتعلقة بتفاصيل واقعة الاغتصاب الجنسي وتردداتها الشهوانية في اللاوعي العربي الجمعي.

    السياسة المباشرة

    سيكون من الصعوبة بمكان الدفاع عن النصوص السياسية المباشرة في شعر مظفر النواب. لا لأن الشعر كفن قائم على الإيحاء والتكثيف لا يحتمل الدخول في السياسة، التي لا تضير الإبداع في شيء بل هي أحد أهم روافده ومحرّضاته، بل لأن الشعر هنا يصبح مسطّحاً ومكشوفاً وبلا ظهير تأويلي. صحيح أن الكثيرين يأنسون لشتائم الشاعر المقذعة بحق القادة والزعماء المنصرفين إلى تكديس الثروات وسحق الشعوب المقهورة، ولكن الصحيح أيضاً أن مثل هذه الشتائم ليست سوى إعادة تظهير معاصرة لفن الهجاء العربي، الذي يصعب أخذه إلا على محمل الدعابة والترويح عن عناء النفس المثقلة بهمومها. ولعل المشهد الكاريكاتوري لصورة المناضل الثوري «المتخم بالصدف البحري ببيروت» والذي «تكرّش حتى عاد بلا رقبة» لا يختلف كثيراً عن اللوحات الساخرة لهجائيات المثلث الأموي، جرير والفرزدق والأخطل، أو لهجائيات ابن الرومي المماثلة. وهو ما ينسحب بالقدر ذاته على قصيدة مظفر في هجاء القمم العربية العقيمة التي تقترب نقاشاتها من حوار الطرشان أو الثغاء الأجوف:

    «قممْ قممْ

    معزى على غنمْ

    جولة الكبش على سموّ نعجةٍ

    على حمارٍ بالقدمْ

    وتبدأ الجلسةُ

    لا ولن ولمْ».

    وأعتقد ان نصوصاً كهذه، على طرافتها وذكاء صاحبها اللماح، لا تخرج عن إطار النظم العادي ولا غاية لها على الأرجح إلا التنفيس عن مشاعر الإحباط والمرارة المشتركين بين الشاعر وجمهوره.

    لست لأجافي الحقيقة في شيء إذا قلت بأن مظفر النواب يتمتع بموهبة عالية وحساسية قلَّ نظيرها إزاء اللغة والإيقاع وجمالية الصور المحسوسة. ثمة طراوة في لغته المترعة بالضوء والانسياب المائي والتموّج الإيقاعي، الذي يساعده على تكرار وحدات البيت الصوتية كما يفعل المسلمون في حلقات الذكر. ولا غرابة في أن يصر الشاعر على احتساء الخمرة قبيل أمسياته الشعرية وأثناءها، ذلك لأنه يَدخل في حالة من النشوة المزدوجة في الثمل ويُدخل معه، بفعل العدوى وجمالية الإلقاء وحركات الجسد، سامعيه الكثر الذين لم يعتادوا على هذا النوع من المشهديات الشعرية الطقوسية، حيث يختلط البعد الديني الكربلائي بمتع أخرى تقع على الجانب الآخر من الروح. وأغلب الظن أن الشاعر في ما يكتب يضع في حسبانه الجمهور الجالس قبالته، ويرسم بخياله العناصر المختلفة التي تضمن لأمسياته المرتقبة طابعها الاحتفالي الشبيه بتراجيديات الإغريق القديمة. ومن هنا نستطيع أن نفسر إحجام الجمهور عن قراءة كتب الشاعر، فيما هو يقبل بالمئات على سماعه. كأن هذا الشعر يتغذى من لغة المشافهة والبوح العاطفي واللعب على الأصوات، بما يحوّلها إلى مسرح فريد لإيصال رسائل الحب والشهوة والألم والغربة والموت.

    على أن أفضل ما لدى مظفر النواب، عدا قصائده المحكية التي تنفجر عذوبة وتسديداً إلى صفاء الينابيع، هي القصائد التي تتخفف من وظيفتها السياسية والأيديولوجية لتتصل بحقيقة الشاعر ورحلاته الداخلية العميقة، كما في «جسر المباهج القديمة» التي تتحوّل إلى سؤال مؤرق عن حقيقة الأماكن ومغزى الرحيل إليها:

    «أوغلت كثيراً في البحرِ

    فأين البصرة؟

    صحيح أين البصرةُ؟

    البصرة بالنيّات

    لقد خلصتْ نيّاتي

    وتسلَّق في الليل عمى الألوان عليها

    أين البصرة؟

    بوصلتي تزعم عدة بصرات…».

    ثمة لدى مظفر شعور دائم بالغربة والمنفى، وحنين مواز إلى العراق. لكنه ليس العراق الذي على الخريطة، بل الوطن الذي يتأسس داخل جغرافيا الأحلام وفتنة اللغة، كما يعبّر الشاعر في قصيدته «عروس السفائن» حيث يتوق إلى قراءة روح العواصف ومآلها البعيد عن اعتلال جسده المهيض. ومظفر الذي لم تُعرف له مهنة سوى الشعر، كما هو حال «نسمة» طلال سلمان مع الحب، لن يلبث بعد صمود أسطوري أن يترنح تحت مطرقة الهزائم والخيبات العربية المتواصلة. وإذا صح أن المرء يختار أمراضه، كما يذهب بعض علماء النفس، فهل استدعى مظفر النواب مرض الألزهايمر بإرادة واعية لكي يساعده النسيان على التخفف من كوابيس الحاضر العربي المخيف؟ وهل أراد من تلقائه أن يتحول إلى شبح للشخص الذي كان يستطيع كعصا الساحر أن «يلتهم» القاعات الحاشدة ويستحوذ على ألباب شاغليها؟ وهل كان يستشعر بحدسه الاستشرافي الفريد ما سيؤول إليه في شيخوخته الأخيرة من عزلة خانقة حين قال:

    «أصابحُ الليل مصلوباً على أمل

     أن لا أموت غريباً ميتة الشبحِِ»؟.

    نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-03-11 على الصفحة رقم 10 – السفير الثقافي

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *