الأحد 25 يونيو, 2017

    لم نصل إلى نهاية الانحدار

    عزيز العظمة: لم نصل إلى نهاية الانحدار

    اسكندر حبش

    al3zmahتدّعي الهجمة السلفية أنه لم يحدث شيء في حياتنا والواقع أن أشياء كثيرة حدثت ولم يعُد واقعنا على صورته في الأمس. إننا في انحدار لم يبلغ بعد نهايته ولا زلنا نأمل في تشكيل قوى ضد الهجمة السلفية وأفعالها. فالخطاب الديموقراطي لما هو عندنا ساذج وشعبوي حتى أن فكرة المستبد العادل لا تزال تراود مثقفينا كما فكرة السيئ والأسوأ. أما العلمانية فليست إيديولوجيا بل تطوّر اجتماعي. لهذا يبدو الحوار مع السلفيين غير مجدٍ لأنهم لا يبادلونك الاعتراف.

    بعض من الأفكار التي طرحها المؤرخ والكاتب والمفكر عزيز العظمة، في هذا الحوار الذي جرى مؤخراً في بيروت، التي زارها لإلقاء محاضرتين ضمن برنامج لجامعة البلمند، حيث تحدّث في الأولى عن إشكالية «الدين بين الواقع والقضاء والقدر»، بينما قدّم في الثانية قراءة تاريخية لنشوء الإسلام. في هذا اللقاء، يتطرق الكاتب والمفكر إلى سلسلة من القضايا الراهنة.. التي تشغله.

    ما يجري اليوم من أحداث مختلفة، تجعلني أبدأ هذا الحوار بالسؤال التالي: هل تجد أن حركة النهضة العربية قد فشلت؟

    لا أظنّ أن كلمة فشل مناسبة للمقام هنا. هناك أزمة فعلية ولكن ليس فشلاً تاريخياً بمعنى الانهيار التام. هناك هجمة واسعة جداً، على هذا الاتجاه التحديثي في تاريخنا العربي الحديث، وهذا الاتجاه عمره 150 سنة، وعن طرقه حدثت تحولات اجتماعية فعلية. بهذا المعنى إن الجماعات التي تقول إننا مجتمعات إسلامية تفترض أنه لم يحدث شيء أبداً خلال هذه السنين الـ 150، وإن حدث شيء ما فهو كذبة كبيرة، أو كان سطحياً أو نخبوياً. أبداً ما حدث كان أكبر من ذلك بكثير ويمكن تبيان ذلك بتفصيل بالغ في مجالات السياسة والمجتمع والثقافة.. لم نكن نذهب إلى المدارس الإسلامية بل كنّا نذهب إلى مدارس عادية وجامعات..

    أو إرساليات أجنبية..

    وحتى إلى الإرساليات الأجنبية، وحتى النظام القانوني المتعلق بالحقوق الشخصية ـ على أساس الطوائف أو المذاهب ـ كان يُشرف عليه قضاة مدنيون ومحاكم مدنية. علينا أن نأخذ هذه الأمور بعين الاعتبار حتى نتبين فعلاً ما نعنيه حين نتحدّث عن دور الدين في المجتمع وعن موقعه.. حتى لو عدنا إلى خمسينيات القرن الماضي في سوريا، حيث كان لحركة الاخوان بعض الممثلين في البرلمان ـ وهي نسبة صغيرة بالطبع ـ لم تكن تهدف إلى ما نشهده اليوم. لم يكن هذا تصوّر مصطفى السباعي لدور الإسلام بل إن تصوره هو نوع من طاقة روحية عند الأفراد وطاقة أخلاقية في علاقات الناس مع بعضهم البعض. لم يفكر أبداً في صوغ دستور يفرض الشريعة الإسلامية..

    ما هو إذاً دور الدين اليوم، عدا تدمير أي إحساس مديني ومدني، وحين أقول الدين لا أعني الإيمان بطبيعة الحال..

    أنا معك بهذه العبارة. فعلاً، الدين بشكله الحركي وبشكله المتسلفن ـ ولا أقصد بذلك فقط أن له سياقاً دينياً سلفياً وفقهاً سلفياً وتطلعاً إلى مصادر رئيسية كالقرآن والحديث وحديث الأئمة الخ ـ ولكن محاولة إعادة قولبة المجتمع على هذه الصورة. وهذا أمر لم يكن يخطر على بال أحد… لقد حدث تطور بالغ ولهذا أسباب كثيرة. السبب الأول هو تنامي الطاقة الإعلامية والتنظيمية للحركات الإسلامية وقد بدأ هذا من خمسينيات القرن الماضي وبالضبط مع الحرب الباردة حين بدأ اعتماد الدين كنوع من الضابط الاجتماعي والسياق الاجتماعي الذي يمكن استخدامه لممانعة وبشكل أساسي الدول التحديثية التي كانت متحالفة مع الاتحاد السوفياتي أي مصر وسوريا. ابتدأ الأمر وقتها وبدأ بالتمدّد وفي أواخر الستينيات وبعد هزيمة حزيران ونشوء منظمة العالم الإسلامي صارت هناك بنى تحتية عالمية المدى وتربوية وتنظيمية وإعلامية للحركات الإسلامية إن في العالم العربي وإن في الغرب، وهذا هو السبب الرئيسي في النتائج التي نراها اليوم. ما أريد قوله هو التالي: لم يحدث أمرٌ مضمَرٌ في مجتمعاتنا انبثقت عنه هذه الحركات التي صارت سلفية والتي تزيد سلفيتها كل عام أكثر مما كانت عليه..

    وربّما «توحشاً»..

    نعم ووحشية، ما أقوله إن الإمكانيات ازدادت؛ الإمكانيات اللوجستية والبنية التحتية سمحت لهم بالتمدد الثقافي والتربوي والإعلامي والتنظيمي. وهذا ما أوصلنا إلى هنا. أضف إلى ذلك أنه في فترة العشرين سنة الأخيرة، نجد أن بعض الأنظمة العربية رعت هذه التيارات: تيارات الأسلمة الاجتماعية كنوع من الضوابط الاجتماعية في وضع من الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي والتوتر. وإن استعملنا تعبيراً اقتصادياً، لوجدنا أن العرض صار يزيد عن الطلب. بالاضافة إلى أوضاع التأزم والنظرة إلى الدولة على أساس أنها لا أخلاقية ويحكمها لصوص ومتسلّطون لهذا عرفنا نوعاً من النقد الأخلاقي للدولة الذي اكتسى لباس العبارات الدينية.

    الانحدار

    بالتأكيد لا أحد ينفي ما حدث في بعض هذه الدول العربية، ولكن أيضاً نجد أن بعض الأنظمة التي أتت بعد فترة التحرر الوطني والاستعمار كانت «استعمارية» أكثر من الاستعمار عينه..

    لنقل تسلطية أكثر..

    لا يمكن نفي ذلك بالطبع، ولكن هناك دول نفطية ساهمت بشكل كبير..

    هذا ما أقصده بمنظمة المؤتمر الإسلامي.. وهذه البنية العالمية التي دخلت فيها الدول الخليجية وغيرها.. لهذا نجد أن الموارد اللوجستية كانت ضخمة بشكل كبير، وقد تمدّدت إلى العالم بأسره..

    كيف تفسّر اليوم إذاً، استبدال أنظمة تسلطية، كما أسميتها بأنظمة أكثر تسلطاً، بمعنى أنه وبالرغم من كل المساوئ التي نجدها في هذه الأنظمة العسكرية، الآتي يتلخص بأنظمة أكثر تسلطاً لأنها دينية – عسكرية..

    هذا صحيح، لكن بالمناسبة، وبأي حال، هذا التوصيف نوع من الحل المثالي بالنسبة إلى الأميركيين في فترة من الفترات. يعني نظام يسيطر فيه العسكر على شؤون الأمن والسياسة وتسيطر فيه جماعات دينية مرتبطة بالعسكر على عمليات الضبط الاجتماعي. حصل هذا في السودان وحصل في باكستان بشكل كبير. في باكستان قبل ثلاثين سنة، أي قبل ضياء الحق، كانت بلداً مختلفاً كلياً لما هي عليه اليوم..

    وأفغانستان في السبعينيات..

    أيضاً صحيح.. تذكر جيداً المجاهدين ورونالد ريغان ورامبو..

    تقول إن النهضة لم تفشل، ولم تندثر.. هل لا تزال هناك إمكانية التفكير بمجتمع عربي مختلف..

    أعتقد أنه لا تزال هناك إمكانية. صحيح أننا في مرحلة انحدارية لكننا لم نصل بعد إلى نهايتها.. لهذا كل كلام قبل أن نصل إلى هذه النهاية سيكون كلاماً سابقاً لأوانه. ولكن هناك روح موجودة في مجتمعاتنا التي تسير بهذا الاتجاه أكانت تسير في هذا الاتجاه أو التي اكتسبته مجدداً، أي حين رأت هذه الكوارث التي جلبها مزيج الإسلام السياسي، والكوارث واضحة للجميع..

    بالتأكيد واضحة وبخاصة حين تشاهد الذبح والقتل وما يُعرَض من أفلام.. لكن السؤال، هؤلاء الذين يملكون هذه الروحية المختلفة، ماذا بالإمكان أن يفعلوا بعد؟ أولاً لا يملكون أي إمكانيات «لوجستية» حقيقية، وكل خطاب مختلف هو خطاب يُجابَه بالقتل والتصفية والعنف..

    هذا صحيح..

    حتى الكلمة التي تريد قولها عليك أن تعيد التفكير فيها مرات ومرات.. لهذا أجد أن هذه الجماعة المختلفة لم تعد تملك أي قدرة على المجابهة الحقيقية، من هنا، بأي معنى ستجابه؟

    ليس لديها القدرة على المجابهة بمعنى أنها لا تملك حزباً، أي ليس لديها طاقة تنظيمية، ولكن هناك أصوات كثيرة ومنابر كثيرة وما زالت مستمرة وستستمر؛ وفي اعتقادي أنها ستنتعش كردة فعل عامة ضد هذه الويلات التي جلبها علينا مزج الدين بالسياسة والذي لا نراه فقط في داعش بل أيضاً في نظام الاخوان المسلمين في مصر.. كما عند الجميع.

    صحيح، ولكن الخطورة أيضاً اليوم تكمن في أن الشريحة الأوسع من الشعب تجدها الآن وكأنها تعيد تفضيل النظام السلطوي العسكري ـ سمّه كما شئت ـ لربما وجدته أفضل إذ على الأقل كان يطرح علمانية ما، وإذا أردت ربما كان هذا النظام وبالقوة يمنع أي حديث مذهبي وطائفي.. بهذا المعنى كأننا نعيد تركيب نظام عسكري بطريقة أخرى..

    ثمّة جزء من هذا الكلام صحيح.. في أي حال، أي نوع من إصلاح لأصحاب الدين لشأن الدين، بدون دعم لوجيستي كبير ودفع سياسي ودعم سياسي تجلبه الدولة، لن ينجح. ولكن هناك بوادر. مثلاً في المغرب، حيث تجد أن القصر يتصدر عملية عقلنة الخطاب الديني في البلد..

    صحيح، ولكن هل نستطيع نفي موقعه كأمير للمؤمنين وما توارثه.. ربما ذلك يلعب الدور الكبير.

    بالتأكيد توارث ذلك كما تعرف من الأسرة العلوية في جنوب المغرب.. لكن هذا الأمر نجده اليوم في الصدارة، بغض النظر عن كونه أمير المؤمنين، وهذا يحميه في سياق معين، في سياق رمزي. ولكن في السياقات الأخرى كالتشريع والحياة السياسية اليومية ـ التي هي أهم من الرمز ـ ترى أن هناك نوعاً من الانفتاح ترك آثاراً بيّنة كالطريقة التي أعاد فيها تشكيل التعليم الديني مثلاً، وإعادة تنشئة الأئمة، الضغط على مَن يحملون أفكاراً متطرفة في السياسة لا فقط على مَن يحملون أفكاراً جهادية متطرفة، بل ما قبلها أيضاً أي على الأفكار المتطرفة في شؤون المجتمع وفي قصر المجتمع على نوع معين من الحياة. هذا أمر واضح. نجد مثلاً السيسي (الرئيس المصري) الذي قال أكثر من مرة إنه سيعمل على إصلاح الإسلام.. لننتظر ونرى إن كان بإمكانه القيام بذلك أو إن كان يملك الإرادة الفعلية لفعل ذلك، في أي حال هو يملك القدرات اللوجيستية وهي قدرات الدولة. وهنا، علينا أن لا ننسى أن الإصلاح الديني لم يحصل مرة بدون دعم الدولة. محمد عبده كان مفتي الجمهورية كما أن الإصلاحيين الإسلاميين أكانوا في مصر أم في غير مصر كانوا يمثلون عموماً مؤسسة عامة..

    العلمانية

    صحيح ولكن تأخّر هذا الإصلاح..

    كان وصل إلى مكان معين، لكنه انتكس انتكاسة فعلية تاريخية، لهذا يلزمه وقت لاسترجاع أنفاسه، وهذا يتطلب تحوّل أجيال، فالجيل الحالي الذي أصبح في مقتبل العمر تسمّمت أفكاره بما حصل في الفترة الأخيرة، لهذا نحن بحاجة إلى جيلين مختلفين، ليست قضية قصيرة الأمد.

    في أي حال ألا زلت تؤمن بالعلمانية؟

    طبعاً، بكل معانيها. أولاً هي ليست ايديولوجية، بل هي عملية تحول اجتماعي موضوعي قد يكون الذين «تعلمنوا» واعين به أم غير واعين.. هل يناسبك هذا الكلام؟

    يناسبني، ولكن هذا لا يمنع أن أطرح التالي: أحياناً يتراءى لي أن السيئ أفضل من الأسوأ.. سأستعيد مقولة فولتير الشهيرة بأنه أحياناً يلزمنا هذا الطاغي المتنور الذي هو أفضل من غيره. ما أريد قوله أمام ما يجري اليوم لم أعد أفهم ما معنى التغيير الديموقراطي..

    هذه ردّة فعل طبيعية بأن تقول ذلك.. أما التغيير الديموقراطي فهذا أمر بعيد المنال الآن.. بصراحة قضية الديموقراطية مطروحة، مَن قال إن الديموقراطية مطلب اجتماعي؟ أنا لا أعتقد أن هذا الكلام صحيح، علينا أن نقول إنها مطلب بعض الفئات.. يعني أولاً ليس هناك مطلب اجتماعي وثانياً معظم الخطاب الديموقراطي ـ باعتقادي ـ إما هو ساذج وإما هو شعبوي، وفي الحالتين لا يفيد كثيراً. لهذا يمكن لنا أن نفكّر بفكرة المستبد العادل وإن كنت لا أعرف إلى أي حد هي واقعية، ولكن هي فكرة مطروحة.

    ولكن إن طرحنا هذه الفكرة، فستجد خطاباً يخوّنك أكثر مما يخوّنك خطاب الإسلاميين والعسكر الخ.. ومن يدّعي الخطاب الديموقراطي يملك خطاباً تخوينياً أكبر..

    وهذه ناحية من نواحي القول إن عدد الديموقراطيين قليل، لأن إذ كان الديموقراطي يعتقد أن الآخر الذي يشكك في مسلماته خائن، فهو بالتأكيد على خطأ وليس ديموقراطياً..

    هل تجد من هنا أن ذلك يطرح سؤالاً كبيراً على الثقافة التي عشناها وتربّينا عليها وكوّنّاها.. شئنا أم أبينا هناك دائماً رقيب عسكري وديني في رأسنا؟

    هناك الكثير من هذا النوع، لكن عليك أن لا تنسى أن النواحي السياسية الايديولوجية في تاريخنا الحديث كانت يسارية وبعثية وشيوعية الخ، وليست بالضرورة ديموقراطية. نغمة الديموقراطية التي نعرفها اليوم، بدأت عندنا مع موجة الديموقراطية العالمية التي عرفناها في الثمانينيات في أوروبا بخاصة..

    وانهيار جدار برلين..} بالضبط، و(بالمعية) لأننا نحن دائماً على طرف ما يحدث في المراكز.. نحن فعلاً على الأطراف بهذا الأمر، فأخذناها، واستساغها الكثير منّا على علاتها.

    كيف تنظر إلى الأمور اليوم، اسأل هذا وفي بالي: أنك لو حاولت اليوم أن تكون «ديمقراطياً» لتوجب عليك أن تحاور هذا الإسلامي أو هذا السلفي، لأنك لو نفيته لتصرّفت بدكتاتورية من جديد، ولكن هل يسمح لك هذا السلفي بأن تحاوره..

    أبداً، وهنا المفارقة الفعلية وليست مفارقة نظرية، لأنك حين تتحاور مع هذه الجماعات فإنك تتحاور مع جماعات لا تعترف بك. منذ الثمانينيات، أعلنت أن الحوار مع الإسلاميين غير مجدٍ، ولامني البعض على ذلك. وبمختلف الأشكال.

    والآن بعد هذه السنوات الأخيرة..

    أقل جدوى ولكنه حاصل وسيحصل، هذا ما نشهده الآن في سوريا والعراق، ولكني أعتقد أن نتائجه لن تكون طيبة..

    محطات

    من مواليد دمشق العام 1947. مؤرخ وكاتب ومفكر وباحث وأستاذ جامعي، حاز شهادة الدكتوراه في العلوم الإسلامية من جامعة أكسفورد في انكلترا، كذلك تابع دراسته في توبنغن في ألمانيا.

    عمل استاذاً محاضراً في العديد من الجامعات العربية، وهو اليوم يعيش في فيينا، ويدرّس في جامعة بودابست.

    له العديد من الكتب والكتابات، منها: «ابن تيمية»، «الماوردي»، «محمد بن عبد الوهاب»، «ابن خلدون وتاريخيته»، «أبو بكر الرازي»، «التراث بين السلطان والتاريخ»، «الإسلام والحداثة»، «العلمانية من منظار مختلف»، «العلمانية في الفكر العربي الحديث»، «العرب والبرابرة»، «قسطنطين زريق: عربي للقرن العشرين» وغيرها..

    نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-03-04 على الصفحة رقم 9 – السفير الثقافي

    مقالات ذات صله

    الرد

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *